أعداء المرأة يطاردونها في العالم الافتراضي

عنف ذكوري مدعوم بتواطؤ أنثوي يلاحق النساء في العالمين الواقعي والافتراضي، ويحض على كراهة جنسهن، فيما تظل المنظومات القانونية والقضائية والمجتمعية عاجزة عن توفير الحماية اللازمة لهن.
الأحد 2018/03/04
تغريدة واحدة مسيئة يمكن أن تتحول إلى وابل من الكراهية

انتقلت أفعال الأمر والنهي والتهديد والابتزاز والوصم بالعار من الواقع إلى العالم الافتراضي، لتلاحق المرأة وتضيق عليها مساحة التعبير عن رأيها وتمارس ضدها أشكالا جديدة من العنف والتحرش الجنسي.
ويمكن أن تعكس مشكلة الاعتداءات التي تتعرض لها النساء على الإنترنت، الطابع الذكوري المهيمن على العالمين الواقعي والافتراضي، غير أن المرأة نفسها قد تكون في بعض الأحيان عدوة جنسها، وعوض أن تكتفي بدور الضحية، تتحول إلى جانية، وتمارس بدورها سلوكيات الشتم والتخويف والترهيب أو التنمر ضد بنات جنسها على أرض الواقع وفي الفضاءات الإلكترونية.
وبينت دراسة أجرتها شركة باندووتش لمراقبة وسائل الإعلام بعد تحليلها لأكثر من 19 مليون تغريدة لمدة 4 سنوات، أن 3 ملايين تغريدة تحتوي على شتائم موجهة للنساء، ولكن أغرب ما كشفت عنه الدراسة أن المستخدمين الذين نشروا شتائم وألفاظا نابية موجهة إلى النساء هم من النساء أيضا.
ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة حول حجم الظاهرة ونوعية المخاطر التي يمكن أن تواجهها المرأة على الإنترنت، إلا أن بعض الأبحاث أشارت إلى عدد لا حصر له من مصادر الضغوط والتهديدات والإساءات التي تتعرض لها النساء مقارنة بالرجال، والتي يكون الذكور مسؤولين عنها على الأرجح.
وكشفت منظمة العفو الدولية في أحدث إحصائياتها أن ما يقرب من ربع نساء العالم تعرضن للإيذاء عبر شبكة الإنترنت، وكثير منهن شعرن بالتهديد.

الشريف محمد الحسني المفتي: التعرض للمرأة دليل على الانحطاط الفكري والخلقي وعلى الجميع التنبه له ومقاومته
الشريف محمد الحسني المفتي: التعرض للمرأة دليل على الانحطاط الفكري والخلقي وعلى الجميع التنبه له ومقاومته

وشددت أزمينا دروديا، الباحثة في منظمة العفو الدولية بمجال التكنولوجيا وحقوق الإنسان، على أن الإنترنت يمكن أن يكون مكانا مخيفا وساما بالنسبة للنساء.
 واعتبرت دروديا أن الاعتداء على الإنترنت له خطورة خاصة لأن تغريدة واحدة مسيئة بإمكانها أن تصبح وابلا من الكراهية المستهدفة في غضون دقائق.
وفي بعض المجتمعات الذكورية التي لم تتحرر فيها المرأة بالكامل من النظرة الدونية للأنثى، ولم تتجاوز بعد الحدود المرسومة للقالب الذي أعده المجتمع لـ”المرأة العفيفة والشريفة”، تتكتم الغالبية العظمى من النساء اللاتي وقعن ضحايا للابتزاز الجنسي الإلكتروني ويعانين في صمت، خوفا من إلحاق “العار” بأسرهن.
وبين تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’ أن الآلاف من النساء في المجتمعات المحافظة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، يتعرضن للتهديد والابتزاز والوصم بالعار بسبب صور خاصة شخصية أو صور جنسية، ومعظم هذه القضايا لا يُبلّغ عنها لذا لا توجد إحصائيات دقيقة حولها، ولا سيما أن القوى ذاتها التي تضمن جعل المرأة عرضة للعار، تضمن أيضا بقاءها صامتة.

