أطفال منبج السورية يعانقون أحلامهم في المدارس من جديد

الحرب تدمّر مستقبل الأطفال إن لم تقتلهم، فتقصف مدارسهم وتعرضهم للتشريد والجوع، وتقتل مدرسيهم ولا تترك لهم أملا في أن يعيشوا حياة كريمة، لذلك تراهم يهرعون في أول فرصة تتاح لهم إلى الإمساك بدفتر أو بكتاب رغم الجراح النفسية التي هم عليها بسبب القصف والموت اللذين يميزان حياتهم اليومية.
الخميس 2016/09/29
الابتسامة أول درس في العام الجديد

منبج (سوريا) - يركض عدد من التلامذة في فناء المدرسة بصخب في أول يوم من العام الدراسي بمدينة منبج في شمال سوريا غير مكترثين للشعارات التي خطها الدواعش على الجدران بالقرب منهم قبل انسحابهم من المدينة.

وهم يتذوقون متعة العودة إلى المدرسة التي افتقدوها خلال فترة طويلة من سيطرة الجهاديين على مدينتهم لمدة عامين. وتقول غفران (تسع سنوات) التي ترتدي سترة زهرية خفيفة “سررنا جدا بالعودة إلى المدرسة، ونتمنى الذهاب إليها كل يوم”.

وأغلق تنظيم داعش الصفوف التعليمية في مدرسة “البيرم” التي ترتادها غفران ونصب علمه الأسود والأبيض في جميع أرجائها، كما نظم حلقات للتربية الدينية منذ أن احتل المنطقة قبل عامين.

وتشير غفران إلى أن “تنظيم داعش لم يكن يدعنا نذهب إلى المدرسة”، مضيفة “اشتقت إلى أساتذتنا ولكتبنا”.

وفي بلدة أبوقلقل التي لحقها الدمار جراء الاشتباكات، يوضح أبومحمد وإلى جانبه زوجته وأربعة أطفال أن “الوضع اليوم جيد” قبل أن تقاطعه زوجته “الأمان هو الأهم”. ويتحدث الزوج بمرارة عن التنظيم الذي كان يعمد إلى رفع الأسعار وتجويع الناس بهدف إجبارهم على الانضمام إلى صفوفه.

ويقول “عانينا من غلاء معيشة كبير نتيجة سيطرة داعش على المنطقة، وكنا نشتري عشرة أرغفة خبز مقابل 350 ليرة سورية (أقل من دولار) لكننا اليوم عدنا نشتري 24 رغيفا مقابل مئة ليرة سورية”.

ويضيف “كانوا يقولون لنا من يريد أن يعيش بعز، عليه أن يلتحق بصفوفنا، لكنني رفضت وفضلت الجوع على الالتحاق بهم وظلم أبناء جلدتي”.

وحول تنظيم داعش المدارس إلى مقار أو سجون تابعة له، كما منع تدريس التلاميذ وفق المنهج الرسمي المعتمد في سوريا وفرض على الطلاب الخضوع لدورات تعليم ديني وألغى العديد من المواد الدراسية.

ويوضح الشاب رضا الصياد (18 عاما) وهو من قرية تل عرش كيف أحرقت عناصر التنظيم “الكتب المدرسية ومنعتنا من الدراسة وبدأت تفرض علينا دروسا دينية.. هم يعلموننا ويقولون لنا إن الأكراد والعلماء والأساتذة كلهم كفرة”. ويضيف “آمل أن نعود إلى مدرستنا وأن يصبح الوضع أفضل بعدما غادروا منطقتنا وتحسن وضعنا”.

ويقول حسن هارون، المنسق التعليمي في منبج، إن الجهاديين أغلقوا المئات من المدارس في منبج والقرى المحيطة بها ما حرم قرابة 78 ألف طفل من التعليم لمدة عامين.

وبدأ هارون وفريقه على الفور بالكشف عن المدارس المتضررة لمعرفة أي المدارس تمكن إعادة تأهيلها واستخدامها وأي منها غير صالحة.

وتمت إعادة فتح قرابة 192 مدرسة في منبج والقرى المحيطة بها من أصل 390 مدرسة، فيما لا تزال 59 مدرسة قيد الإصلاح، مشيرا إلى استمرار وجود مدارس تحت سيطرة التنظيم في المنطقة.

