أطفال ينتحرون في تونس.. القتامة تبلغ أقصاها

الأسرة عاجزة عن الإلمام بدورها التربوي بسبب قسوة الواقع والضغوط النفسية والاقتصادية.
الثلاثاء 2021/01/26
العائلة أولى آليات إصلاح منظومة الطفولة

بدأت جهات إعلامية وحقوقية وجمعيات مدنية في تونس تقرع ناقوس الخطر حول واقع الطفولة، وما تعانيه هذه الفئة العمرية الهشة من اضطرابات سلوكية وصلت حدّ الحالات الكارثية مثل تنامي ظاهرة الانتحار عند الأطفال، مما يستدعي إعلان نوع من “الطوارئ الاجتماعية” وإنشاء “خلية أزمة” بقصد حماية ما يقارب ثلث السكان، ولكن من يحمي ويصلح واقع بقية الشرائح التي تقوم بعمليات التربية والتأهيل والتدريس، وذلك ضمن واقع مأزوم على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟

قال الباحث والخبير التونسي في مجال الطفولة والأسرة إبراهيم ريحاني، أثناء حوار إذاعي مطوّل، إن “إصلاح منظومة الطفولة في تونس التي تعيش واقعا تنذر جميع مؤشراته بالخطورة، ينطلق بالاستثمار في تنمية الطفل عبر عدّة آليات، وتحقيق مفهوم الرفاه الاجتماعي الذي يساهم بدوره في الارتقاء بالناشئة وحمايتها من براثن الوهن والاستغلال ويبني جيلا يقدّر ذاته”.

وفسّر الباحث مفهوم الرفاه الاجتماعي بالعمل على ترسيخ دور الأسرة والمدرسة في التنشئة السليمة، من خلال تقليل ساعات العمل حتى يتسنى للوالدين الاهتمام بالأبناء بعيدا عن الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، ولتكون بذلك العائلة أولى آليات إصلاح منظومة الطفولة.

ويتفق خبراء تربويون من بينهم الباحث جوهر بن حمودة، على أنه يجب كذلك التقليص في الزمن المدرسي وترسيخ مفهوم المدرسة الصديقة عن طريق التخفيض من ساعات التعلم، وإحداث نواد وورشات فاعلة صلب المؤسسات التربوية لتساهم في صقل المهارات الحياتية للناشئة خاصة في السنوات الأولى من العمر.

ترسيخ دور الأسرة والمدرسة في التنشئة السليمة من خلال تقليل ساعات العمل حتى يتسنى للوالدين الاهتمام بالأبناء

وعلى صعيد الأسرة التي تمثل الحاضنة الأولى للطفل قبل أن تكون الشريك التربوي مع المدرسة، فإنها أمام قسوة الواقع المتغير والضغوطات النفسية والاقتصادية التي تحاصرها، تجد نفسها غير قادرة على الإلمام بدورها التربوي. وأكد الخبراء أن عدم امتلاك الأسرة المهارات التي تساعدها في التنشئة يجعلها تلجأ إلى العنف مما يولد لدى الطفل تقديرا سلبيا لذاته يغذيه غياب الترفيه وضغط المنظومة التربوية، فيتوجه بذلك إما إلى السلوكيات المحفوفة بالمخاطر أو إلى الانتحار الذي تنامى في السنوات الأخيرة. وأصبح بالإمكان الحديث عن ظاهرة حقيقية وليس الأمر مجرد تهويل إعلامي، كما يقول بعض المسؤولين في محاولتهم للتخفيف من حجم الكارثة.

وأبرزت حملة توعية تقوم بها السلطات التونسية، انتشار نسبة الجريمة في صفوف الأطفال، مشيرة إلى أن الإحصائيات المنشورة ضمن التقرير الوطني حول وضع الطفولة في تونس سنة 2018 كشفت أن 7925 طفلا محكوما عليهم في قوانين الأحداث، فضلا عن تنامي الاستغلال الاقتصادي للأطفال وتعرضهم للانتهاكات الجنسية، إذ بلغ عدد الإشعارات الواردة على مديري مراكز حماية الطفولة أكثر من 17500 إشعار في سنة 2019.

