أعداد نادرة من مجلة الدعوة تفضح المستور من سياسة الإخوان

مقالات تندد بتظاهر النساء ضد المستعمر وتشوّه الأحزاب وتنتقد سينما الخمسينات “الخليعة”.
الأحد 2019/09/29
التاريخ لا يرحم

 يفشل الإخوان في كل مرة يحاولون فيها إظهار أنفسهم بمظهر الديمقراطية والحداثية التي لا تتعارض مع الأيديولوجيا. وذلك لأن جوهرهم بني على الأفكار المضادة لذلك والتي لا تنفع في إخفائها أي محاولة تجميلية. فالطبع يغلب التطبع عندهم، وحتى بعد أكثر 90 سنة من تأسيس جماعة الإخوان، ورغم ما مرت به من متغيرات، تبقى الأفكار التي نقلها المؤسسون وتلاميذهم، حاضرة بقوة رغم انتهاء تاريخ صلاحيتها. ويحاول الإخوان اليوم إخفاء هذه الأفكار والتنكر لبعض المبادئ لكن التاريخ يبقى حاضرا بالمرصاد عبر مخطوطات ووثائق وأعداد قديمة لكتب ومجلات الإخوان، على غرار مجلة “الدعوة” الصادرة عن الإخوان في خمسينات القرن الماضي.

القاهرة - في القاهرة، ثمة سوق شهير لبيع الكتب القديمة بمنطقة السيدة زينب، يشهد كل فترة عروضا لوثائق وكتب وإصدارات نادرة. من بين المعروضات التي وقعت بين أيدينا مجلد ضخم يضم 63 عددا من مجلة “الدعوة” الأسبوعية الصادرة عن جماعة الإخوان برئاسة تحرير صالح عشماوي مسلسلة من العدد 3 حتى العدد 65 خلال الفترة من 20 فبراير 1951 إلى 13 مايو سنة 1952.

ظلت هذه المجلة تصدر حتى الصدام الحاصل بين الرئيس المصري جمال عبدالناصر وجماعة الإخوان سنة 1954. واختفت بعد ذلك معظم أعدادها، التي تعتبر من المراجع الهامة التي تؤرخ لبداية الجماعة وأفكارها وتوجهاتها. وتكمن أهميتها في أن كتاباتها أكثر وضوحا وصراحة، لذلك فالحصول على أي من أعدادها اليوم يعتبر مفتاحا للكثير من الأسرار التي تحاول الجماعة القفز عليها ومواقف تنكرت لها ومبادئ تتعامل معها بأسلوب التقية في قضايا مثل المرأة والأقباط والديمقراطية.

تضمنت الأعداد التي اطلعت عليها مقالات لكتاب ومنظرين وكوادر معروفين بانتمائهم وصلاتهم مع الجماعة، في مقدمتهم سيد قطب، صالح عشماوي، محمد الغزالي، عبدالقادر عودة، عبدالعزيز كامل، عبدالمنعم النمر، سيد سابق، أحمد عادل كامل، أحمد الملط، وعبدالحكيم عابدين.

احتكار الإيمان 

تبرز المقالات خلطا واضحا بين الإخوان وبين المؤمنين، ويتحدث كتّابها عن التيارات السياسية الأخرى باعتبارها تسير على منهج غير منهج الله. ويبرئون الإخوان فقط في مكانة الصحابة. وكان كلما ورد ذكر حسن البنا جاء الاسم مصحوبا بـ”الإمام الشهيد رضي الله عنه”.

لا تخلو كتابات الإخوان الأولى من الآيات القرآنية، حتى لو كانت في غير موضعها، بل إن بعض الكتّاب اعتمد في الكتابة أسلوب السجع، وتغلب الإنشائية والكلمات الرنانة والتراكيب المبالغ فيها على كافة محتويات المجلة.

من ثوابت المجلة الافتتاحية بقلم صالح عشماوي، رئيس التحرير، ويليها في الصفحة الثانية مقال لسيد قطب، وفي الصفحة الثالثة مقال من مقالات حسن البنا، وإلى جواره صورته ولقب “الشهيد”. واغتيل البنا في فبراير 1949 ردا على اغتيال الجماعة لرئيس الحكومة المصرية وقتها محمود فهمي النقراشي. ومن الأبواب الثابتة: العالم الإسلامي، أخبار المجتمع، قضية، الأسرة، قصص ديني، فضلا عن أخبار الجماعة ونشاط المرشد العام.