نصيب من الفرح والحياة

متى ستفتح المدارس أبوابها

يقول هارون وهو يهز رأسه مبتسما “إن إعادة فتح المدارس كانت أمرا سارا فعلا وإحساسا لا يوصف”، مضيفا “كان الجميع يسألني أينما ذهبت، متى ستفتح المدارس أبوابها؟ كان الجميع متلهفا للأمر”.

واحتفظ هارون بذكريات سوداء عن القواعد التي فرضها التنظيم المتطرف وروى كيف أن التنظيم الإرهابي قطع رؤوس ستة من زملائه بعد اتهامهم “بالتعامل مع النظام”.

وفي مدرسة البيرم، انتهز الأطفال فترة توقف الدروس لممارسة رياضة كرة القدم في باحة المدرسة أو لتعاطي أنشطة وألعاب أخرى كاللعب بالحصى. وبعد الاستراحة، جلس في إحدى القاعات نحو 20 طالبا على مقاعدهم الخشبية، فيما كان معلمان يوضحان لهم كيف يكون بإمكانهم تعويض عامين من الغياب الدراسي خلال عشرة أشهر.

وجلست الطفلة رنا الحسين مبتسمة في مقدمة الصف، في حين تكدست الكتب أمامها، وتقول الطفلة التي تبلغ من العمر تسع سنوات “عندما كان داعش هنا لم أتمكن من الدراسة، ذهبت إلى المدرسة يومين أو ثلاثة أيام ثم توقفت”، مضيفة “كنت انزعج عندما كانوا يخزنون الألغام في المدرسة”.

وتنوي الحسين، بعد انقطاع عامين عن الدراسة، أن تدمج الصفين الثالث والرابع وتدرسهما خلال عام واحد. وتقول “آمل في أن أصبح طبيبة لأتمكن من مساعدة الناس وإطعامهم”.

ويقول طارق الشيخ، أحد المدرسين في مدرسة البيرم، إنه كان يشعر بالمرارة عندما يرى المدارس مغلقة في مدينته. ويضيف المعلم نحيل البنية “الألم الأكبر كان ينتابني عندما أرى أن ولدا يحاول تعلم مهنة أو يمشي في الشارع ويلعب بالكرة لأنه لا يستطيع فعل شيء”.

ويشعر المعلمون بغبطة عارمة لمعاودة التدريس وعودة التلاميذ الذين يتوقون إلى كتبهم ودفاترهم المدرسية، رغم أنهم يقرون بأن كمّا كبيرا من العمل بانتظارهم.

رنا الحسين: عندما كان تنظيم داعش هنا لم أتمكن من الدراسة، ذهبت إلى المدرسة يومين أو ثلاثة ثم توقفت، كنت أنزعج عندما كانوا يخزنون الألغام في المدرسة

وفي المدرسة حيث عدد الكتب واللوازم المدرسية قليل، يجتمع الطلاب من مختلف الفئات العمرية في صف واحد، ويقول المعلم العشريني حسان عثمان “انقطع الطلاب عن الدراسة لمدة عامين، ومن هو في الصف الثالث أو الرابع لم يعد يتذكر الحروف”. ويضيف “في فترة الانقطاع شعرنا وكأننا فقدنا كل ما عملنا لأجله.. لقد فقدنا كل تعبنا.. وألقينا كل شيء عندما جلسنا في المنزل”، متابعا “يمكنك أن تتخيل ما يمكن أن تشعر به عندما تجني ما تزرعه (عند فتح المدارس)، إنه أجمل شعور”.

ويقول محمد العبدالله، المدرس المتقاعد (53 عاما)، “أرسلنا أولادنا إلى المدرسة لأسبوع فقط عندما سيطر تنظيم داعش على المدينة، لم يتعلموا سوى الآيات القرآنية ولاحقا كيفية استخدام السلاح والقتل”.

ورغم الخوف من الألغام والحزن على ما يحيط بهم من دمار، بدأ سكان منبج يخرجون من تحت عباءة الدواعش، فخلعت النساء النقاب عن وجوههن وحلق الرجال لحاهم.

وترتدي آية (11 عاما) ملابس فاتحة اللون وتقول مبتسمة “كان معلمو الدواعش يضربوننا بالخيزرانة إذا لم نحجب عيوننا.. عادت لنا حريتنا وكل شخص أصبح قادرا على أن يرتدي ما يريد.. أنا فرحة بملابسي”.

