أطياف الأمس تحوم في أفق العرب: هل اختمر العجين وحميت نار التنور؟..

الأحد 2014/07/20

يبدو، والعلم عند أهل العلم، أن بدايات كل قرن ميلادي جديد في العصور الحديثة، يحمل معه تغيرات سياسية جذرية للعالم ومنه عالم العرب، وهو العالم الذي يهمنا في هذا المجال. فمع استهلال القرن الثامن عشر (1701-1800)، كان واضحا أن الثورة الصناعية، واستخدام الحديد والفحم والتقنية الجديدة، سوف يغير كثيرا من أوضاع العالم، السياسي منها وغير السياسي، ولعل من أهمها بداية توسع الإمبراطورية البريطانية، سيدة القرن التاسع عشر، وما ترتب على ذلك من تغيرات مست مختلف أرجاء العالم، مع بداية انحدار الإمبراطوريات التقليدية، من إسبانية وبرتغالية وغيرها.

ومع نهاية القرن، كانت الثورة الفرنسية وبزوغ نجم نابليون بونابرت (1769-1821)، والإمبراطورية الفرنسية، وكذلك الثورة الأميركية، وولادة الولايات المتحدة الأميركية، سيدة القرن العشرين بلا منازع. وبالنسبة إلى عالم العرب، شهدت نهاية القرن الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، مما سيكون له أكبر الأثر في تشكيل تاريخ العرب الفكري والسياسي طوال فترة القرن التاسع عشر وما بعدها.

ومع استهلال القرن التاسع عشر (1801-1900)، كانت هزيمة نابليون، وبداية عصر السلم البريطاني (Pax Britannica)، ومؤتمر فيينا عام 1815، وهو المؤتمر الذي أرسى قواعد النظام الدولي الجديد، بعد هزيمة فرنسا وسقوط نابليون.

وفي مستهل القرن العشرين، وفي أواخر عام 1915، وعندما بدا واضحا أن الحرب العظمى قد بدأت تسير في غير صالح الإمبراطوريات التقليدية، وخاصة الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية النمسا والمجر، بدأت الجهود والمباحثات بين الحلفاء والمنتصرين المحتملين في الحرب، وخاصة بريطانيا وفرنسا، على تحديد مستقبل الإمبراطوريات الآيلة للسقوط، وكيفية التصرف بممتلكاتها وأقاليمها ومناطق نفوذها الممتدة شرقا وغربا، فخرجت إلى الوجود بعد انتهاء الحرب عام 1918، دول أوروبية جديدة من رحم الإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية الروسية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية، والإمبراطورية العثمانية، مثل بولندا، وتشيكوسلوفاكيا (تفككت إلى تشيكو وسلوفينيا)، ومملكة الصرب والكروات والسلوفينيين (يوغسلافيا بعد الحرب الثانية)، وفنلندا، وجمهوريات البلطيق (أستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) التي أصبحت جزءا من الاتحاد السوفيتي لاحقاً، ثم حصلت على استقلالها بعد انهياره، وتغيرت خرائط دول كانت قائمة مثل ألمانيا التي سُلخت منها أقاليم عديدة ضُمّت إلى بعض الدول الجديدة، وكان ذلك أحد مُحرّضات ظهور الدعوة النازية لاحقاً، وما تلاها من حرب عظمى ثانية عام 1939، بل إن تركيا نفسها كادت تتشتت أقاليمها بين مختلف دول البلقان، وخاصة اليونان، لولا مجهودات الغازي مصطفى كمال (1881-1938)، الذي استطاع بمعاركه المتعددة الحفاظ على وحدة الأراضي التركية، وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، التي ما كانت لتكون لولا ذلك، ولذلك أسماه الأتراك بأتاتورك، أي أب الأتراك.

ما يهمنا هنا هو مآل تلك الأقاليم التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، وخاصة الواقعة في المشرق العربي، أو منطقة الهلال الخصيب، أو سوريا الكبرى وفق مفهوم الراحل أنطون سعادة (1904-1949)، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، والتي تشمل العراق والشام التاريخيين.


