أعداء الإسلام

الاثنين 2015/03/16

“أعداء الإسلام”، “أعداء الملة”، “أعداء الدين”، “أعداء المسلمين” “أعداء الشريعة”، عبارات، لو أنّك سألت عنها أيّ مسلم، كم مرّة سمعها في حياته؟ لعدّها بالمئات أو الآلاف، ولعلها عشرات الآلاف، عبارات يذكرها بعض الوعاظ والشيوخ والدعاة أكثر من ذكرهم لاسم الله، ويستثمرها الإسلام الأيديولوجي بكافة فصائله لغاية إثارة الأهواء والتحكم في الغوغاء والسيطرة على الأجواء، عبارات استثمرها سيد قطب وأخوه محمد قطب لمواجهة “المجتمع الجاهلي”، استثمرها مفتي الناتو في خطبه المنبرية ودروسه الجامعية لمواجهة “الصهاينة”، استثمرتها القاعدة وأخواتها في دعايتها لمواجهة “الغرب الصليبي”، واستثمرها تنظيم داعش وكافة شركائه في البيعة والطاعة ولزوم الفظاعة.

وليس يخفى أنّ التحريض على مواجهة الأعداء والتصدي لهم يعدّ أيسر السّبل وأسهل المسالك للسيطرة عل النفوس والهيمنة على السلطة. الوصفة مجرّبة، لكن الكلفة مدمرة. وفي التاريخ تجارب عظات وعِبر.

يعدّ كارل سميث المنظر الأيديولوجي للنازية، صاحب الأطروحة التي ترى بأن الممارسة السياسية تحتاج إلى افتراض وجود أعداء، وإن لم يوجدوا فالواجب يقتضي إيجادهم. أخيرا، لم تنته الحكاية بسلام، انهارت النازية انهيارا مدمرا، لكن سرعان ما انتقلت أطروحة الحاجة إلى الأعداء إلى بعض المنظومات الشمولية. ومثلا، قامت الشمولية الستالينية على فكرة مواجهة أعداء الشعب، وقامت الشمولية الخمينية على فكرة مواجهة أعداء الثورة، وقامت الشمولية البعثية على فكرة مواجهة أعداء الوطن أو أعداء فلسطين إلخ. وأخيرا قامت شموليات الإسلام السياسي بكافة ألوانها على فكرة مواجهة أعداء الملة والدين، وأعداء الإسلام والمسلمين، من اليهود والنصارى والمجوس والصهاينة والماسونيين والعلمانيين واليساريين والليبراليين والغربيين والإباحيين والماديين والملحدين، وربما الناس أجمعين.

هناك قاعدة بسيطة في العمل السياسي تقول، تقاسُ صحة أي موقف من المواقف بالنظر إلى السؤال التالي: هل يقود ذلك الموقف إلى توسيع دائرة الأصدقاء وتقليص دائرة الخصوم، أم العكس؟

بالنسبة للأيديولوجيات الشمولية، دينية كانت أم وضعية، فإنها تحسب المعادلة بالمقلوب، الأهم عندها توسيع دائرة الأعداء، توسيعها إلى أبعد مدى ممكن، هكذا تقاس صحة المواقف والقرارات. هذا بالضبط ما فعله ويفعله الإسلام السياسي بكل فصائله، نقول بكل فصائله لإدراكنا بأنّ المرجعية القطبية هي الجذع المشترك بينها جميعها.

اقرأوا ما كتبه أيمن الظواهري عن سيد قطب، اقرأوا ما تكتبه بعض مواقع داعش عن سيد قطب. سيد قطب هذا هو صاحب الخطوة الأولى التي أفضت في الأخير إلى رحلة الألف ميل. إنه صاحب فكرة “المجتمع الجاهلي” والتي يقصد بها المجتمعات التي لا تحتكم إلى شرع الله، من منظوره هو لشرع الله، وهي الفكرة التي قلبت كل موازين الوعي الديني ومسحت الأرض على حين غرة من ألف وأربعمئة عام من تاريخ الحضارة الإسلامية، وأعادت الدعوة الإسلامية إلى نقطة الصفر، حيث “الجماعة المؤمنة” مدعوة إلى إعادة نشر الإسلام من جديد، بدءاً من أوساط أسرها وعائلاتها وعشيرتها الأقربين. وليس يخفى كيف طور محمد قطب الفكرة في كتابه “جاهلية القرن العشرين” ومنحها بعدا كونيا، معتبرا بأن العالم كله أمسى جاهليا ومعاديا للإسلام. لقد أفرزت مقولة الجاهلية جملة من الأفكار الخطيرة وغير المسبوقة:

لا يكفي أن تصلّي وتصوم حتى تكون مسلما، لا يكفي أن تعيش في مجتمع أغلبيته مسلمة حتى تكون مسلما، بل يجب أن تعيش في مجتمع يطبق “الشريعة”. وبناء على ذلك، وهذه هي الفكرة الأشد خطورة، لأول مرة يتم تكفير الناس ليس على أساس الموقف من العقيدة (التوحيد، الوحي، الحساب) وإنما على أساس الموقف من “الشريعة” (الردة، الحجاب، الخلافة). علما بأن الشريعة

هي اجتهاد الفقهاء، وأحكامها ترجيحية، وقابلة للنسخ والتعطيل، وهي في مجمل القول تناسب العصر الإمبراطوري الذي ظهرت فيه.

إذا صدقنا خطاب التكفيريين حول عقيدة الجزاء الأخروي، فسنكون أمام أرقام مذهلة؛ حوالي 90 بالمئة من المسلمين في النار، حوالي 99 بالمئة من البشرية في النار، وحوالي 99،99 بالمئة من النساء في النار. أي نعم، حتى جحيم دانتي لا يتسع لكل هذا العدد من المغضوب عليهم.


كاتب مغربي

8