أعباء الزهايمر على الأسرة أصعب من الداء على المريض

مرض الزهايمر يؤدي إلى إجهاد أسر المرضى ومن يقومون برعايتهم، وتُضاعف الضغوط الجسدية والعاطفية والاقتصادية من محنة هؤلاء خصوصا إذا ما تخلت النُظم الصحية والاجتماعية والمالية والقانونية عن توفير الدعم اللازم لهم.
السبت 2018/06/09
مرض يتطلب الكثير من العناية

لندن - حمل ثقيل ترزح له الكثير من الأسر التي تضم شخصا مصابا بخرف الشيخوخة أو ما يعرف بمرض الزهايمر، حيث تعاني الأسر وخاصة منها محدودة الدخل من أعباء مادية ومعنوية نظرا لما يتطلبه المريض من عناية خاصة، وبذلك يشكل ارتفاع نسب المصابين بالمرض عبئا أسريا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا بالنسبة إلى أفراد الأسرة ومقدّمي الرعاية الذين يهتمّون بالمريض.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الخرف يخلّف آثارا اجتماعية واقتصادية كبيرة من حيث التكاليف الطبية والاجتماعية المباشرة وتكاليف الرعاية غير الرسمية.

وقالت إن المصابين كثيرا ما يُحرمون من الحقوق والحريات الأساسية التي يتمتع بها غيرهم، مشيرة إلى أنه من الملاحظ، في الكثير من البلدان، اللجوء بشكل مكثّف إلى مقيّدات جسدية وكيميائية في مرافق رعاية المسنين ومرافق الرعاية الحادة، حتى وإن وُجدت لوائح للدفاع عن حق الناس في الحرية والاختيار.

وكشفت إحصائيات حديثة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيسجلان ارتفاعا في أعداد المصابين بالخرف من مليوني مصاب في العام 2015 إلى أربعة ملايين في عام 2030، وإلى عشرة ملايين في عام 2050 أي بنسبة 329 بالمئة، وذلك بسبب زيادة عدد الأشخاص المتقدّمين في العمر.

وقالت أستاذة علم الوبائيات في كلية العلوم الصحيّة في “الجامعة الأميركية في بيروت” الدكتورة مونيك شعيا، إن “المرض يسّجل انتشارا أكبر بثلاثة أضعاف عند النساء من الرجال، وعند الأشخاص الذين لا يتمتّعون بمستوى تعليمي جيد أو الذين لا يمتلكون علاقات اجتماعية كثيرة من الذين يتمتعون بمستوى ثقافي وتعليمي عال وبحياة اجتماعية نشطة”. ويصيب الخرف المتقدّمين في العمر خصوصا بعد عمر الـ65 عاما. ويشكّل الخرف تدهورا تدريجيّا في وظائف الدماغ، ما يؤدي إلى اضطرابات في القدرات الإدراكية ومنها: الذاكرة، اللغة، التعلّم، تنفيذ المهام، الإدراك الاجتماعي وهو ما يؤثر على استقلالية الشخص وقدرته على الاعتناء بنفسه والقيام بالأمور اليومية الحياتية.

وتتعدد أسباب الخرف من مرض الزهايمر الذي يسبّب نسبة 60 بالمئة من حالات الخرف، أو التعرّض إلى تجلطات في الأوعية الدموية وغيرها من الأمراض التي قد تؤدي إلى ظهور الخرف.

وكشفت دراسة لبنانية حديثة شملت عينة البحث فيها 502 من الأشخاص من محافظتي بيروت وجبل لبنان تتجاوز أعمارهم الـ65 عاما. ركزت على انتشار الخرف عند هذه الفئة العمرية، وتقييم الحصول على الرعاية الصحية وكلفتها والحاجات التي يظهرها المصابون.

وأنجز الباحثون مونيك شعيا وسمير عطوي وخليل الأسمر، وروز ماري خوري وليليان غندور وحسام غصن من الجامعة الأميركية في بيروت، وجورج كرم من “مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي-إدراك” إضافة إلى باحثين من الدنمارك وبريطانيا في 2017 دراسة حول انتشار مرض الخرف والحصول على الرعاية الصحية.