رسائل مزعجة

لم تخف الصحافية التونسية هاجر العيادي تلقيها لرسائل مزعجة، وتعمد البعض من رواد موقع فيسبوك المجهولين نشر محتويات وفيديوهات مخلة بالحياء على صفحتها الخاصة بفيسبوك.
وقالت العيادي لـ”العرب”، “بقدر ما كانت مواقع التواصل الاجتماعي من الوسائل الجيدة للتواصل والتعارف بين الناس ولتبادل المعلومات وللتنفيس عما بداخلهم، بقدر ما سببت للكثيرين موجة لا تنتهي من التوتر والضغوط والإساءات بمختلف أنواعها”. وأوضحت “وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مرتعا لمن هب ودب ولمن لا شغل لهم غير التجريح والثلب والشتم والابتزاز وتفريغ الكبت”.
وأضافت “لقد وقعت ضحية لبعض الأشخاص الذين لا شيء يجمعني بهم سوى صديق مشترك بيننا على فيسبوك، مما دفعهم إلى العبث بصوري الشخصية، وقد وصل بهم الأمر إلى حد تنزيل فيديوهات غير لائقة على صفحتي الخاصة، فاضطررت إلى حذف صورتي وعدلت برنامج الحماية على صفحتي حتى لا يكون بمقدور أي كان نشر ما يروق له على حسابي”.
واستدركت “لكن من المؤسف أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقد تمت قرصنة حسابي على فيسبوك والعبث بمحتواه، مما جعلني في موقف محرج للغاية أمام أصدقائي، فاضطررت إلى فتح حساب جديد لأنني احتاجه في عملي الصحافي، وقمت بتعديلات في قواعد الخصوصية حتى أكون في منأى من إزعاجات العابثين الرقميين الذين قد يكونون ذكورا أو حتى إناثا، فمثل هذا الأمر غير مستبعد”.

هاجر العيادي: وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مرتعا لمن هب ودب ولمن لا شغل لهم غير التجريح
هاجر العيادي: وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مرتعا لمن هب ودب ولمن لا شغل لهم غير التجريح

وشددت العيادي في خاتمة حديثها على أن تزايد اعتماد النساء على الأجهزة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي يجعلهن عرضة لمخاطر حقيقية، إذا لم يعمل أصحاب المنصات الإلكترونية والحكومات بالتوازي على حماية النساء من العنف والانتهاك عبر الإنترنت.
وأجمعت تونسيات في تصريحات لـ”العرب” على تعرضهن لحوادث مماثلة، إلا أنهن فضلن عدم الكشف عن هوياتهن “كي لا يعتقد الناس أن ما مررن به شيء خطير ويؤثر ذلك على سمعتهن”، كما يستبعدن فكرة التقدم بشكاوى قضائية خوفا من العار وخشية من عدم الحصول على حقوقهن أمام القضاء، خاصة لأن معظم المتحرشين الإلكترونيين يكونون في الغالب أشخاصا وهميين وليس من السهل تتبعهم عدليا.
وأشار الأستاذ أحمد بن حسانة المحامي بتونس إلى أن السلطات التونسية تكافح بشدة التحرش الجنسي ولا تتسامح مع جميع أشكال العنف ضد المرأة.
وقال بن حسانة لـ”العرب”، “ما يبعث على الارتياح فعلا هو نزوع المشرع التونسي إلى مزيد تطوير النصوص التشريعية والآليات القانونية لإضفاء النجاعة في الكشف عن هوية المتحرشين وتتبعهم قضائيا”.
وأضاف “فرض القانون التونسي مؤخرا على وكيل الجمهورية (النائب العام) أن يكلف مساعدا له أو أكثر لتلقي الشكاوى المتعلقة بالتحرش ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها، إلى جانب تخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين بقضايا العنف ضد المرأة على مستوى النيابة العمومية والتحقيق وقضاء الأسرة”.
وواصل “كما فرض القانون إحداث وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة بما في ذلك التحرش، في كل المحافظات التونسية، ويجب أن تضمّ من بين عناصرها نساء”.
وثمّن بن حسانة في خاتمة حديثه ما تتمتع به المرأة التونسية من حقوق، وما وفرته لها مختلف النصوص القانونية من حماية ضد التحرش وسائر أشكال العنف، ولكنه اعتبر أيضا أن “هذه الجهود تظل منقوصة وخصوصا أمام الفراغ التشريعي الهام في المجال الإلكتروني وأمام ظاهرة الإفلات من العقاب، إما لعدم القدرة على كشف هوية المتحرش إلكترونيا، وإما بسبب ركون المجني عليها إلى ملازمة الصمت خوفا من الفضيحة أو خجلا أو بسبب ارتفاع تكاليف التتبع القضائي”.
 وفي ظل عجز عدد كبير من النساء من غير القادرات على تحمل نفقات الدفاع عن أنفسهن أمام القضاء أو بسبب خوفهن من الوصم الاجتماعي، ستستمر الاعتداءات الجنسية ضد المرأة، ومن المرجح أن تمارس بشكل أكبر في الغرف الإلكترونية، وخاصة في المجتمعات التي تحكمها ثقافة “العيب”، وتغيب عنها قوانين تواكب مستجدات العصر.

