أعداد الأطفال المتضررين من الشاشات الإلكترونية تتضاعف

المنتجات الإلكترونية تحرم الأطفال من المودة الأبوية، وألعاب الفيديو ذات الشعبية العالية تشكل حوافز مباشرة للجنوح.
الثلاثاء 2018/12/11
بحث عن سبل التخلص من الشاشات

يزداد تعلق الأطفال والمراهقين بالشاشات الإلكترونية بمختلف أنواعها، ويلاحظ المختصون أن هذه الزيادة لم تواكبها إجراءات حماية لهم من مخاطرها المتعددة التي تتسبب تأثيراتها في انحراف سلوكهم عند البلوغ نحو العنف والجريمة والعزلة الاجتماعية، مؤكدين أن هذه الخطوات لإنقاذ الصغار من تداعيات الشاشات ومحتوياتها الخطيرة يجب أن تنطلق من الأسرة القادرة على تخليصهم من الإفراط في استهلاكها وتوجيه خياراتهم فيما تعرضه.

الجزائر – حذر العديد من الخبراء، من مخاطر الإفراط في التعرض للشاشات خصوصا شاشات الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية والحواسيب والتلفزيون، مؤكدين على ضرورة تأطير استعمالها في نطاق الأسرة بالنسبة للأطفال والمراهقين.

ودقّ رئيس منظمة حماية وتوجيه المستهلك الجزائرية مصطفى زبدي، ناقوس الخطر حول الأضرار الناجمة عن إساءة استخدام الشاشات لدى غالبية الناس بما في ذلك الشباب والأطفال الصغار.

واعتبرت المدربة في مجال الأبوة والاتصال بفرنسا، لاكاكسا، في ندوة نظمتها منظمة حماية وتوجيه المستهلك أن “هذه المنتجات التي تحظى باهتمام الأطفال تأخذ أهمية متزايدة في تفكيرهم وتصل إلى إبعادهم عن الحياة الحقيقية بما في ذلك الحصول على المودة الأبوية والتمتع بها، الأمر الذي يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على التطور النفسي للطفل وتحقيق الذات عند البلوغ”.

ووفقا للمختصة الفرنسية في العلاقات بين الوالدين والطفل، من الواضح والثابت أن الحاجة إلى العلاقات أهم من الحاجة البيولوجية خصوصا في مرحلة الطفولة، إلى درجة أنه من الممكن للطفل -وبالرغم من معاناته من سوء التغذية مثلا في مقابل حصوله على ما يكفي حاجاته من المودة- أن يصبح “شخصا بالغا مسؤولا ومتوازنا وقويا”، في حين أن الطفل الذي حرم من عاطفة الوالدين قد يصبح “بالغا خاملا وخاضعا”.

من جانبه قال الخبير كريم نايت مجاني إن شاشات هذه الأجهزة، بالإضافة إلى العزل الذي تسببه تدريجيا للطفل عن واقعه وعن أسرته، تشكل خطرا على صحته بسبب الإشعاعات المنبعثة منها؛ ولفت الخبير إلى محتوى البرامج الموجهة للأطفال عبر مختلف الشاشات، والتي تتضمن عموما رسائل تسبب اضطرابات في طريقة تصميمه للأشياء ثم تؤثر في سلوكه عند البلوغ.

الأطفال يعانون بسبب التعرض المفرط للشاشة من عسر القراءة وخلل الحساب وخلل النطق واضطرابات التفاعل

وأوضح أنه “من خلال التقليل من خطر التعرض للعنف، ندفع حدوده في المجتمع للمقبول”، لافتا الانتباه إلى أن ألعاب الفيديو ذات الشعبية العالية بين أطفال وشباب الجزائر والمليئة بمشاهد العنف، تشكل حوافز مباشرة للجريمة والجنوح.

