أعلام الحفلات الحميمة من واطو إلى فراغونار: عالم مرح ومتواصل

الاثنين 2014/04/14
حفلات العشق ألوان صافية وخطوط منحنية تفيض مشاعر وأناقة

باريس- “من واطّو إلى فراغونار” هو عنوان المعرض الذي يقام في متحف جاكمار أندريه بباريس بداية من تاريخ افتتاحه يوم 14 مارس الماضي إلى غاية 21 يوليو 2014، ويقدّم ستين لوحة فنية من القرن الثامن عشر، تلتقي في ما اتفق على تسميته بـ”حفلات العشق”.

تصور اللوحات في حشد من الألوان الزاهية احتفاء ثلة من الرسامين بلقاءات حميمة كانت تجمع العاشقين في الحدائق والمتنزهات والأرياف، وتمجّد لحظات من عصر الأنوار كان بعض الأعيان يطاردون فيها متع لهوهم خارج القصور والمدن.


ملذات حسية


تحيل عبارة “حفلة العشق” على نوع جديد من الفن التشكيلي ظهر في مطلع القرن الثامن عشر، ولم تصبح حديث الناس في المحافل العامة والخاصة إلا عندما اهتم بها أنطوان واطّو (1684/ 1721)، وصارت كناية عن فن الإيحاء والشعر والملذات الحسية.

تدين تلك الأعمال للمشاهد الرعوية الفلندرية التي راجت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، قبل أن تأخذ شكلا كوميديا على الطريقة الإسبانية saynètes تمثل مواقف غزلية أبطالها فتيان وصبايا يلهون في حديقة أو في بيئة ريفية، بأسلوب ظل على هامش تاريخ الفن الجاد.

والطريف أن تصنيف النقاد تلك الأعمال ضمن جنس ثانوي حررها من أغلال المعايير الأكاديمية، فنشأ ذلك الفن في حل من أي قيد تاريخي أو ديني، وكان نفحة هواء صاف لشبان يبحثون عن أساليب فنية جديدة.

قام نيكولا لانكريه وجان باتيست باتر بتطوير قوانين هذا الجنس، وذلك بأن أوجدوا داخل المشاهد المتخيلة عناصر يستدل إليها معاصروهم بسهولة

من تلك اللقاءات الغزلية العابرة وسط الجنائن الفيحاء والخضرة الوافرة، استمدّ واطّو لوحات كان لها أطيب الأثر على رسامين آخرين سارعوا باقتفاء أثره، سواء بتقليد أسلوبه أو بتطويعه وإخضاعه لرؤيتهم.

نجد ذلك عند فرنسوا بوشيه (1703/ 1770) الذي عاد إلى عجيبه الشهواني والإكزوتيك الدخيل، فبدا أكثر تحررا من البورتريهات التي كان أعدّها من قبل للأكاديمية الملكية، ولدى جان باتيست باتر (1695 /1725) الذي مال إلى نوع من الإيروسية الواضحة بالكشف عن سيقان بعض الصبايا في لحظة استحمام. وكذلك نيكولا لانكريه (1690/ 1743) الذي خلع عن الحفلات بعدها الخيالي لينزّلها في واقع تلك الفترة، بتكثيف التفاصيل والتركيز على بعض الوجوه المعروفة.

وآخر المنجذبين إلى هذا الجنس الجديد جان هونوري فراغونار (1632/ 1706) الذي يطرح جمالية حالمة قريبة من التجريدية يأتلف فيها الخيال بالواقع. وبذلك ابتكر أولئك الفنانون عالما تبدو فيه الحياة مرحا متواصلا والطبيعة زاهية على الدوام وكأنه عالم أبدي لا يحصره زمن.

فالغاية عندهم هي تخيّر مكان وافر الخضرة والأزهار، يؤثثون فضاءه ويخرجونه مخرج الحب والوئام، حيث تتجلى الحسان بجانب شبان يرقصون ويغنّون ويجدلون أشعار الهوى، أو يتهامسون الأسرار في فرح ومرح، يقدمونها كصورة لأوقات الفراغ لدى فئة من المجتمع تعيش حياتها بغير اكتراث.