سايكس بيكو ماضيا وحاضرا


في أواخر ذلك العام، أي عام 1915، وتحديداً في نوفمبر/ تشرين الثاني، أصبح القنصل الفرنسي السابق في بيروت المسيو “فرانسوا جورج بيكو” (1870-1951)، مندوبا ساميا لفرنسا في الشرق الأدنى، الذي لم يلبث أن طار إلى القاهرة لمقابلة السير “مارك سايكس” (1879-1919)، المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، للتفاهم حول مصير التركة العثمانية في “الشرق الأدنى”، أو المشرق العربي. أسفر اللقاء عن “اتفاقية القاهرة السرية”، التي نالت المباركة الروسية، قبل انهيارها نتيجة ثورة أكتوبر عام 1917، والتي حُددت من خلالها مناطق نفوذ هذه الإمبراطوريات في التركة العثمانية في المنطقة، وقد تضمنت هذه الاتفاقية اثني عشر بندا متفق عليها بين الدولتين، وعرفت لاحقاً باسم اتفاقية “سايكس-بيكو” لعام 1916. بطبيعة الحال خضعت هذه الاتفاقية لتعديلات عديدة، وخاصة بعد اختفاء الإمبراطورية الروسية من الوجود، ولكن ما يهمنا هنا هو أن هذه الاتفاقية كانت قابلة ميلاد أقطار عربية عديدة في الهلال الخصيب، وهي العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، التي أصبحت “إسرائيل” لاحقا.

بطبيعة الحال كانت تلك الاتفاقية في غاية السرية، إلا أن انتصار الثورة الروسية فضح هذه الاتفاقية، وكان هناك ردّات فعل عديدة في المشرق العربي، ليس المجال مناقشتها في هذه العجالة.

اليوم يبدو أن أطياف السير سايكس والمسيو بيكو، وفوق الجميع طيف السير ونستون تشرشل (1874-1965)، المهندس الرئيس لخرائط الشرق الأوسط الحالي، تحوم في أجواء المنطقة، أم نقول أشباحهم. فالجغرافيا السياسية الحالية للشرق الأوسط، هي صناعة بريطانية فرنسية في المقام الأول، وهندسة بريطانية على وجه الخصوص. وإذا أردنا أن نتعمق أكثر، لوجدنا أن رجلا واحدا كان هو العقل المفكر، أو لنقل مهندس منطقة الشرق الأوسط الحالية، ألا وهو ونستون تشرشل. فالحدود الحالية لمنطقة الشرق الأوسط، وخاصة الحدود السياسية لمنطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية، إنما هي هندسة بريطانية في الجزء الأكبر منها. فبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أصبحت “ممتلكات” هذه الإمبراطورية إرثاً لقوى الحلفاء المنتصرة، وخاصة فرنسا وبريطانيا. وبين بريطانيا وفرنسا، كانت هندسة الشرق الأوسط تتحدد. بل وأكثر من ذلك، فإن كثيرا من الكيانات والأنظمة السياسية الحالية في المنطقة، البائد منها وما لم يبد، هو صناعة بريطانية بحتة.

العراق الحديث هو “تجميع” بريطاني لثلاث ولايات عثمانية. الأردن وإسرائيل والحدود بين دول الجزيرة العربية والخليج، كل ذلك يوجد فيه لبريطانيا، وونستون تشرشل خاصة، بصمة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها.

الإخوان المسلمون هم رهان الولايات المتحدة على تقليم أظافر الخطاب الإسلاموي السني سلمياً في المنطقة، عن طريق إعطاء تنظيم يُمثل هذا الخطاب الفرصة للحكم


تشرشل وخرائط الشرق


بصفة عامة، يمكن القول إن ونستون تشرشل هو العقل الاستراتيجي الأبرز في فترة ما بعد انهيار العالم القديم، عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، أو لنقل عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الدور البريطاني والفرنسي، أو دور القارة العجوز، قد أخذ في الانحسار لصالح القوتين الأعظم اللتين ظهرتا من بين الأنقاض: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكن الهندسة الأوروبية للشرق الأوسط بقيت كما هي دون تغيير.

اليوم هنالك واقع جديد يفرض نفسه في المنطقة، ودول جديدة تُطل برأسها، ودول أخرى على وشك التفتت لتنبثق عنها ربما دول وأنظمة سياسية جديدة، أو دول قديمة بحدود جديدة.

