"أعراس آمنة".. امرأة تقاوم الاحتلال بتحويل الأحزان إلى أفراح

المخرج الأردني يحيى البشتاوي يكيّف رواية الكاتب إبراهيم نصرالله من الفضاء السردي إلى الركح.
الأحد 2020/09/13
حوارات بين الخيال والواقع

تتطلب عملية تكييف النصوص الروائية إلى نصوص مسرحية معرفة عميقة بفن المسرح وخصائصه واشتراطاته الأدبية والتقنية. وتكمن أهميتها، لكلا النوعين الإبداعيين، في أنها تسهم في تقريب الفن الروائي إلى شرائح اجتماعية غير معنية، أو قليلة العناية به، وتؤدي دورا في الترويج له، فضلا عمّا تشكّله العوالم الروائية من مصدر إثراء للمسرح، بما تنطوي عليه من أحداث وشخصيات ورؤى وهواجس إنسانية، فردية وجمعية، شديدة الالتصاق بالواقع والحياة.

شكّلت النصوص المسرحية المكيّفة عن نصوص سردية، في المسرح العربي، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، نسبة كبيرة من تجاربه، بصيغ مختلفة من التكييف.

من نماذج التكييف الحديثة مسرحية “أعراس آمنة”، التي كيّفها الكاتب والمخرج الأردني يحيى البشتاوي عن رواية بالعنوان نفسه لإبراهيم نصرالله، مختزلا شخصياتها إلى اثنتين فقط هما آمنة (أدتها نهى سمارة) وزوجها (أدى دوره زيد خليل مصطفى).

 وقد ركز فيها على شخصية آمنة الغزاوية الفلسطينية، واتخذها محورا للفعل الدرامي، في حين أهمل مجموعة من الشخصيات الأخرى، أبرزها الفتاتان التوأم رندة ولميس، وأمهما، وصالح، على الرغم من أهميتها في البنية السردية للرواية، لكونها تكشف عن معاناة المجتمع الفلسطيني الجريح في قطاع غزة، وتحمّله الأحزان والأوجاع، وقدرته على الصبر سنوات طويلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

الملهاة الفلسطينية

الرواية هي آخر ما كتب إبراهيم نصرالله ضمن مشروعه “الملهاة الفلسطينية”، الذي يتضمن ثماني روايات عن القضية الفلسطينية. وهي رواية مناجاة، متعددة الأصوات، يمزِجُ الكاتب فيها بين اللهجة العامية واللغة الفصحى، وتتناوب في سرد فصولها القصيرة شخصيتان رئيسيتان هما آمنة ورندة.

 الأولى زوجة شهيد تعمل مشرفة في مركز تأهيل المصابين، وتحضّر لعرس ابنها صالح، الذي استشهد منذ زمن بعيد، لكنها تخاله حيّا عندما تطلب له يد لميس ابنة جارتها وتوأم رندة. ويضعنا الكاتب في مخيّلتها وهي تحاوره وتطبخ له ولزوجها جمال وابنتها الشهيدين، وكأنّهم جميعا أحياء يرزقون. الكلّ يتجاوب مع خيال آمنة، ويتعامل معها وكأنّ أسرتها لا تزال موجودة، في تضامن صامت يخشى أن يفضحه نطق الحرف حتى لا يشتّت الحزن ما تبقّى من الأمل.

تبقى آمنة وحدها تتجوّل في الأسواق وبين البيوت، تحاول أن تحيل الأحزان إلى أعراس تتحدّى بها العدو الإسرائيلي، لكنّها تدرك أنّها تحتال على نفسها، وأنّ هذا لا يعدو إلا أن يكون محض مناورات منها حتى لا يتشمّت ذلك العدو بها، وفي عينيها مغزى لا يموت عن العروبة المفقودة، التي ماتت عندما حملت فلسطين وحدها القضية، وحُرمت من رفع رأسها، فنهضت ممزقة من كل جانب، تلوذ بأطفال الحجارة، وسيول الدماء التي تدفّقت من أجساد الشهداء. أما الثانية رندة فهي ابنة جارة آمنة التي تقطن بجوار منزلها، صحافية ضائعة تائهة لأن تكون هي ذاتها رندة أو توأمها لميس، التي استشهدت ببندقية قنّاص رصدتها وهي تطل من سطح منزلها، بعد استشهاد فتى أحلامها سامر.

