"أظن أننا وحيدان الآن" تراجيديا الفناء في حدود مدينة واحدة

المخرجة ريد مورانو خاضت في ثيمة الانهيار العظيم بلا ضجيج كبير، عبر فيلم بسيط البناء على درجة عالية من الإقناع والتماسك.
الاثنين 2018/10/15
كل ما تبقى من الديستوبيا القاتمة

يبدو مشهد المحو والإلغاء معتادا في سينما الخيال العلمي التي تعالج إشكالية الفناء العظيم، سيبدو المكان مقفرا، مهددا وملوثا وستغيب الضحايا فيما يبقى هنالك ناجون يصارعون ويقاومون من أجل البقاء، ذلك قاسم مشترك للعديد من أفلام الخيال العلمي التي ناقشت هذه الثيمة وهي كثيرة وتمتد بامتداد بدايات سينما الخيال العلمي ومن خلال العديد من التجارب في هذا الباب.

إشكالية الفناء تحضر بقوة في أفلام الخيال العلمي، حيث تتسيد قوة ساحقة تدمر كل ما حولها سواء في شكل ثورات الطبيعة، أو في شكل أوبئة وأمراض، أو في شكل صراع وحروب تفضي إلى استخدام لأسلحة الدمار الشامل.

وسيحضر هنا فيلم “نهاية العالم” للمخرج الدنماركي أوكست بلوم، وهو واحد من بواكير أفلام الديستوبيا والانهيار العظيم، والذي أنتج في العام 1916، لتليه أفلام مثل “طوفان” المنتج في الثلاثينات، وفيلم “أشياء تأتي” عن قصة الكاتب الشهير اج جي ويلز (إنتاج 1936)، ثم جاءت أفلام مثل “يوم نهاية العالم” (1955)، و”الكوكب الممنوع” (1956)، و”حرب العوالم” (1963)، و”غزو الأرض في العام 2150” (1967) و”القمر الأسود” (1976)، والفيلم الأول من سلسلة “ماد ماكس” (1979)، والتفاحة (1980)، والفيلم الأول من سلسلة “متسابق المتاهة” (1982) وغيرها من الأفلام التي أسست لهذا النوع.

ويبدو أن هذا التراكم ترك أثره في تجربة المخرجة ريد مورانو، وهي تقدم فيلمها الجديد “أظن أننا وحيدان الآن” القائم على فكرة المحو الكامل لوجود البشر إلاّ من ناجيين وحيدين.

وفي البدء تبدو المعالجة الفيلمية شديدة التطرف لجهة عرض مشاهد لمدينة أقفرت من ساكنيها، ولم يتبق فيها سوى العلم الأميركي الذي يرفرف ممزقا وملوثا.

الخواء المكاني علامة فارقة لتلك الديستوبيا القاتمة، ولن نرى في وسط ذلك سوى ديل (الممثل قصير القامة بيتر دنكلاك) وهو يدخل البيوت المهجورة تباعا. وتبدو مهمة الناجي الوحيد شاقة، ولكنه مستمتع بتلك الحياة الصامتة، لا يكلّم أحدا ولا يسمع صوت أحد.

نحن الآن في مدينة أميركية صغيرة تقع على ضفة نهر قضى فيه 1600 من سكانها، إلاّ واحدا وهو ديل الذي مهمته دخول البيوت المهجورة، يبحث عن البطاريات وينظف الثلاجات المتعفنة ويخرج الصور من إطاراتها ثم يلف الأجساد الضامرة الميتة ويسحبها ليدفنها بنفسه في مقبرة جماعية.

هو يقيم في مكتبة المدينة ومازال يهتم بفرز الكتب وتصنيفها وتغليفها، ويضع خارطة يؤشر فيها على البيوت التي انتهت المهمة فيها، وتلك التي لا تزال تنتظر.

وبالصدفة، وهو في مهمته الروتينية يكتشف وجود كريس (الممثلة إيلي فاننك) قادمة من مكان ما لتنضم إليه وتشاركه عالمه، حضور كريس هو السبب الوحيد الذي يجعلنا نسمع أولى الكلمات في هذا الفيلم، ومع ذلك تبقى الحوارات متقشفة وقصيرة للغاية لتبدع المخرجة، وهي في الأصل مديرة تصوير، في تقديم غزارة تعبيرية في الصور.

 وعمدت المخرجة إلى توظيف المكان الديستوبي وتفننت في تصوير الشوارع من مستويات متعددة، كما استثمرت البيئة الطبيعية التي يدفن فيها ديل والنهر الذي يصطاد منه السمك، كل ذلك وظفته بمهارة حتى لم تبق هنالك فجوة في البناء الفيلمي بسبب اعتماد الفيلم في قسمه الأول على الشخصية الواحدة.

ولا بد خلال ذلك من حبكات ثانوية تعزز البناء الدرامي، ولهذا تم زج أسرة كريس التي ظهرت بشكل مفاجئ لتبدو غريبة الأطوار.

وقدمت المخرجة ممثلين مخضرمين في القسم الثاني من الفيلم، هما والدا كريس (الممثلة شارلوت غينسبورك والممثل باول جياماتي)، لكن كريس ما تلبث أن تطلب نجدة ديل وعدم تركها لوالديها لأنهما مجرد خاطفين لها.

الإضافة في هذا الباب والتي تم من خلالها الزج بحبكة ثانوية أخرى تمثلت في خضوع كريس لعملية محو للذاكرة هي وأمها، فيما أبوها هو الذي يقود هذه المهمة زارعا في جسديهما مستشعرات ترتبط بالنظام الذي يعمل عليه.

وهذه الإضافة الدرامية ما لبثت أن تطورت إلى عملية قتل بالتخلص من الأب وترك الأم في حالة صدمة، لتعود كريس ملتحقة بديل الذي يبدو أنها بدأت تبادله مشاعر عاطفية.

بني السرد الفيلمي على أساس الوصول إلى غاية مفادها أن فناء تلك المدينة الصغيرة لا يعني أن أميركا بالكامل قد ضربتها تلك الكارثة، بدليل أن المدينة الأخرى النائية التي يعيش فيها الزوجان تنعم بالحياة.

لكن في المقابل وفي إطار المضي في ذلك التشوه الذي أصاب الحياة، تظهر الشخصيات في المدينة النائية، وكلها تسير بالحركة البطيئة.

ويمكن عدّ الفيلم من نوع تلك الأفلام قليلة التكلفة، إذ لم يكن هناك تحشيد إنتاجي وتقني كبير، بل بقي فيلما بسيط البناء، ولكن على درجة عالية من الإقناع والتماسك.

ونجحت المخرجة في الخوض في ثيمة الانهيار العظيم بلا ضجيج كبير، بل ببساطة متناهية، واستطاعت أن تحقق قناعة ما بأن ما نشاهده هو امتداد واقعي لنفس ذلك النوع من الأفلام المرتبطة بثيمة الفناء الأرضي.

16