فالسلطة المركزية في كل من العراق وسوريا تكاد تكون منعدمة، إن لم تكن كذلك بالكامل أو في الطريق لأن تكون كذلك، والدولة الكردية التي طال انتظارها من قبل الأكراد، تكاد تُصبح واقعاً ملموساً، وقاب قوسين أو أدنى من الظهور، ولا ينقص إقليم كردستان العراق مثلاً إلا الإعلان الرسمي عن الدولة الكردية، فكل مقومات الدولة، من أرض وشعب وحكومة ذات سيادة، قائمة، والعلم الكردي يُرفرف في أربيل والسليمانية وغيرها، وربما كركوك قريباً، والطائفية ترفرف بأعلامها على المنطقة اليوم، بمثل ما كانت القومية ترفرف بأعلامها على المنطقة بالأمس، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والتشظي السني-الشيعي يهيمن على هذه الكيانات، بغض النظر عن الحديث الرسمي عن رفض الطائفية والتقسيم على هذا الأساس، فكل شعب من شعوب هذه الدول هو في الحقيقة عدة شعوب اليوم، وإيران تبحث لها عن موقع مميز في سلم القوى الإقليمية والدولية استغلالاً لهذه الفوضى، والسعودية تراقب بكل حذر هذه التطورات، في محاولة للحفاظ على كيانها الواحد المهدد من الشمال والجنوب، وتركيا تخشى أن تمتد يد التعديل الجديد إليها، في الوقت الذي تحاول فيه بعث أمجاد آل عثمان في المنطقة استغلالاً لتلك الظروف، وإسرائيل بمراكز أبحاثها المتعددة (Think Tanks) تحاول أن تضع السيناريوهات المحتملة لكل ذلك، والاستفادة القصوى من أجل أمنها وهيمنتها.

إنها ذات أجواء ما بعد الحرب العالمية الأولى، أو فترة ما بين الحربين العالميتين بشكل عام، حيث تتداخل الألوان وتتمازج تارة وتتنافر تارات أخرى، وكل ذلك لا يلبث أن ينجلي، عاجلا أو آجلا، عن واقع جديد، وكيانات جديدة ربما، ومعادلات دولية جديدة، تؤسس لعلاقات دولية جديدة.

كل هذه الفوضى، وكل هذا التفاعل بين العناصر الكيميائية السياسية داخل البوتقة المشرقية العربية، لا يلبث أن يأتي يوم ويهدأ ولو إلى حين، ولكن ذلك لن يحدث بفعل عوامل عشوائية، وإن كانت العشوائية ظاهرا هي سيدة الموقف، إذ لا شك أن هنالك أمورا عديدة تُطبخ اليوم في المطبخ السياسي الدولي منه والإقليمي.


أمر يدبر بليل


اتفاقية “الخواجتين” عام 1916، لم يعرف عنها أحد سوى المشاركين فيها، ولولا الثورة الروسية وفضحها لتلك الاتفاقية لما علم بها أحد، فما يدرينا أن شيئاً من ذاك القبيل يجري اليوم وراء الكواليس المعتمة للسياسة الدولية؟ ما يدرينا أن هنالك اتفاقية أميركية روسية، بمباركة فرنسية وبريطانية وقوى إقليمية معينة مثل إيران وتركيا وإسرائيل مثلاً، بإعادة تشكيل المنطقة ورسم خريطتها من جديد، وربما تُعرف مستقبلاً باسم “اتفاقية كيري-لافروف” مثلاً، تأسّياً بسايكس وبيكو؟ كل ذلك هو طي الكتمان اليوم، ولكن، وكما يقول المثل العربي، فإن وراء الأكمة ما وراءها، وهنالك شيء يُدبّر بليل، كل المؤشرات والتحركات والأحداث والتطورات تُشير إلى ذلك.

فمثلاً، كل شيء تقريباً يُشير إلى أن العراق كما عهدناه لن يكون موجوداً قريباً، وسوريا كما عرفناها لن تكون ذات سوريا التي على الخريطة الآن، والدولة الكردية المستقلة قادمة، وستبزغ إيران وتركيا وإسرائيل كأبرز القوى المستفيدة من هذه “الفوضى الخلاقة” إقليمياً، أما السعودية فإنها تحاول اليوم رسم سياسة خارجية جديدة، وبناء استراتيجية مختلفة، تحاول من خلالها مسح الآثار السلبية لسياستها الخارجية السابقة وإخفاقاتها، والبحث لها عن دور يضمن أمنها واستقرارها وموقعها، في عملية إعادة تشكيل المنطقة.

فمن أبرز المؤشرات البسيطة، ولكن يُمكن أن يُستشف منها الكثير عما ينمو في رحم المنطقة من جنين على وشك الاكتمال، هو ظهور “داعش” المفاجئ والمباغت مثلاً، وانحسار نفوذ وقوة بقية التنظيمات الإسلاموية الأخرى، وخاصة بعد السقوط المدوي للإخوان المسلمين في مصر، وتعرقل مشروعهم العابر للحدود.

