"أعلام الكوفة" رصد موسوعة مشاهير الفقهاء والأطباء والشعراء

الاثنين 2014/09/08
الكوفة ساهمت في إنتاج وبلورة المذاهب الفكرية والعلمية للمسلمين

العراق- صدرت للباحث العراقي مضر الحلو موسوعة بتسعة مجلدات عن دار المؤرخ اللبناني، وثق فيها لأعلام الكوفة، وعلى مختلف الطبقات والتخصصات، من الفقهاء إلى الأدباء والشعراء والملحنين وغيرهم، فالكوفة، وهي ذات التاريخ العريق، قد اضطلعت منذ تمصيرها سنة سبع عشرة للهجرة بدور خطير في صياغة أحداث التاريخ الإسلامي، حيث كانت في أغلب الأحيان مركز تلك الأحداث. وساهمت في إنتاج وبلورة المذاهب الفكرية والعلمية للمسلمين وعلى أصعدة مختلفة. وقد سمّي الدور الأول بالدور السياسي، فيما سمّي الدور الثاني بالدور الفكري.

منذ أن نزل الكوفة ثلاثمئة وسبعون من الصحابة، منهم ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، والحركة العلمية فيها مستمرة لم تفتر.

ففيها ولدت ونشأت المذاهب الفقهية، والتيارات العقائدية، والاتجاهات التفسيرية، وعلوم القرآن، وعلوم اللغة والأدب.. وبمراجعة سريعة في غضون تراجم الكوفيين، يقف الباحث على حقيقة ذلك، حتى صار الدخول إلى الكوفة وحمل العلم فيها سمة تميّز طالب العلم على أقرانه، يقول أيّوب بن المتوكّل، وهو من علماء البصرة وقرّائها توفي سنة 200هـ: “من لم يدخل الكوفة ويشرب من ماء الفرات لم يقرأ القرآن”.

لقد بدأت المذاهب العقائدية تتبلور، والنظريات العلميّة تتشكل على مختلف الأصعدة وفي أكثر من مجال بالكوفة، وكثيرا ما تمرّ عليك في كتب التراث أمثال هذه العبارات: “كان يتفقّه على مذهب الكوفيين”، و:”كان إماما على مذهب الكوفيين”، وغير ذلك.

اضمحل دور الكوفة الفكري وتأثيرها السياسي، وأفل نجمها، لكنها بقيت تمارس دورها العلمي

ولم تبق هذه الحركة حبيسة الكوفة، بل انطلقت منها ليشمل تأثيرها باقي الحواضر الإسلامية، فما من حاضرة من تلك الحواضر إلا وللكوفيين فيها أثر بارز، من محدّث وفدها من الكوفة فحدّث فيها وتناقل أهلها حديثه، أو عالم من علماء تلك الحواضر رحل إلى الكوفة ليطلب العلم فيها، ثم يعود ليعلم أهل بلده ما تعلمه من الكوفيين.


علامة مهمة


إذا استثنينا بعض المؤلفات المعاصرة التي لا تنهض بهذه المهمة، ولم تكن في مستوى تأريخ حاضرة مثل الكوفة، أذكر منها: “تأريخ الكوفة” للبراقي، وما كتبه سلمان طعمة الجبوري ومحمد سعيد الطريحي، اللذان يستحقان الشكر والتقدير، لجهودهما في جعل موضوع الكوفة من صلب اهتماماتهما، فإن هذا الكتاب علامة مهمة.

والمفارقة التي عنيتها تكمن في أنّ الباحث في الوقت الذي لم يجد فيه مصدرا قديما يؤرخ للكوفة، ويترجم أعلامها على نحو الاستقلال، يقف على موسوعات ضخمة تؤرخ لحواضر لم يكن لها في الغالب الدور الذي كان للكوفة، ولم تبلغ ما بلغته الكوفة من الأهمية في التاريخ وتراث الإسلام. فلا تجد بين المراجع، على أهميتها، ما يهتم بتاريخ الكوفة، سوى ما استثنيناه سابقا من كتابات بعض المعاصرين.

الكتاب لم يقتصر على ترجمة الكوفيين المسلمين فقد يتضمّن حتى غير المسلمين

ولم يكن هذا الغياب وليد تجاهل أو غفلة من قبل المؤرخين القدامى خصوصا والباحث لا يعدم أسماء كتب عديدة تؤرخ للكوفة يجدها مبثوثةً بين طيّات مصادر التراث الإسلامي، مثل: “أخبار الكوفة” لعمر بن شبّة البصري، و”تاريخ الكوفة” لأبي الحسن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التميمي المعروف بابن النجّار، وغيرها من المراجع التي تعدّ مهمة على قلتها مقارنة بالكتب التي تهتمّ بعواصم ثقافية أخرى.


