أعراس الجزائر.. ليلة العمر تتحول إلى حفلة تباه

حفلات الزفاف اليوم، تحولت إلى ساحة للتباهي والتنافس غير المبرر بين العائلات التي تعتقد أن العرس هو الفرصة المثالية لإثبات مكانتها في المجتمع.
الثلاثاء 2018/08/14
الرقص على إيقاع الديون والاقتراض

الجزائر - الصيف عند عامة الجزائريين يعني الذهاب في إجازة للبعض، مثلما هو موعد لإقامة حفلات الزفاف أو ما يعرف محليا بالأعراس للبعض الآخر.

ولم تعد الأعراس عند الجزائريين كما كانت في وقت سابق رمزا للاستقرار والتضامن والتواضع، فالعولمة و”التطور الذي أصاب المجتمع” غيرا الكثير في العادات التي عرف بها الناس سواء كانوا في المدينة أو الريف.

ويقول المثل الشعبي في الجزائر إن “العرس نهار وتدبيره عام”، ويعني أنه رغم أن العرس يستغرق فترة قصيرة، فإن الإعداد له يحتاج فترة طويلة للغاية، وهذا يعكس مدى العناية الكبيرة التي يوليها الجزائريون بالأعراس.

وتحولت حفلات الزفاف اليوم إلى ساحة للتباهي والتنافس غير المبرر بين العائلات التي تعتقد أن العرس هو الفرصة المثالية لإثبات مكانتها في المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب قدراتها المالية الحقيقية.

ويقول سمير عيمر، أستاذ في علم الاجتماع الحضري بجامعة الجزائر، “إن مظاهر الاحتفال في الأعراس يغلب عليها طابع المعاندة، حتى لو كلف ذلك أموالا طائلة”، مضيفا أن “المهم هو أن يصبح العرس محل الحديث العام والخاص”.

ويؤكد حسان حويشة، وهو صحافي تزوج قبل أشهر، أن الأعراس في الجزائر صار فيها الكثير من المبالغة في ما يخص الإنفاق المالي سواء من قبل العريس أو العروس، إنفاق غير مبرر هدفه في الغالب التباهي وسط الحي وبين الأصدقاء والصديقات حول من يكون عرسه مميزا من جميع النواحي.

وينوّه حسان إلى أنه مع هذا الإنفاق اندثرت عادات وتقاليد، وظهرت أخرى لم يكن متعارفا عليها سابقا، إلا في مناطق قليلة وخاصة الريفية منها، أي مازالت عادات قديمة تقاوم العصرنة.

وتكشف منال، وهي سيدة تنحدر من محافظة تقع شرقي البلاد، تزوجت برجل يقطن في العاصمة الجزائر، أن أهلها أقاموا لها حفلة بسيطة جدا، لكن أهل زوجها جعلوا من الموضوع مناسبة لإظهار من يمتلك أفخم السيارات، في إشارات إلى إبراز الثقل الاجتماعي لهم ولاسم العائلة.

Thumbnail

وأكدت منال أنها ستحرص على أن تكون زيجات أولادها عادية جدا وبعيدة عن كل تكلّف وكل ما لا يجدي نفعا أمام مشقة الحياة وتقلباتها.

وتقول سيدة أخرى تدعى حنان، إن مظاهر البذخ والترف تبدو على الجزائريين بصورة جلية خلال الأعراس، وأن الكثير من العائلات تضطر إلى صرف الكثير من الأموال كان يمكن اقتصادها لو تحلت بالحكمة وتعاملت بالمنطق بعيدا عن العواطف، والرغبة في إظهار شيء أفضل مما قام به الآخرون.

وأشارت حنان إلى العديد من العائلات التي تفضل مثلا أن تقدم لضيوفها أنواعا عدة من الحلوى، هي ليست ضرورية وليست ملزمة بل من الكماليات، مستغربة
في نفس الوقت التبذير الهائل الذي يطال الطعام الذي يقدم للمدعوين، والذي ينتهي به الأمر في الكثير من الأحيان في صناديق القمامة.