أغلب الحوارات في المسرحية مأخوذة عن الحوارات المبثوثة في رواية إبراهيم نصرالله مع تغييرات بسيطة هنا وهناك حسب رؤية المخرج وتصوراته الفنية

 كما أنها الشخصية الأكثر تفهما لأوجاع آمنة، تحاول أن تشاركها أفراحها “المزعومة” من وحي خيالها المجنون بفقدان أحبائها، تصغي إليها بصمت، عندما تعرض عليها أن تزوّج ولدها الشهيد صالح بأختها لميس، وتنفض عن عينيها سحبا لدموع مكبوتة لم يفرج عنها الصمت إلا قليلا، حتى لا تتجلّى الحقيقة فتقضي على الأخضر واليابس، حقيقة أنّ جميع أفراد أسرة آمنة استشهدوا.

أراد إبراهيم نصرالله أن يبوح لنا بأنّه لم يعد في القلب وجعٌ يئن أو من العين دمع يسيل، فالأحزان باتت مكدّسة، والموت صار أقوى من الحياة، ومن بقي حيّا فهو ينتظر الموت في أيّ لحظة، ويحفر قبره قبل الأوان، كما تقول الكاتبة نسرين بلوط.

عمومية المكان

 يغيب الوصف المكاني عن الرواية، وإن وُجد فهو يتسم بالعمومية، ويفتقر إلى بيان جزئيات المظاهر المكانية في مدينة غزة، حيث تجري فيها الأحداث، وأبعادها وخصوصياتها، حتى أن القارئ لا يجد أسماء للشوارع أو للأزقة أو للمقاهي أو لأي معلم من معالم المدينة، عدا مستشفى الشفاء والمقبرة، بينما يحتل الحوار مساحة كبيرة فيها ضمن سياق ما يُعرف بـ”تقنية المشهد”، واستبطان الحالة الفلسطينية التي تقع بين حدي الفرح والحزن، العرس والجنازة، ومحاورة الموت لإضاءة جانب جديد من تجربة الفلسطينيين.

 ويبدو أن طغيان الحوار في الرواية أحد الأسباب التي أغرت يحيى البشتاوي بتكييفها لتكون نصا مسرحيا بشخصيتين رئيسيتين هما؛ آمنة وزوجها، جعلهما تتلبّسان أكثر من شخصية، عبر تقنية الاسترجاع، آخذا بأسلوب أقرب ما يكون إلى أسلوب “المسرحية داخل المسرحية”، أو النهج الذي يتبعه بعض المخرجين للاقتصاد في عملية الإنتاج المسرحي، من خلال تقليل عدد الممثلين بجعل الممثل الواحد يؤدي أكثر من شخصية، فآمنة تتلبس شخصية أم زوجها في اللوحة الثانية، لكن في سياق مختلف عن سياق الرواية، التي تكون فيها شخصية الأم هي شخصية أم رندة وليست أم آمنة.

استذكارات شخصية

تعبير مختلف عن الألم
تعبير مختلف عن الألم

 الأم هنا هي أم زوج آمنة، وهي تشير إلى الصراع الأيديولوجي القائم بين ولديها اللذين ينتمي كل منهما إلى تنظيم سياسي مختلف عن الآخر، في حين أنهما في الرواية أخوا رندة.

أما الزوج فيتلبّس أكثر من شخصية مثل “الممرض” و”الرجل” وشخصيتي عزيز، وغسان كنفاني في سياق استذكار آمنة لأحداث حقيقية أو حلمية جرت قبل وبعد غياب زوجها، وهي في الرواية أحداث يخص بعضها رندة، و بعضها الآخر يخص آمنة، وتتناوبان في سردها.

لكن عملية الاستذكار تبدو في بعض اللوحات غير مسوّغة دراميا، خاصة استذكار آمنة لأحداث ليست لها أهمية خلال فترة غياب زوجها، من ذلك مثلا أنها تحكي له، من دون مناسبة، كيف حلمت بالتسلل من غزة إلى قبر غسان كنفاني، وحفرته لتعطيه كل ما جمعته من حكايات، ثم يتحول الحكي إلى مشهد مسرحي تخاطب فيه القبر، بينما كانت رندة في الرواية هي التي تروي حلم لقائها بغسان كنفاني، بعد أن قرأت روايته “أم سعد”، لتشكو له رفض الجريدة التي تعمل فيها نشر مقالاتها عن حكايات الشهداء الأطفال.