فضل الكوفة


رغم وجود بعض المصادر التي تهتم بتاريخ الكوفة الثري، إلا أنه لم يتوفر بين أيدينا من هذه المصادر سوى كتاب “فضل الكوفة وفضل أهلها” لأبي عبدالله محمد بن علي العلوي الحسني الكوفي، تحقيق محمد سعيد الطريحي، وهو عبارة عن كرّاس صغير، لولا هوامش محققه، ولا يتجاوز عدد وريقاته عدد أصابع اليد.

ومثله كتاب “فضل الكوفة ومساجدها” لمحمد بن جعفر المشهدي الحائري “من أعلام القرن السادس الهجري” تحقيق محمد سعيد الطريحي أيضا.

وكذلك كتاب “أخبار الوافدين والوافدات من أهل الكوفة والبصرة على معاوية” للعباس بن بكّار الضبيعي، تحقيق سكينة الشهابي. وما عدا ذلك فلا يوجد اليوم ما يُعدّ مصدرا يؤرخ لهذه الحاضرة في حدود تتبعي.

بالنسبة للمنهج المتبع في التراجم هو الاستيعاب والإيجاز في الوقت ذاته، ونقصد بالاستيعاب الإشارة إلى كل ما نحصل عليه ممّا يرتبط بالشخصية من اسمه ونسبه وكنيته، ومذهبه، وأبرز آثاره، إن وجدت إنْ كان قائدا، أو أديبا، أو راويا، أو مصنّفا أو غير ذلك، ونذكر طبقة الرواة عنه، لنتبين طبقته إن كان راويا، ثم سنة ولادته ووفاته ومكانهما، كما نشير إلى الاختلاف في كل ما يتعلّق بهذه النقاط، إن وجد.

كتاب تراجم


لقد أخذ المؤلف بعين الاعتبار الخارطة الزمنية التي تم استيعابها، وتبدأ من تأسيس الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة إلى نهايات القرن الرابع الهجري، وإن اضمحل دور الكوفة الفكري وتأثيرها السياسي، وأفل نجمها الذي لمع لقرنين من الزمن، لكنها بقيت تمارس دورها العلمي وإن لم يكن بتلك الأهمية التي كانت لها سابقا، وبناء على ذلك استمرّ تتبعه للكوفيين حتى القرن الرابع.

يعترف المؤلف بأنّ الكتاب ليس مشروعا رجاليا، بل هو كتاب تراجم، فلم يهتمّ بموضوع الجرح والتعديل، وقد تجنّب في الغالب الإشارة إلى الألفاظ التي تدل على ذلك

من جانبه يعترف المؤلف بأنّ الكتاب ليس مشروعا رجاليا، بل هو كتاب تراجم، فلم يهتمّ بموضوع الجرح والتعديل، وقد تجنّب في الغالب الإشارة إلى الألفاظ التي تدل على ذلك، بل في كثير من الأحيان يذكر الاسم مجردا عن أيّ وصف يدل على مكانة الرجل العلمية أو غيرها، ويحاول إظهار ذلك من خلال آثاره من رواية أو كتاب أو نحوهما.

أخذ المؤلف أيضا في اعتباراته أن النجف وكربلاء والحيرة كانت ضمن خارطة الكوفة الجغرافية سابقا، فمن سكن واحدة منها أو مرّ بها يدخل في دائرة عمله، أمّا بعد أن أصبحت هذه المدن حواضر مستقلة، وتشكّلت لها هويتها الخاصّة بها، وصار لها تأريخها المستقل، استثنى أهلها من عمله، كي لا يخرج عن موضوع الكتاب، وهو ترجمة خصوص الكوفيين.

هذا ولم يقتصر الكتاب على ترجمة الكوفيين المسلمين، فهو يتضمّن حتى غير المسلمين إن وجدوا، كأبي زبيد الطائي النصراني. دون أن يخفي أسماء النساء الكوفيات أيضا، وبرر القصد من إفراد النساء بإبراز دورهن في الحركة العلمية والثقافية والأدبية والسياسية في الكوفة.

وقد جاء المجلد التاسع شاملا للأعلام التي وردت تراجمها في المجلدات السابقة، حيث يمكن اعتباره كتابا معجميا مستقلا بذاته، وفقا للمنهجية التي اعتمدها المؤلف.

15