ويبدو أن الأطفال هم أكثر الفئات فرحا بخروج تنظيم داعش من المدينة بعد أن أمضوا قرابة السنتين من أعمارهم دون دراسة، ففي مطلع 2014 أعلن تنظيم داعش سيطرته على المدينة، ومنذ ذلك التاريخ أغلق المدارس في المدينة وريفها وأرغم الأطفال على الخضوع لدورات لإقناعهم بفكره.

ويقول مدرس من المدينة “كنت مدير خشفة وعدسة قبل وصول داعش إلى هذه المنطقة، وعندما كنا مداومين في هذه المدرسة وصل التنظيم ومنع التعليم في هذه القرية، ومنذ ذلك الوقت أصبح الأطفال دون تعليم”.

وخصّص مدرس في منبج منزله لمزاولة مهنة التدريس وتعليم الأطفال اللغة العربية والقرآن بعد أن أغلق الدواعش مدارس المدينة.

وقال المدرس “داعش أغلق مدارس منبج ليتخذها مقرا لمسلحيه، الأمر الذي حرم الأطفال من الدراسة، لكن بعد طرد التنظيم من المدينة صار من الضروري مزاولة مهنتي حتى أقدم الدعم المعرفي اللازم للمحتاجين”.

وفتح المدرس السوري أبواب منزله لأبنائه وأبناء أقاربه، وحاول الحصول على مناهج التدريس الابتدائية البسيطة التي تعتمد على تدريس الحروف كخطوة أولى نظرا إلى عدم توفر كتب علمية في المنطقة.

ألغام الدواعش

انفجر لغم من مخلفات تنظيم داعش في مدرسة في مدينة منبج في بداية الأسبوع، فأودى بحياة ثلاثة تلاميذ. وقال الناشط الحقوقي، منيف الطائي، إن لغما من مخلفات التنظيم انفجر في مدرسة سيف الدولة شرق سوق الهال في المدنية، أودى بحياة ثلاثة تلاميذ أعمارهم بين 10 و13 عاما، إضافة إلى عدة إصابات.

لا أحد يتأخر عن العلم

وأوضح الطائي أنه غير متأكد من نزع الألغام من المدرسة قبل إعادة فتحها، إلا أنه قال “لو أن مختصين ذهبوا وعاينوا المدرسة وأزالوا منها الألغام لما حدث ما حدث”.

ويعرف تنظيم داعش بتفخيخه للمناطق التي يخوض فيها معارك قبل خروج عناصره منها، وقال الطائي، إن “الألغام تملأ مدينة منبج بشكل شبه كامل، وهي مخبأة ضمن الأدوات المنزلية وتستهدف بوضوح المدنيين.. حيث قام الدواعش في البعض من الأحيان بإخفاء ألغام داخل سلة الثوم، التي من الواضح أنها إن قتلت أو أصابت أحدا فستكون امرأة داخل مطبخها.. وهذا فعل غير إنساني”. وتم تفخيخ المنازل من الداخل بشكل تنفجر معه الألغام عند استعمال أي قطعة من الأثاث، كالثلاجات مثلا التي وضعت فيها ألغام بطريقة تنفجر عند محاولة فتح بابها.

وقال الناشط أحمد محمد، إن داعش يخبئ الألغام “خلف اللوحات الجدارية وتحت نسخ المصاحف، وداخل أباريق الشاي والماء، وعلى أبواب البيوت، وفي البرادات”.

وقالت عناصر مختصة في تفكيك الألغام، إن التنظيم زرع الألغام والعبوات على طول الطرقات والحقول الزراعية وفي المنازل.

وأضافت أنه تم تفكيك ألغام زرعت داخل الأواني المنزلية والبرادات والغسالات والأسرّة والأرائك، في إشارة إلى أن ذلك يهدف إلى إلحاق خسائر بصفوف المدنيين.

ومازالت مخاوف الأطفال وأهاليهم قائمة بسبب الألغام المزروعة في كل مكان، لكنهم متأكدون من وجود حلول لهذه المعضلة وفتح طرقات آمنة لأطفالهم ليلتحقوا بتحقيق أحلامهم ومواصلة دراستهم، رغم أن عملية نزع الألغام تستغرق وقتا طويلا بسبب طبيعة المنطقة وتوزع الحقول والمناطق السكنية على مساحات واسعة جغرافيا.

20