يعكس المضمون حالة عداء شديد تجاه كافة الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب الوفد الذي كان يمثل الأغلبية وقتها. ومعظم الأخبار المنشورة عن الأحزاب سلبية وتحمل سخرية أو هجوما متعمدا.

الإخوان سبقوا السلفيين في تحريم الاحتفال بأعياد المصريين الشعبية، فنقرأ مثلا في العدد 53 بتاريخ 19 فبراير 1952 خبرا بعنوان “شم النسيم عيد غير إسلامي. متى يعرف المسلمون أعيادهم”. وفي العدد ذاته نجد دعوة إلى تحطيم التماثيل الخاصة بأوروبا في مصر، بينها تمثال الفرنسي فرديناند ديلسيبس صاحب فكرة شق قناة السويس، ونشرت المجلة صورة للتمثال تحت حذاء مارد عملاق وكتبت “متى يتم هدم تمثال ديلسيبس”

ونقرأ في العدد الرابع مثلا بتاريخ 20 فبراير 1951 لعمر التلمساني المحامي، الذي تولى في ما بعد منصب مرشد الجماعة، أن “أحزاب المعارضة ووزارتها التي تولت الحكم في هذا البلد تدمي فؤاد البلاد. وحكومة الوفد من يوم أن وليت الحكم حنثت بعهودها وعادت إلى سابق عهدها من محسوبيات واستغلال نفوذ أمر ليس بالجديد عليها”.

في العدد نفسه يطل رسم كاريكاتوري يسخر من زعيم الوفد مصطفى النحاس ويرسمه وهو مُنحن وبيده بندقية لا يفعل بها شيئا، ويقول له أحد الفدائيين “أعطني البندقية وأنا أوقف لك فظائع الإنكليز”.

هناك أمثلة عديدة أخرى تكشف موقف الإخوان من الأحزاب بشكل عام، تكاد تنطبق عليها هذه الأيام، منها ما كتبه أمين إسماعيل عضو الجماعة في العدد السابع بتاريخ 13 مارس سنة 1951 يهاجم فيه الكاتب إحسان عبدالقدوس لأنه نشر في العدد 1186 من مجلة “روزاليوسف” خبرا حول اعتزام الشيخ أحمد حسن الباقوري، عضو جماعة الإخوان الخروج من الجماعة والانضمام إلى حزب سياسي جديد، وكان مما كتبه “أنت وغيرك تعرف أن الأستاذ الباقوري لا يمكن أن يحيا في جو الحزبية الخانق لأنه رجل دعوة لا تلحق بمثار نقع أقدامها مبادئ جميع أحزاب العالم”. وانشقّ الشيخ الباقوري عن الجماعة لاحقا، وأعلن براءته من العمل معها.

وفي العدد 22 بتاريخ 26 يونيو 1951 يهاجم صالح عشماوي الأحزاب قائلا “هل قدر مصر أن تكون بقرة حلوبا يستدرها الوفديون حينا وباقي الأحزاب حينا آخر؟ لقد فقد الشعب ثقته في الأحزاب بعد أن سجلت على نفسها الفشل المبين، وأنه لعبث ما بعده عبث أن تظل هذه الأحزاب تتداول السلطة”.

لكن، العداء للأحزاب لم يقابله انتقاد للملك، بل بالعكس، تعكس تهنئة الملك فاروق بمناسبة عيد جلوسه على العرش، الصادرة في العدد 64 بتاريخ 6 مايو سنة 1952، انتهازية الإخوان ونفاقهم.

معارك صليبية

تخلط بعض مقالات المجلة خلطا متعمّدا بين الديمقراطية والامبريالية، بل إنها تعتبر مهمة الإسلام تتمثل في محاربة الديمقراطية الغربية، فيكتب مثلا محمود لبيب، أحد قيادات الجماعة في العدد 19 بتاريخ 5 يونيو 1951، مقالا يقول فيه “يا جنود الرحمن، لقد انتهت الجولة الأولى في فلسطين بمآسيها ومخازيها فلتستعدوا للجولة الثانية، والتي سيكون ميدانها أرض وطننا. ستحاربون الديمقراطية الاستعمارية والرأسمالية الصهيونية الأميركية والشيوعية اللادينية”.