ملاحقة المرأة

لا يبدو أن النساء المصريات بمنأى عما كشفت عنه التونسيات من قصص عن التحرش الجنسي الإلكتروني، وما يتعرضن له من سوء معاملة على مواقع التواصل الاجتماعي.

أحمد بن حسانة:  المشرع التونسي يسعى إلى إضفاء مزيد من النجاعة في الكشف عن هوية المتحرشين
أحمد بن حسانة:  المشرع التونسي يسعى إلى إضفاء مزيد من النجاعة في الكشف عن هوية المتحرشين

وقالت إيمان سالم مؤسِّسة موقع “أمينة توداي للمرأة”، “الانتهاكات الجنسية أصبحت تلاحق المرأة المصرية في كل مكان، وهذا ليس بجديد عن المجتمع المصري، لكن الجديد في الأمر هو أن المرأة لم تعد تسلم من المضايقات حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتراوح هذه المضايقات ما بين الاعتداء اللفظي والتعليقات غير المرغوب فيها والملاحظات حول المظهر والشكل، ويمكن أن يصل الأمر إلى حد الابتزاز والتشهير”.
وأضافت “لقد تعرضت إلى مضايقات من طرف العديد من الشبان سواء الذين يودون التعارف أو الذين يحاولون بشتى الطرق مضايقتي لأن أفكاري وتوجهاتي مختلفة عنهم، فقمت بحجب حساباتهم بشكل فوري حتى أتجنب معاكساتهم وسلوكاتهم المشينة”.
وأكدت سالم أنها سمعت العديد من الحكايات من سيدات مصريات وقعن ضحايا للتحرش الجنسي والابتزاز على الإنترنت، والكثيرات منهن استخدمت صورهن لفتح حسابات وهمية تسيء إليهن ولأسرهن.
وتتعمد البعض من النساء العربيات التخفي المقصود عند فتح حسابات لهن على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا ينشرن صورهن ولا أسماءهن الحقيقية ويحرصن على عدم ترك أي بصمات لهن في العالم الرقمي، معتقدات أن مثل هذه الأمور ستجعلهن في منأى من المضايقات وجميع المشاكل التي قد تلحقهن من المتصيدين الرقميين، ولكنهن لا يدركن أنهن يعشن في عصر اختراقات الأمن الإلكتروني والخدمات الرقمية التي تجعل معلوماتهن وعناوينهن مكشوفة، وبمجرد أن يعرف شخص ما شيئا عنهن، فإنه بإمكانه أن يعرف أشياء أخرى كثيرة، وقد يتخفى بالطريقة نفسها ويمارس ضدهن سلوكيات لم يحسبن حسابها في أذهانهن.
 ورغم أن التخفي قد أصبح لعبة خاسرة في العصر الحاضر، ولا يضمن أن تكون الإنترنت بيئة آمنة، إلا أن العديد من العراقيات يفضلن أن يبقين مجهولات على شبكة الإنترنت حتى لا يراقبهن أحد ولا يتتبع خطواتهن، ولكل واحدة منهن دوافعها في ذلك، غير أن معظمهن يبحثن عن مساحة خاصة يمكنهن فيها أن يفكرن ويعشن مع مشاعرهن وأفكارهن الخاصة بعيدا عن أذى المجتمع الذكوري الذي يصادر حقوقهن وحريتهن.
وقالت الكاتبة العراقية بان الخفاجي “من خلال تواجدي على شبكات التواصل الاجتماعي لاحظت أن الكثير من النساء والفتيات العراقيات يفضلن عدم نشر صورهن الشخصية أو العائلية، وذلك بسبب ثقافة الحظر والعيب الممارسة على نطاق واسع في المجتمعات الشرقية”.