وأشار في ذات السياق إلى أن الرسوم المتحركة بدورها باتت مليئة برسائل مموهة، غير محسوس بها للوهلة الأولى، ولكن الأخصائيين بدأوا في العثور عليها تدريجيا بما في ذلك التلميحات الضارة التي يمتصها المستهلك الطفل أو المراهق الشاب باللاوعي. وتساهم هذه الرسائل التي يصعب اكتشافها في تكوين شخصية الطفل وقد تؤدي إلى انحراف  سلوكاته عند البلوغ.

كما أن طريقة صنع الرسوم المتحركة التي تبث للأطفال اليوم بصورها السريعة والحية والفوضوية والمرفقة بأصوات حادة وعنيفة، تعد مصدر تأثير سلبي على شخصية الطفل، وتشكل بمرور الوقت وكثرة متابعتها إدمانا تلقائيا لصالح مصمميها.

وبالإضافة إلى الأطفال، فإن الشباب والبالغين ليسوا أقل تأثرا بالإفراط في استخدام الشاشات الإلكترونية كونها تلفت الانتباه إلى العديد من المعلومات الفوضوية والمتفرقة، وبالتالي تزعزع الاستقرار المعنوي والجسدي لدى المتقبل، بحسب مجاني.

واعتبر الطبيب في علم النفس ورئيس قسم في مركز البويرة الطبي، لونس نالم، أن التعرض المفرط للشاشات يقود االصغار إلى التوحد غير الوراثي، أي التوحد “المكتسب”.

ويعتبر هؤلاء حاملون لنفس الأعراض التي يعاني منها الطفل المولود بالتوحد مع خطر البقاء بها مدى الحياة. ويشير نالم إلى “أن ذلك بات واقعا علميا تم إثباته من العديد من فرق البحث في العديد من البلدان”.

الجزائر

وبالإضافة إلى التوحد المكتسب يمكن أن يعاني الأطفال بسبب التعرض المفرط للشاشة من اضطرابات إدراكية ومعرفية بما في ذلك عسر القراءة وخلل الحساب وخلل النطق والصعوبات اللغوية واضطرابات التفاعل مع بيئتهم.

وحذر نالم من أن هذه الظواهر، الناتجة عن الاستعمال المفرط للشاشات الإلكترونية بأنواعها، تنتشر بسرعة في الجزائر، وبحسب خبرته الميدانية فقد شهد زيادة في عدد المرضى الصغار من 31 حالة منذ عشر سنوات إلى أكثر من 400 في 2018، والذين تتراوح أعمارهم بين 3 و14 سنة.

ودعا إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ضد هذه الظواهر و”إنقاذ الأطفال” وذلك عن طريق الحد من الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات وعلى شبكة الإنترنت انطلاقا من البيت والأسرة. وقال إنه بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى هذه المصادر فإن الرقابة الأبوية والتفاعل القوي مع الطفل يعدان أمرا حتميا لإدماج الطفل في الحياة الأسرية والاجتماعية وتدعيمه.

وقد أظهرت نتائج أولية لدراسة حديثة واسعة أجرتها المعاهد الوطنية الأميركية للصحة وكشفت عنها محطة “سي.بي.أس″، أن دماغ الأطفال الذين يمضون وقتا طويلا أمام الشاشات يظهر تغيّرات.

وفحصت الدراسة أدمغة 4500 طفل بين سن التاسعة والعاشرة ووجدت “مسارات مختلفة في دماغ الأطفال الذين يمضون أكثر من سبع ساعات يوميا أمام جهاز ذكي. وتبين تراجع في سماكة قشرة الدماغ بشكل مبكر وهي القشرة الخارجية التي تعالج بيانات الحواس المرسلة إلى الدماغ.

وأظهرت البيانات أن الأطفال الذين يمضون أكثر من ساعتين في اليوم أمام الشاشات يحققون نتائج أسوأ في امتحانات اللغات والتحليل المنطقي. وقالت الباحثة كارا باغوت إن الهاتف الذكي قد يدفع إلى الإدمان لأن الوقت الذي يمضيه الطفل أمام الشاشة يحفز الدوبامين هرمون الرغبة.

21