هناك رؤية ثابتة لدى الجماعة تفترض أن حركات الاستعمار جميعها حركات صليبية، ويكتب عن ذلك صالح عشماوي في العدد التاسع بتاريخ 27 مارس 1951 مقالا يقول فيه “نعم هي حرب صليبية يشنها الاستعمار على المسلمين”. ثم يقول متسائلا “هل يفهم الزعماء السياسيون الأمور على حقيقتها، فيدركون أنهم يخوضون حربا صليبية لا حربا استعمارية”.

ولا تخلو المقالات من دعوات ضمنية وصريحة إلى الجهاد، ووصف كافة المتهمين من الجماعة في العمليات الإرهابية بالأبطال والمجاهدين والشهداء. ويتم الاحتفاء بالقضاء المصري العادل عندما يحكم ببراءة المتهمين لعدم كفاية الأدلة، وينظر بإجلال واحترام للذين يدينهم القضاء بتهمة القتل أو العنف. وهو ما يحدث حاليا.

رسم كاريكاتوري صدر في العدد الرابع من مجلة الدعوة بتاريخ 20 فبراير 1951 يسخر من زعيم الوفد مصطفى النحاس ويرسمه وهو مُنحن وبيده بندقية لا يفعل بها شيئا، ويقول له أحد الفدائيين “أعطني البندقية وأنا أوقف لك فظائع الإنكليز”
رسم كاريكاتوري صدر في العدد الرابع من مجلة الدعوة بتاريخ 20 فبراير 1951 يسخر من زعيم الوفد مصطفى النحاس ويرسمه وهو مُنحن وبيده بندقية لا يفعل بها شيئا، ويقول له أحد الفدائيين “أعطني البندقية وأنا أوقف لك فظائع الإنكليز”

كتب عبدالمنعم النمر، مثلا في العدد الثامن بتاريخ 20 مارس 1951، مهنئا إخوانه الذين حصلوا على البراءة في حادث السيارة “الجيب”، وهي قضية إرهابية شهيرة للجماعة، لكنه يُحيي في الوقت ذاته الذين أدينوا ويصف ذلك بعبارة “في سبيل الله ما لاقوه”.

احتفت المجلة بالمتهمين في حادث السيارة “الجيب” عبر ستة أعداد متتالية، وعندما حصل بعض المتهمين على البراءة حرص رئيس التحرير صالح عشماوي على أن ينشر لنفسه صورة مع أحد المتهمين وهو سيد فايز.

لكن، بعد ذلك، تفصل الجماعة في ما بعد صالح عشماوي، رئيس تحرير المجلة، وينسف الجهاز الخاص للإخوان منزل سيد فايز لتتخلص منه بعبوة ناسفة تم وضعها بعلبة حلوى المولد النبوي في نوفمبر سنة 1954.

الموقف من الأقباط

تنضح مقالات المجلة بإيماءات وتلميحات متعددة تحمل تحريضا ضد الأقباط، فنقرأ مثلا مقالا للدكتور حسن حتحوت، في العدد العاشر بتاريخ 3 أبريل سنة 1951، بعنوان “أخي جرجس” يقول فيه “إنني ليأخذني العجب يا جرجس أن أعرف أن نفرا من المنتسبين إلى المسيحية لا يكادون يتقنون إلا عداوة الإسلام وكراهية المسلمين، وهم بذلك ينسون أنهم من أبناء المسيحية وأتباع عيسى عليه السلام”.

ثُم يتكرر التحريض على المسيحيين من خلال استهداف بعض الكتاب والأدباء منهم مثلما كتب محمد فهمي في العدد 25 من المجلة تحت عنوان “جورجي زيدان والإسلام” ما يلي “هذا الأديب نشر قصصا وحكايات عن الإسلام كلها أباطيل. ورواياته كلها حملات مشحونة بالتحامل والتصغير من شأن أمجاد الإسلام، وما دامت أعماله تنشر وتُقرأ فذلك خطر كبير”.

