أعرق فرق الموسيقى الشعبية في مصر تكافح من أجل البقاء

تأسّست فرقة حسب الله للفنون الشعبية في مصر قبل أكثر من قرن ونصف القرن، وكانت آلاتها الموسيقية لا تصدح إلّا في القصور الملكية وكبار أعيان البلاد، لكن أحوال الزمن تغيّرت اليوم، فأضحت أشهر فرقة موسيقية شعبية في تاريخ مصر وقائدها نسيا منسيا.
السبت 2015/05/09
"موسيقى حسب الله مثل الفاكهة"

عزت الفيومي، قائد فرقة حسب الله للفنون الشعبية التي تأسّست قبل 155 عاما، لا يتعرّف عليه المارّة في الطريق، ولا يستوقفونه لتوقيع أتوغراف أو لالتقاط صور سيلفي، مثلما يحدث مع مشاهير الفن والغناء في مصر اليوم.

قرن ونصف القرن من الزمن كان كفيلا بأن يبدل حال الفرقة، التي لم تكن تقدم حفلاتها في غير قصور الخديوي، حاكم مصر في عهد الدولة العثمانية.

عزت الفيومي (71 عاما) هو آخر من تبقى من الفرقة والحفيد الأخير للشاويش حسب الله، مؤسس الفرقة التي لا تزال تحمل اسمه، يجلس بأحد مقاهي شارع محمد علي بالقاهرة، منتظرا من يطلب فرقته بالاسم، لكن هذه المرة لإحياء حفلات الزفاف.

يتحدث الفيومي عن قصته مع الفرقة الشهيرة، قائلا: منذ 50 عاما وأنا أعمل مع فرقة حسب الله، ومنذ صغري وأنا أعزف على آلات مختلفة، لكن الآن أعزف على آلة الكاس النحاسي والطرومبيطة وهي الطبل الكبير.

وبحسرة يمضي قائلا “مهنتي ستبقى ما دمت حيا وستنقرض بموتي، لا يغرّ أحد أن في الفرقة ستة عازفين غيري، فأنا المايسترو الذي يحثهم على البقاء، وجميعهم لديهم أشغالهم الخاصة، وجميعنا يواجه خطر الانقراض، أنا آخر شخص في فرقة حسب الله”.

يحاول العازف العجوز أن يحتفظ بما تبقى للفرقة العريقة من كبرياء امتاز به جده الشاويش حسب الله، يقول “لا نقبل الوسطاء، ومن يريدنا يحضر إلينا ويطلبنا بالاسم”. يردّد هذه العبارات بينما جلس قرابة ساعتين بأحد المقاهي في انتظار زبون تأخّر عن موعده ليصطحب الفرقة إلى الحفل.

أثناء الانتظار الطويل، لا يمل الفيومي من سرد سيرة جده حسب الله، الذي كان أحد أفراد الفرقة الموسيقية التابعة لسلاح السواري أو الخيالة، وكان يعزف الكلارينت، وكثيرا ما عزف في قصر الخديوي وللمقربين من الباشاوات، وبعد تقاعد الجد شكل فرقة تضمّ 25 عازفا وتستخدم مختلف الآلات النحاسية والطبول.

وعن الفارق بين زمن جده وزمنه، يرى الفيومي أن “فرقة حسب الله تغيرت إلى الأحسن.. أصبحنا نحضر مناسبات اجتماعية مختلفة، سواء أفراح أو أعياد ميلاد أو حفلات طهور للمولود الجديد، أو افتتاح محلات، وحتى نقل أثاث العرسان، حيث نحيي هذا اليوم.. هذا بعكس أيام جدي حسب الله، حيث كانت مناسبات عزف الفرقة قاصرة على الأفراح”.

يقترب زبون من الفيومي، ثم يصحبه مع فرقته إلى بيت أهل العريس، بعدما جرى الاتفاق معه على إحياء حفل عملية نقل أثاث العروس، لتنطلق الفرقة في عزف مقاطع موسيقية تبعث على البهجة وتعلن اقتراب زفاف العروسين.

155 عاما مرت على تأسيس فرقة حسب الله للفنون الشعبية

يوم نقل جهاز العروس متعارف عليه للمقبلين على الزواج في مصر، لكن عادة ما تصحبه طقوس خاصة في المناطق الشعبية، كأن ترتفع الزغاريد والأغاني بينما تحمل شاحنات مكشوفة الأثاث لتستقر أمام منزل الزوجية، حيث يتقاسم أقارب العروسين الفرحة مع الفرقة، ويجاملون العروسين بأن يدفعوا “نقوطا” مالية للفرقة من أجل حثها على المزيد من العزف.