مشاهد رعوية


ما يميز تلك الأعمال شاعريتُها واحتفاؤها بالأناقة، أناقة الإناث والذكور على حدّ سواء، بالتركيز على الألوان الصافية والخطوط المنحنية، كما يتبدّى في لوحات واطّو “الحب الهادئ” و”درس في الحب” و”فسحة عشق” و”العرض المحرج”.

ومن الطبيعي ألا تخلو تلك المجالس من الموسيقى والدردشات، وهو ما صار حاضرا في أعمال واطّو ومن حذا حذوه، في شكل آلات موسيقية يمسكها أحد شخوص اللوحة حول نافورة أو عين ماء تتوسط حديقة فيحاء، مستفيدين في ذلك من المشاهد الرعوية التي خلدها قبلهم الهولنديون والفلندريون وإيطاليو البندقية بخاصة.

ثم قام نيكولا لانكريه وجان باتيست باتر بتطوير قوانين هذا الجنس، وذلك بأن أوجدوا داخل المشاهد المتخيلة عناصر يستدل إليها معاصروهم بسهولة. في “حفلة عشق مع كامَرغو وهي تراقص رفيقا” مثلا يقدم لانكريه واحدة من أشهر راقصات الباليه في القرن الثامن عشر تدعى ماري آن دو كوبيس دو كامَرغو، وهي التي عناها فولتير في إحدى غزلياته: ” آه يا كامرغو! كم أنت متألقة!(…) الحوريات يشبهنك في قفزاتك”.

مع انجذاب الناس للشرق، الصين خاصة، بدأ الفنانون يضيفون عناصر أجنبية دخيلة يرصعون بها لوحاتهم

وهو ما قام به أيضا أنطوان بين عندما اختار راقصة معروفة للوحته “حفلة عشق مع الآنسة كوشوا وهي ترقص”. أما باتر فقد استغل الطاقة الإيروسية التي توحي بها تلك الفسح الجميلة في الهواء الطلق، خصوصا بعد أن تحولت حفلات الغداء التي تقام خلال مواسم الصيد بدورها إلى حفلات عشق.

ومع انتشار هذا الفن الجديد، صارت الشوارع الباريسية وحدائقها مثل “التويلوري” أو “سان كلو” إطارا لتلك الحفلات كما في لوحة “ملتقى الشارع” لغابريال دو سانتوبان.

وهو ما شجع الأعيان وهواة الفن على اقتناء أعمال أولئك الفنانين، لأنها تنقل أجواء أماكن يعرفونها. ومع انجذاب الناس في تلك الفترة إلى الشرق، الصين بخاصة، بدأ الفنانون يضيفون عناصر أجنبية دخيلة يرصعون بها لوحاتهم.

ويعتبر بوشيه وفراغونار آخر أعلام هذا الفن، الذي بدأ يميل إلى الزخرف والغرابة، حيث صارت الشخصيات الأنثوية أكثر إغراء وصارت الأشياء والأزياء الدخيلة أكثر حضورا، واللوحات أكبر حجما من المعتاد، كما هو الشأن في لوحة “حفلة بسان كلود” لفراغونار، دون أن يفقد المشهد مكانته المحورية.

لقد ألهم هذا النمط أجيالا من الفنانين أغرتهم مرونته بالتجريب والتجديد، واحتل مكانة هامة في حركة الفن التشكيلي الفرنسي طوال القرن الثامن عشر. ورغم بروز عدّة أسماء ساهمت في إثراء رصيده بأعمال بديعة، اعتبر واطّو رائده وفراغونار خاتم عهده.

ولو أن المشرفين على المعرض تجنبوا الالتزام بخطية زمنية، ووزعوا الأعمال الستين وفق ثيمات تتفرع عن الثيمة الأم “حفلات العشق”، ليقدّموا احتفالية ضخمة تنقل ملامح شريحة من المجتمع في فترة من فترات حياتها، وتصوّر مظهرا من مظاهر عصر الأنوار، حيث اللهو والمرح والظرف والغزل تسمو بمشاعر شبان يحيون حياتهم بامتلاء، وكأنهم يعيشون أبدا.

16