ونقرأ في العدد 65 بتاريخ 13 مايو 1952 هجوما مماثلا على الكاتب المصري سلامة موسى تحت عنوان “سلامة موسى يدعو إلى الفجور” لأنه كتب مقالا في جريدة “أخبار اليوم” عن شاب قام بتقبيل حبيبته.

وعكست المقالات مواقف الجماعة السلبية من الفن في ذلك الوقت، من خلال عدة أخبار، منها مثلا خبر في العدد 20 بتاريخ 12 يونيو 1951، جاء فيه أن مصطفى السباعي، رئيس الإخوان المسلمين في سوريا، التقى محمد صلاح الدين وزير الخارجية المصري وأبلغه استياء علماء الدين في سوريا من الأفلام السينمائية الخليعة في مصر.

كذلك نقرأ خبرا في العدد 28 بتاريخ 14 أغسطس 1951 يقول إن إخوان سوريا اعترضوا على اكتتاب السوريين لعمل تمثال للزعيم يوسف العظمة، ورأوا ذلك “حراما”. بل إنهم سبقوا السلفيين في تحريم الاحتفال بأعياد المصريين الشعبية، فنقرأ مثلا في العدد 53 بتاريخ 19 فبراير 1952 خبرا بعنوان “شم النسيم عيد غير إسلامي. متى يعرف المسلمون أعيادهم”، وفيه أن علماء الدين لا يجيزون الاحتفال بأي عيد غير الأعياد الإسلامية.

مضمون يعكس حالة عداء شديد تجاه كافة الأحزاب السياسية
مضمون يعكس حالة عداء شديد تجاه كافة الأحزاب السياسية

في العدد ذاته نجد دعوة إلى تحطيم التماثيل الخاصة بأوروبا في مصر، بينها تمثال الفرنسي فرديناند ديلسيبس صاحب فكرة شق قناة السويس، بل نشرت المجلة صورة للتمثال تحت حذاء مارد عملاق وكتبت “متى يتم هدم تمثال ديلسيبس؟” والمؤسف في الأمر أن التمثال تم هدمه فعلا سنة 1956 تحت ضغط الدعوات الشعبية.

وفي الحديث عن دور المرأة، التي كانت حاضرة بقوة في المشهد السياسي النضالي ضد المستعمر، كررت مقالات المجلة القول إن المرأة لا يجب عليها المشاركة في الحياة السياسية مرشحة أو حتى ناخبة، وأن دورها يقتصر على رعاية بيتها وأبنائها.

وعن هذا نقرأ في العدد العاشر من المجلة بتاريخ 3 أبريل سنة 1951 خبرا يقول “بعث إلينا اللواء عبدالواحد سبل الأمين العام لاتحاد عام الهيئات الإسلامية البرقية التالية: إن إقحام النساء في مظاهرة 14 نوفمبر يشوه جلال الموقف ويشنع على سمعة مصر في العالم الإسلامي ويسجل على المصريين تهاونهم في صيانة المحرمات. ويحتج الاتحاد على ذلك، ويناشد المسؤولين أن ينصحوا السيدات بالمكوث في بيوتهن والتفرغ لتنشئة الجيل الجديد. كما يرجو الاتحاد أبناء الوطن أن يضنوا بكرامة نسائهم أن يدنسها الاختلاط بالرجال”.

الإخوان اليوم

تغيرت الأحوال وحدثت تطورات في الحياة الاجتماعية والسياسية ولا تزال غالبية المفاهيم التي جرى ترديدها في السنوات الأولى للجماعة على حالها، وإن جرى تجميلها وفق المتغيرات.

وثمة إشارات متنوعة في أعداد العامين الأولين للمجلة بشأن اتصالات وعلاقات الجماعة بالخارج، إذ ينشر كل عدد لقاء لسعيد رمضان، والد الدكتور طارق رمضان مسؤول الاتصال الخارجي للجماعة بأصدقاء في المغرب وتونس والجزائر ودول أوروبية عدة، وحتى إيران التي وصفها رمضان بأنها نموذج للإسلام الصحيح، عندما التقى زعامات شيعية رفيعة.

7