وبلغت نسبة انتشار الخرف، وفق هذه الدراسة، 7.4 بالمئة وقدّر، بالتالي، عدد المصابين بالخرف في لبنان بـ29 ألفا و916 فردا. ونبّهت شعيا إلى أن هذا المعدّل يعتبر مرتفعا، إذ تراوحت نسبة انتشار الخرف في العالم بين 5 و8 بالمئة، ويقارب المعدّل في لبنان المعدّلات المرتفعة في العالم. وترتبط الأسباب بتزايد معدلات الشيخوخة وإطالة أمد الحياة، وارتفاع عوامل الخطورة ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية، التدخين، العوامل الوراثية وغيرها.

الزهايمر يسجل انتشارا أكبر بثلاثة أضعاف عند النساء من الرجال، وعند الأشخاص الذين لا يتمتعون بمستوى تعليمي جيد

وينتشر الخرف في لبنان، وفق الدراسة، أكثر عند النساء (11 بالمئة) مقارنة بالرجال (2.7 بالمئة)، حيث أن النساء يعشن أكثر من الرجال ما يعرّضهن أكثر للإصابة بالمرض، وبعد عمر الـ65 عاما، يتضاعف خطر الإصابة بالمرض كلّ عشر سنوات.

وأوضحت شعيا أن نسبة انتشار الخرف سجّلت انخفاضا عند المتقدمين في العمر الذين يتمتعون بحياة أسرية واجتماعية جيدة، وبنشاطات فكرية وتعليمية مقارنة بالآخرين، حيث كشفت الدراسات العلمية أن التمتّع بحياة اجتماعية نشطة يشكّل أحد العوامل الرئيسية في الحفاظ على الصحة الجسدية والعقلية لدى المتقدمين في العمر.

وأظهرت الدراسة أن كلفة الحصول على الرعاية الصحيّة للمصابين بالخرف مرتفعة في لبنان، وتتم استشارة الأطباء المختصين أكثر من اللجوء إلى قطاع الرعاية الصحية الأولية العام أو إلى الأطباء في المستشفيات.

ونبهت شعيا إلى ارتفاع نسبة الأشخاص الذين يتجاوزون الـ65 عاما في لبنان من 9.7 بالمئة في العام 2013، إلى 14.1 بالمئة في العام 2030، و23.3 بالمئة في العام 2050 ما يتوجب على السلطات اللبنانية الاهتمام أكثر بصحة المسنين وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لهم.

ومن جهة أخرى أكد الدكتور رياض قويدر رئيس قسم الأعصاب ومركز الزهايمر بمستشفى الرازي بالعاصمة تونس خلال ملتقى علمي أن التركيبة السكانية تغيرت بصفة كبيرة في تونس، مشيرا إلى أن عدد المسنين في تطور كبير، مؤكدا أن هذا الوضع نجم عنه ارتفاع معدلات أمراض الشيخوخة وخاصة الزهايمر.

وأضاف أن عدد المسنين في تونس حسب آخر الإحصائيات يصل إلى قرابة مليون شخص، مع توقعات بتضاعفه في أفق سنة 2030 إلى حدود مليوني شخص، موضحا أن الارتفاع المطرد لهذا العدد يطرح تحديات عدة على كل المجتمعات.

وأضاف أن عدد المصابين بمرض الزهايمر في تونس تجاوز الخمسين ألف مصاب، مشددا على أن ارتفاع عدد المصابين بهذا المرض يستوجب تفعيل “مخطط الزهايمر” وتنفيذه على أرض الواقع حتى يساهم في تحسين العناية بهم. مشيرا إلى أن “التكفل بهذا المرض باهظ الثمن ويطرح مشاكل عدة على كل أفراد العائلة التي تجد نفسها مطالبة بالعناية الخاصة بالمصاب”.

ومن جانبه أشار الدكتور عبدالحكيم كرشيد إلى أن اختيار موضوع “طب الشيخوخة” فرضه تغير التركيبة الديموغرافية للمجتمع التونسي وتطور فئة المسنين وما يطرحه ذلك من ضرورة إيجاد الطرق الملائمة للتعامل مع كبار السن وعلاجهم والرعاية بهم.

21