لقد كان الإخوان المسلمون هم رهان الولايات المتحدة على تقليم أظافر الخطاب الإسلاموي السني سلمياً في المنطقة، عن طريق إعطاء تنظيم يُمثل هذا الخطاب الفرصة للحكم، وبالتالي سحب البساط من تحت أقدام المتطرفين من الإسلامويين السنة، أو تحويل مصر إلى قاعدة لهم يسهل حصرهم فيها، على افتراض أن الإخوان من المعتدلين الذين يمكن ممارسة فن السياسة معهم، وعن طريق إيجاد كيان يُجسد الخطاب الإسلاموي الجماهيري في المنطقة وعالم المسلمين، بمثل ما أن إيران تُجسد الخطاب الإسلاموي الشيعي في العالم، وبالتالي يُحقق التوازن الطائفي في المنطقة، عن طريق اتفاق “جنتلمان” بين الجناحين الطائفيين، مصر الإسلاموية السنية، وإيران الإسلاموية الشيعية، على مناطق النفوذ والنشاط، وهو ما كان يُمهد له بالزيارات المكوكية للمسؤولين من البلدين لطهران والقاهرة بصفة خاصة، وبالتالي تحقيق استقرار المنطقة وفق المنظور الأميركي، وهو الاستقرار الذي يكفل ضمان الأمن القومي الأميركي وكذلك المصالح الروسية، على اعتبار أن روسيا قادرة على كبح جماح حلفائهم من الملالي في إيران، بمثل ما أن الولايات المتحدة قادرة على كبح جماح حلفائهم من الإخوان في مصر، وتبقى تركيا في البداية والنهاية عضوا في حلف شمال الأطلسي، أي حليفا استراتيجيا، مثلها في ذلك مثل إسرائيل، ولا أقول السعودية، حيث أن السعودية في نظر الولايات المتحدة حليف غير مضمون، رغم طول العشرة، ليس لعدم ثقة بالقيادة السياسية السعودية، ولكن لاعتقاد الولايات المتحدة أن السعودية ذات نظام سياسي هش إلى حد كبير، غير قائم على مؤسسات قوية وراسخة، وبالتالي فإن ضمان استمراريته أمام العواصف الهوجاء مسألة غير مضمونة، بالإضافة إلى كون السعودية يحكمها فرد واحد في النهاية غير مضمون الموقف، وذكريات موقف الملك فيصل (1906-1975)، إبان الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 على سبيل المثال، لا زالت طازجة في أذهان راسمي السياسة الخارجية الأميركية، ناهيك عن التوتر الأخير في العلاقات السعودية الأميركية، ولذلك لم توضع السعودية ضمن الاستراتيجية الأميركية، أو هكذا يبدو لي الأمر.

ولكن يبدو أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر كما يُقال بالنسبة إلى الولايات المتحدة في تخطيطها الاستراتيجي هذا، وجاءت حركة القوات المسلحة المصرية، المؤازرة بدعم اقتصادي وسياسي سعودي لم تضعه الولايات المتحدة في الحسابان، لتبعثر كل الأوراق، وتُفسد كل الحسابات الأميركية، ومن هنا نفهم تلك الغضبة “المضرية” الأميركية تجاه ما حدث في مصر، وتلك الدموع على إجهاض “الديموقراطية” الوليدة في مصر، وهي دموع على مفاجأة سقوط الإخوان وبعثرة الأوراق من جديد، التي اضطرت الولايات المتحدة إلى إعادة حساباتها من جديد، والبدء برسم استراتيجية جديدة، ومن هنا كانت الإرهاصات التي أدت إلى ظهور ورقة “داعش” هذا الظهور القوي المفاجئ، والتي لم يكن لها صوت مسموع قبل سقوط الإخوان في مصر في الثلاثين من يونيو/حزيران، عام 2013، رغم أن داعش كانت قد تأسست رسمياً في 15 أكتوبر/تشرين أول، من عام 2006، إثر اجتماع مجموعة من الفصائل المسلحة في العراق ضمن ما كان يُسمى “حلف المطيبين”، وأصبح “أبو بكر البغدادي” زعيماً لها عام 2010، إثر مقتل أبي عمر البغدادي، في التاسع عشر من أبريل/نيسان من ذلك العام.