يجلس أقارب العروسين على صفين من الكراسي، وتتوسطهم فرقة حسب الله، بقيادة الفيومي، الذي يحاول أن يضفي على مهنته شيئا من الاختلاف “والد العريس أحضرنا لنشاركهم فرحتهم، وهذا هو المهم، فمازلنا قادرين على إسعاد الآخرين، حضرنا حفلات كثيرة وأفراحا أكثر، حضرنا في منازل فاخرة لكبار البلد، سواء عائلة الرئيس الراحل أنور السادات، أو الرئيس الأسبق حسني مبارك، أو حتى الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي”.

تكافح الفرقة لتبقى، ليس فقط في محيط الوسط الغنائي، فهي تكابد الأمرّين في تجنب سطوة الموسيقى الحديثة التي أصبحت تنافسها بشدة حتى في يوم نقل الأثاث عبر ما يعرف بـ”دي جي”، المتمثلة في تقديم موسيقى صاخبة مسجلة.

يقول الفيومي، متحديا أي محاولة للتقليل من فرقته الموسيقية، “نغني ونعزف القديم والجديد.. نحفظ كل الأغاني الوطنية الجديدة، التي أعقبت الثورة، لأننا لا نضمن أن يطلب شخص أغنية معينة”.

“موسيقى حسب الله مثل الفاكهة”.. مع هذه الكلمات فقط ضحك المايسترو، كما يحب أن يسمّي نفسه، متابعا “الموسيقى التي نقدمها تجعل الناس سعداء، تجعلهم يرقصون ويضحكون.. سعادتي في أن أرى الناس فرحين، وأشعر بالحزن لو قدمنا موسيقى لم يرقص عليها شخص واحد، وكأن أحدا طعنني بسكين”.

الفرقة تكافح لتبقى، ليس فقط في محيط الوسط الغنائي، فهي تكابد الأمرّين في تجنب سطوة الموسيقى الحديثة التي أصبحت تنافسها بشدة

يستطرد الفيومي، بتجاعيده التي تشي بمصاعب واجهته للمحافظة على الفرقة، “للأسف الفرقة ستختفي وتنقرض بموتي، وستكون حية بحياتي.. الأجيال الجديدة تشعر بالخجل من عملي لكن أنا لا أخجل.. لأن هذه المهنة تساعدني على أكل العيش” على حد تعبيره. وبألم من يتذكر ما آلت إليه الأحوال، يقول الفيومي “في الماضي كنّا لا نكف عن العمل كامل الأوقات، لكن الآن أصبح العمل أقل وتغير الحال، حتى أن الزبون يقلل من قيمة الأجر الذي نحصل عليه، ونحن نوافق لأن لدينا عائلات نرعاها”.

حال الفرقة حاليا لا يختلف عن الصورة التي أظهرها فيلم “شارع الحب” الشهير، من بطولة عبدالحليم حافظ وصباح وعبدالسلام النابلسي، الذي ظهر في دور “حسب الله السادس عشر”، قائد الفرقة التي عانت في الفيلم من أوضاع مزرية وصعوبات مالية، لكنها كافحت حتى ساعدت عبدالحليم على الدراسة في معهد الموسيقى.

حسب الله، عكست عبارته الأشهر في الفيلم أهمية الفرقة في ذلك الوقت “أنا حسب الله السادس عشر آخر سلالة آل حسب الله.. السلالة التي غزت جميع الميادين من ميدان الحسنية لميدان المدبح، من القاهرة إلى الإسكندرية، أنا حسب الله رضيع الفن ونابليون أكبر فرقة موسيقية نحاسية”.

وكأنها نغمة يعزفها أعضاء الفرقة جميعا، يقول فتحي البدري، وهو في عقده الثامن، “المهنة ستنقرض بوفاتنا، ربما هذا ما دفعني لتعليم أولادي الموسيقى، علمتهم لأن هذه المهنة جميلة ولا أحد يستغنى عنها”.

البدري، الذي يبدو الأكثر نشاطا بين أعضاء الفرقة ولا يتوقف عن عزف الكلارنيت إلا عندما يستوقفه المايسترو، يتابع بقوله “علمتهم كلهم حتى ابنتي ذات السبع سنوات، لأنني أخاف على المهنة من الزوال”. وهنا يقاطعه عبدالقادر عوض، وهو أربعيني كان يعمل قبل تقاعده في إدارة موسيقات الشرطة “عددنا قليل، فهناك من رحل وهناك من توقف عن العمل، لكن في النهاية لا أحد فينا يرغب في انقراض المهنة، ويكفي أن جميعنا يكسب عيشه منها”.

20