عيسى موظف متقاعد، يستعد لزف ابنته في غضون شهر ونصف، يشدد على أن الأمور صعبة جدا، لافتا إلى أنه صرف حتى الآن نحو 7 آلاف دولار وقد يضطر إلى صرف المزيد، علما وأن راتبه الشهري 700 دولار.

كما اعترف أنه اضطر إلى طلب سلفة مالية من بعض أصدقائه يصعب عليه تسديدها في آجالها، حتى يتمكن من تجهيز ابنته، متهما التفريط في التقاليد والعادات بالتسبب في ما حدث له.

يجد الفقراء في العرس، فرصة لتحدي الأغنياء وإلغاء كل الفوارق بينهم، ولو إلى حين، حيث يعمدون إلى تنظيم حفلات في أفخم قاعات الأفراح التي حلت محل أسطح العمارات وأقبية المنازل، والتعاقد مع فرق موسيقية لإحياء ليلة العمر، دون مراعاة تداعيات ما يخفيه المستقبل.

تذكر حجلة، أن صديقة مقربة لها أقامت حفلا مميزا أعجب كل من حضره، لكن بعد انتقالها إلى بيت زوجها، تركت وراءها فاتورة ثقيلة، اضطرت والدتها إلى تسديدها على أقساط.

ليست صديقة حجلة الوحيدة التي تضطر إلى القيام بذلك التصرف، فهناك الكثير من الجنسين، وما زاد في الأمر تعقيدا هو مغالاة العائلات في مهر بناتها، حتى تحول ذلك إلى عامل رئيسي في عزوف الشباب عن الزواج، وبالتالي ارتفاع عدد العوانس في الجزائر إلى 200 ألف عانس سنويا بما يعادل 11 مليونا إجمالا (نحو 50 بالمئة منهن تزيد أعمارهن عن 35 عاما).

Thumbnail

تختلف قيمة المهر من منطقة إلى أخرى في الجزائر بالنظر لاختلاف العادات والتقاليد، لكنه (المهر) يبقى عاملا حاسما في تحديد نجاح الزيجات من عدمها.

كمال، وهو شاب في العقد الثالث، يقول إن متطلبات العرس مكلفة كثيرا، وأنه لا يرى مشكلة في أن يضطر الشاب المقبل على الزواج إلى الاستدانة من أقاربه وأصدقائه لإتمام نصف دينه.

من المشاهد الغريبة التي تميز الأعراس في الجزائر، نقل العروس من بيت أهلها إلى بيت زوجها أو قاعة الحفلات، في موكب يضم العشرات من السيارات، حيث سرعان ما تسيطر ظاهرة القيام بمناورات خطيرة في الطريق العام، مما يؤدي إلى حوادث سير تحوّل العرس إلى مأتم جراء تهور وطيش الشباب المشاركين فيها. الأمر لم يعد مقتصرا فقط على أصحاب السيارات الذين وجدوا منافسة شرسة من قبل سائقي الدراجات النارية، والنتيجة في النهاية ضحايا جاؤوا للاحتفال فسيقوا إلى المقبرة.

يلفت حسان إلى أن بعض الشباب لا يجد حرجا في توقيف موكب العرس في قلب الطريق السيارة والنزول من السيارات للاحتفال والرقص وعدم المبالاة إطلاقا لا بالقانون ولا بمستعملي الطريق.

أما معاذ، فكشف أن التهور والاستخدام السيء للبنادق المعبأة بالرصاص الحي، تسببا في إزهاق عدد من الأرواح ذنبها أن “حظها العاثر” قادها إلى مكان ما كان يجب أن تتواجد فيه.

وأصبحت الأعراس فرصة أيضا لمساومة الفتيات والسيدات من خلال نشر صور لهن وهن دون لباس الاحتشام على منصات التواصل الاجتماعي، مما يتسبب لهن في مشاكل كبيرة.

يزيح عبدالسلام الستار عن واقعة مؤلمة لرجل تم تهديده ومساومته من أجل القيام بعمل مناف للقانون ضمن الشركة التي توظفه من خلال نشر صور “فاضحة” لزوجته الملتزمة التي حضرت أحد الأعراس، بعدما تمت إعادة تركيبها باستخدام تقنية الفوتوشوب، لكن الزوج الواثق تمسك بزوجته ورفض الرضوخ لمساوميه.

20