إيمان سالم:  المرأة المصرية لم تعد تسلم من المضايقات حتى على المواقع الاجتماعية
إيمان سالم:  المرأة المصرية لم تعد تسلم من المضايقات حتى على المواقع الاجتماعية

وأضافت الخفاجي في تصريح لـ”العرب”، “نسبة عالية من الفتيات العراقيات يتسللن إلى العالم الافتراضي متخفيات خلف أسماء مجهولة وصور مستعارة، ونسبة قليلة جدا ممن يقتحمن هذا العالم بأسمائهن وصورهن الشخصية”.
وأشارت إلى أن “السبب الأساسي الذي يمنع عامة النساء العراقيات من نشر صورهن الشخصية على حساباتهن بفيسبوك أو غيرها من شبكات التواصل الاجتماعي الخوف من مغبة الدخول في دوامة من المشاكل مع أسرهن، خاصة وأن أغلب الفتيات اللواتي يستخدمن صورهن الشخصية يقعن في بعض الأحيان ضحايا للابتزاز والمعاكسات أو الإساءات من قبل أشخاص مجهولين”.

تضامن ذكوري

رغم أن قصص النساء عن حوادث التحرش التي مررن بها على مواقع التواصل الاجتماعي خلقت نوعا من التضامن والدعم “الذكوري”، إلا البعض ممن اختاروا عدم الظهور في دائرة أضواء الإعلام رموا بالمسؤولية على المرأة نفسها معتبرين أن صورها والهيئة التي تظهر عليها في المواقع الاجتماعية تجعلانها عرضة للتحرش.
ولكن الشريف محمد الحسني المفتي الأمين العام للعصبة الهاشمية المقيم في بريطانيا يرفض بشدة إلقاء اللوم على المرأة التي تعرضت للتحرش على مواقع التواصل الاجتماعي، مشددا على ضرورة عدم التستر على المتحرشين أو تبرير سلوكياتهم غير الأخلاقية حتى يكونون عبرة لغيرهم. 
وقال المفتي لـ”العرب”، “احترام الآخرين دليل على احترام الذات وعندما يتم التعرض للمرأة من خلف الشاشات ومن خلال النوافذ التكنولوجية الحديثة فهو تعبير عن قلة احترام الذات، وبالتالي فهو دليل على الانحطاط الفكري والخلقي وعلى الجميع التنبه له ومقاومته وليس تبريره أو السكوت عنه”.
وأضاف “استخدام وسائط التواصل الاجتماعي من قبل المجتمع الذكوري بهدف الإساءة للمرأة، لا يدل إلا على الجبن واضمحلال احترام الشخص لذاته، ومن لا يقدر ذاته فإنه من الصعب عليه أن يقدر الآخرين ويحترمهم، ولذلك يجب على كل شخص يرقب مثل هذه التصرفات أن يضع حجبا فوريا للشخص المتحرش”.

عقيل الشمري:  تعميم فكرة أن الرجل لا يعيبه أي شيء والمرأة ناقصة هي نتاج جهل كبير
عقيل الشمري:  تعميم فكرة أن الرجل لا يعيبه أي شيء والمرأة ناقصة هي نتاج جهل كبير

 ونصح المفتي مستخدمي الوسائط الاجتماعية بعدم السكوت وتجاهل المحتويات المسيئة، داعيا إلى التشهير بأصحابها عن طريق إعادة نشر أسمائهم وتعميم ما كتبوه على الجميع، من أجل خلق بيئة رقمية آمنة للمرأة وللأجيال القادمة من النساء.
فيما يرى الإعلامي العراقي عقيل الشمري أن اضطهاد المرأة يوجد في جميع المجتمعات وليست المجتمعات العربية بالاستثناء، بدليل أن التحركات النسوية شملت جميع بقاع العالم.
وقال الشمري لـ”العرب”، “اضطهاد المرأة في مجتمعاتنا يربطه البعض بالدين، والدين بريء من ذلك، المسألة مرتبطة أساسا بالعادات والتقاليد وبالنظرة الدونية للمرأة، التي جعلتها عرضة للتحرش ليس في الشارع فحسب، بل حتى في ما يسمى بالمجتمع الافتراضي أو مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرهما”.
وأضاف “الأسباب التي تدفع البعض من الرجال للتحرش بالنساء هي ضعف الواعز الديني والفراغ الفكري والعاطفي والتربية السيئة ووجود مساحات كبيرة من الفراغ لدى الجنسين، ويمكن للرجل والمرأة على حد السواء الانسياق وراء هذا السلوك غير الأخلاقي”.
وختم الشمري بقوله “تعميم فكرة أن الرجل لا يعيبه أي شيء والمرأة ناقصة هو نتاج جهل كبير مسيطر على المجتمعات العربية، وهذا هو أحد أهم أسباب اضطهاد الرجل للمرأة وسعيه الدؤوب لأجل التسلط عليها”.

20