ويجمع غالبية خبراء التربية على أن التنشئة الاجتماعية للطفل لا تقتصر على دور الأسرة والمدرسة، إنما هي تفاعل بين العديد من المؤسسات التي تؤثر في رسم ملامح شخصيته، على غرار الشارع والمجتمع والوسائط الإلكترونية، الأمر الذي يتطلب رسم إستراتيجية تشاركية بين جميع المتدخلين، وفق رأي بن حمودة.

ولاحظ بن حمودة غياب سياسة عمومية مندمجة لحماية الطفولة بصفة تشاركية، داعيا إلى تفعيل المجلس الأعلى للطفولة الذي صدر القانون المنظم له بشكل رسمي منذ سنة 2012، وإلى حوكمة القطاع من خلال حسن التصرف في الموارد البشرية والمالية في المنظومة التربوية.

إصلاح منظومة الطفولة في تونس ينطلق بالاستثمار في تنمية الطفل عبر عدّة آليات، وتحقيق مفهوم الرفاه الاجتماعي الذي يساهم بدوره في الارتقاء بالناشئة وحمايتها

ورغم الجهود المبذولة على المستوى التشريعي وتسجيل بعض التحسن في التعليم الخاص، مقارنة بالبلدان المجاورة، إلا أن أزمة منظومة الطفولة في تونس لا تنحصر في المؤسسات التعليمية وكوادرها المشرفة والعاملة، بل في بنية مجتمعية شاملة تتعلق بالأسرة والشارع، وتمتد لتشمل ذلك التوتر العام الذي ساد البلاد في السنوات العشر الأخيرة، حيث غاب الحزم والصرامة في تطبيق القوانين والتزام الانضباط، مما تسبب في حالة من التسيب والاستهتار بسلطة الدولة التي تراجعت هيبتها نتيجة عجزها عن الوفاء بمستحقاتها والتزاماتها.

ويؤكد الباحث النفساني والخبير التربوي أحمد قاسمي تأثر الطفل بمنطق وسلوكيات كل من حوله من آباء ومربين من حيث علاقة هؤلاء بسلطة الدولة، ذلك أن الطفل الذي يشاهد كل يوم جملة التظاهرات والاحتجاجات ضد الحكومة، بالإضافة إلى الملاسنات وتبادل الشتائم والاتهامات بين المسؤولين على شاشات التلفزيون، يولّد لديه هذا المشهد المتصف بالفوضى والانخرام، نوعا من فقدان النموذج والمثال الذي يمكن الاحتذاء به فينزع نحو الاستهتار واللامبالاة، وتصبح الدراسة لديه شيئا عديم الجدوى.

وتبين -مما لا يقبل الشك- أن الطفل الذي يعاني أبوه من الفقر أو البطالة، ويرى شقيقه الأكبر وابن جيرانه “ينجحان” في تأمين حياتهما من خلال الهجرة السرية إلى أوروبا، تولد لديه رغبة في ترك الدراسة نحو ما يراه “أنفع” وأكثر جلبا للحياة السعيدة.

والتساؤل هنا: ما هو مصير قرابة 100 ألف منقطع عن التعليم سنويا -حسب معاهد الإحصاء- في ظل غياب تأطيرهم من الدولة ومنظمات المجتمع المدني؟ وكيف السبيل إلى التصدي لمأساة الأطفال المنقطعين عن التعليم ومصيرهم التراجيدي في بلد كان يفخر أنه استثمر في التعليم منذ تأسيس دولة الاستقلال في منتصف خمسينات القرن الماضي؟

وتؤكد الباحثة الاجتماعية فضيلة بن الشيخ، قائلة “إنها أزمة انهيار قيم بكل ما تعنيه هذه الكلمة”، مؤكدة أنه لا يمكن إنقاذ فئة هشة مثل الطفولة من واقع مرير تعاني منه بقية الفئات العمرية التي هي أكبر سنا ووعيا بما يجري حولها.

21