العراق الحديث هو “تجميع” بريطاني لثلاث ولايات عثمانية. الأردن وإسرائيل والحدود بين دول الجزيرة العربية والخليج، كل ذلك يوجد فيه لبريطانيا، وونستون تشرشل خاصة، بصمة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها

لم تبدأ داعش في التمدد والانتشار إلا في أعقاب التأكد من أن الإخوان المسلمين قد سقطوا في مصر دون أمل بالعودة، وأن الرهان على سقوط الأسد في سوريا رهان فاشل، في ظل الحماية الروسية والرعاية الإيرانية، وفي ظل تشرذم المعارضة السورية، وتعدد اتجاهاتها الإيديولوجية، كما أن النهج الطائفي المتطرف للحكومة العراقية أمر لا يمكن تغييره، ليس لأن كافة السياسيين العراقيين ذوو توجه طائفي، بل لأن العراق اليوم أصبح ركناً من أركان الاستراتيجية الإيرانية في البحث عن موقع متميز تحت الشمس، وأمر العراق بالتالي ليس بيد أبنائه، ومن هنا ندرك هذا التشبث الغريب لنوري المالكي بترشيح نفسه لرئاسة الحكومة لدورة ثالثة، حتى لو كان الثمن هو تقسيم العراق، فهو وحزبه إنما يشكلون مجرد أداة من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، مثلهم في ذلك مثل حزب الله في لبنان، وبقية أحزاب الله في المنطقة، وبالتالي فوجوده مهم لإيران من أجل استمرار هيمنتها على امتدادها العراقي، ولتذهب وحدة العراق إلى الجحيم. بطبيعة الحال فإن مثل هذا الوضع لن يُرضي بقية فئات المجتمع في العراق، وفي سوريا أيضاً، ومن هنا كانت ردة الفعل الطائفية السنية المتمثلة في التنظيمات السنية المسلحة، والتي تجد دعماً من عموم السنة في البلدين لعدم وجود البديل المناسب، ومن هنا نشأت هذه الفوضى التي لا بد للولايات المتحدة، بل وحتى روسيا وإيران، من التعامل معها.


القص واللزق وضحايا اللعبة السياسية


من هنا أرجح، ولا أجزم، بأن الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة، بالتنسيق مع الاتحاد الروسي بالطبع، تقوم على أساس إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وفق أسس تختلف عن تلك التي شُكلت بها في بدايات القرن الماضي. قبل قرن من الزمان، شُكلت جغرافية المنطقة على أسس سياسية بحتة، على أساس تحديد مناطق نفوذ القوى الكبرى آنذاك (بريطانيا وفرنسا)، دون مراعاة للعوامل الداخلية في مناطق النفوذ. فالموصل مثلاً، وإلى آخر لحظة، كان من المفترض أن يكون جزءاً من سوريا، ولكنه ألحق بالعراق. ومنطقة الجزيرة السورية، أقرب في تركيبتها الاجتماعية إلى التركيبة الاجتماعية في منطقة الأنبار العراقية، ومع ذلك هي جزء من سوريا وليس العراق، وعلى ذلك يمكن المضي في التحليل. اليوم، يبدو أن إعادة التشكيل، أو إعادة عملية “القص واللصق”، سوف تكون على أسس داخلية، تُراعي التركيبة الاجتماعية في مناطق النفوذ. فمثلاً، ولتوضيح الصورة، فإن عراق سايكس وبيكو عبارة عن كيان ضم مكونات اجتماعية متنافرة إلى حد كبير، وقد ناقش ذلك المرحوم علي الوردي في كتابه “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث”، وكان من الممكن أن تندمج هذه المكونات وتنصهر في بوتقة “المواطنة” الواحدة، وخاصة في ظل النظام الملكي الذي كان يضع نفسه فوق هذه التنافرات، ولكن التاريخ الدموي للعراق بانقلاباته العسكرية المتعددة، قطع الطريق على التطور السياسي السلس الذي كان يُمكن أن ينتهي بالعراقيين إلى الانصهار الكامل في بوتقة “المواطنة”، وذات الشيء يمكن قوله حول سوريا. ومن هنا تنبع أهمية “داعش” بالنسبة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على وجه الخصوص، من حيث أنها تضرب عدة عصافير بحجر واحد: فهي ستشكل بؤرة لكل متطرفي الخطاب الإسلاموي مما يسهل حصرهم في مكان واحد ومن ثم التعامل معهم التعامل المناسب. وهي تشكل مرحلياً تمثيلاً تنظيماً لسنة وعشائر العراق والشام، وبعد استيفاء الغرض منها، أي من منظمة داعش، يسهل التخلص منها، وعلى يد ذات العشائر والطائفة السنية، ولا عزاء للمغسولة أدمغتهم بخطابها، الذين سيكونون هم الضحية الأولى والأخيرة لمثل هذه اللعبة السياسية، أما “أمراء المؤمنين”، فهم جزء من اللعبة في النهاية، وهم يعون ذلك ويدركونه. ولا أظنهم إلا قد وضعوا، أو وضعت لهم، خططاً لحياة سلسة وهادئة بعد نهاية لعبة نحن شهود العصر عليها، ورحم الله لورنس العرب، وأعمدة حكمته السبعة.. هذا، والله أعلم.

4