جاء أغلب الحوارات في المسرحية مأخوذا عن الحوارات المبثوثة في الرواية، مع تغييرات بسيطة هنا وهناك حسب رؤية البشتاوي، ومقتضيات الموقف الذي تكون فيه شخصية آمنة. ولجأ في بعض اللوحات (المشاهد) إلى وضع حوارات ومونولوجات رندة وأمها في الرواية على لسان آمنة.

 ومن بين المشاهد التي ابتكر بدايتها البشتاوي مشهد عودة زوج آمنة هاربا من الأسر، بعد عشرين عاما من الغياب، وكانت تظن أنه استشهد في الانتفاضة الأولى، لأنها رأت في التلفزيون وجها شبيها بوجهه تغطيه الدماء، ولم يكن من السهل معرفته. لكن ثمة حوارا لآمنة يؤكد أنها التقت بزوجها في مستشفى غزة المركزي وهو جريح، ولا تشير إلى أنه استشهد في ما بعد. وإذا افترضنا أنه استشهد، حسب قناعتها، وسكت النص عن ذكر ذلك، فأين ذهبت جثته وهي في مستشفى فلسطيني وليس إسرائيلي؟ كما أن الحوار يتناقض مع رواية الزوج بأن دورية إسرائيلية راجلة قبضت عليه واقتادته إلى المعتقل، حيث كان مصابا إصابة خفيفة، ووضعته في سجن انفرادي، فقرر الهرب من المعتقل، ولم يتمكن من ذلك إلا بعد محاولات عديدة. ناهيكم عن كونه يتناقض أيضا مع روايته بأنه تسلل إلى زوجته داخل نعش في سيارة إسعاف، لكن جنود العدو في الحاجز لم يقتنعوا بذلك، فصعد أحدهم إلى السيارة، واستل حربته وغرسها بين شقوق الخشب، إلى أن غاصت في اللحم، وسال الدم من الشقوق.

تغييرات على النص

Thumbnail

 أما التغييرات التي أجراها البشتاوي، حسب رؤيته واجتهاده في تكييف الرواية إلى نص مسرحي فيمكن إجمالها في خمس نقاط، حيث افترض المخرج بداية أن ما ترويه آمنة في حوارها مع زوجها أحداث واقعية، في حين أنها محض أوهام أو أخيلة ترد إلى ذهنها في الرواية حينما تتوهم أنها توجه كلامها إليه بضمير المخاطب.ثانية النقاط أنه افترض أن شقيقي رندة؛ جواد وسليم في الرواية هما شقيقي زوج آمنة، من دون أي مسوّغ درامي.

أما الافتراض الثالث فيرى فيه أن شخصية صالح ابن آمنة على قيد الحياة، في حين أنه يستشهد في الرواية، وعندما يسألها زوجها عن ولديه تجيبه إجابة غير واضحة، لكننا نفهم من توريتها أنه لا يزال حيا، ثم يتأكد للمتابع قبل نهاية المسرحية أنه حي بالفعل.

غير أن هذا التغيير، في رأيي، أضعف البعد التراجيدي في شخصية آمنة كما صاغه إبراهيم نصرالله في الرواية، فهي أم ثكلى فقدت جميع أفراد أسرتها، الأمر الذي أورثها ما يشبه الهلوسة وهي تتحدث عنهم مع نفسها المكلومة، أو مع رندة.

رابعة النقاط تتمثل في أن المخرج جعل شخصية آمنة ذات بعد واحد، أفقي، مشكلتها الوحيدة أنها فقدت زوجها خلال الانتفاضة، في حين أنها شخصية مركبة واستثنائية في الرواية بسبب استشهاد جميع أفراد أسرتها، تهيمن عليها الأوهام، وتقوم علاقتها بمحيطها على أساسها، بل تعيشها في حياتها اليومية كما لو أنها حقائق أو مسلّمات.

وكان على البشتاوي أن يستثمر هذه الخصلة الجوهرية في شخصيتها ليؤسس لصراع درامي هو عنصر أساسي في المسرح.

النقطة الخامسة بين الرواية والمسرحية تكمن في أن المخرج أنهى المسرحية بخروج زوج آمنة من بيته للالتحاق بالمقاومة، تأكيدا على استمرار الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، في حين أنه يستشهد في الرواية، على الرغم من أن مراوحة الزوج بين عودته حيا إلى البيت واستشهاده ننطوي على التباس وتناقض واضحين.

14