أعراض السأم البريطاني

سواء كان جونسون أو غيره، فإن زعيم حزب المحافظين الجديد عليه أن يتنبه إلى أن السأم الشعبي الذي أوصله إلى السلطة، يقابله سأم سياسي من كافة الأحزاب إزاء التشبث الانتهازي للمحافظين بالحكم.
الخميس 2019/06/20
بوريس جونسون.. المخلّص المنتظر؟

في برنامج تلفزيوني على قناة محلية، سُئلت فتاة بريطانية تنتمي إلى حزب المحافظين عن مرشحها لرئاسة الوزراء خلفا للمستقيلة تيريزا ماي، فقالت إنه بوريس جونسون رغم أنها لا تحبه أبدا. وعندما طلب منها التوضيح قالت إن سمعة البريطانيين باتت على المحك بعدما قرروا الخروج من الاتحاد الأوروبي ولم يخرجوا، لذلك لا بد من الخروج وجونسون هو الوحيد القادر على الأمر.

كثير من البريطانيين يشاركون هذه الفتاة إحباطها ورغبتها في إنهاء عصاب طلاق لندن وبروكسل. لقد مل البريطانيون الأمر برمته وباتوا يتطلعون إلى حسمه مهما كان الثمن. المناظرة التلفزيونية الأخيرة التي جمعت المرشحين لرئاسة الحكومة تبوح بهذا السأم، وكذلك مؤشرات كثيرة، من أبرزها تدني شعبية الحزبين الرئيسيين المنقسمين داخليا بسبب الخروج، لصالح أحزاب صغيرة حسمت موقفها، رفضا أو تأييدا له.

عزوف البريطانيين عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، عكس جانبا من هذا السأم. ثلاثون بالمئة فقط ممن يحق لهم المشاركة صوتوا في تلك الانتخابات، وغالبية من شاركوا يريدون طلاق لندن وبروكسل بأي ثمن.

من إفرازات السأم الشعبي حيال “بريكست” أيضا، كان نجاح يميني متطرف مثل نايجل فراج يجمع أكثر من مئة ألف عضو لحزب اسمه الخروج في غضون شهرين فقط، والسأم ذاته دفع بغالبية المرشحين لخلافة ماي إلى التأكيد على ضرورة الخروج من الاتحاد الأوروبي في أكتوبر المقبل، بصفقة أو من دون صفقة.

طلاق لندن وبروكسل لم يقع، وتأثيرات الخروج التي طالت البشر والحجر في البلاد، جاءت بسبب المماطلة وعجز الحكومة عن تنفيذ نتائج استفتاء 2016. صحيح أن هذه المماطلة لم تأت بفساد أو تسلط من حكومة لندن، وإنما في سياق عملية ديمقراطية تستحق أن تدرس عالميا، ولكن النتيجة هي أن فشل الخروج هز ثقة البريطانيين في أنفسهم وهز ثقة العالم بإمكاناتهم.

بعيدا عن المفاجآت غير المتوقعة في عالم السياسة، يبدو أن وزير الخارجية السابق بوريس جونسون هو المخلّص المنتظر من هذا السأم بالنسبة لحزب المحافظين وللكثير من البريطانيين. وقد زاد من جاذبية هذا المخلص التبشير الأميركي به قائدا فذا وزعيما لا يهاب القرارات الحاسمة.

ربما يتشابه جونسون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بعض التوجهات اليمينية في سياسته الداخلية والخارجية، وبالتالي يعتبر وصوله إلى السلطة بمثابة تمدد للترامبوية في القارة العجوز. ولكن من قال إن البريطانيين والأوروبيين عموماً لا يريدون هذه الترامبوية، أو على الأقل ذلك الشق المتعلق بتنفيذ قادتهم لوعودهم الانتخابية كما يفعل ترامب، حتى لو كانت هذه الوعود غير دبلوماسية.

وسواء كان جونسون أو غيره، فإن زعيم حزب المحافظين الجديد عليه أن يتنبه إلى أن السأم الشعبي الذي أوصله إلى السلطة، يقابله سأم سياسي من كافة الأحزاب إزاء التشبث الانتهازي للمحافظين بالحكم. وعندما يأتي دور البرلمان البريطاني في منح الثقة للحكومة المقبلة، سنعرف من الأقوى والأشد وطأة في البلاد، سأم العامة أم سأم الساسة؟

9