أعمال فنية رديئة تفسد الساحات العامة

الساحات والمفترقات العامة تحتاج إلى التخلص من الرداءة وجعلها الأبواب الأولى لترسيخ ذاكرة رمزية وتشكيل ذائقة فنية.
الثلاثاء 2020/09/22
تمثال الفنان المصري محمد عبدالوهاب تشويه له

ربما يتذكر أغلبنا ذاك السلفي الذي حاول تحطيم تمثال عين فوارة بمدينة سطيف الجزائرية، بحجة أنه يظهر عورة المرأة، ولكن اللافت هو تصدي الناس له، ورفضهم لما قام به، إذ أن التمثال رمز من رموز المدينة، قبل أن يكون عملا فنيا، وهنا تبرز أهمية التماثيل والمجسمات الفنية الجمالية والتاريخية. لكن مؤخرا انتشرت التماثيل الرديئة لتنسف كل ما ذكرناه.

التماثيل قديمة قدم الحضارات التي تعاقبت على مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ربما تحريمها في الحضارة الإسلامية أثر في مسار تطويرها التاريخي بالمنطقة، لكنها عادت لتتخذ لها مكانة هامة، رغم أنها بدأت كمحاولة لتخليد الزعماء وتدعيم الدكتاتوريات، إلا أنها سرعان ما وسعت آفاقها لتخلق رمزيات مختلفة عند الشعوب التي ملت الزعامات.

لكن أخيرا، عادت قضية التماثيل والمجسمات الفنية الرديئة لتتسيد الجدل على المستوى العربي، وذلك بعد نشر صورة لمجسم السمكتين بإقليم القنيطرة، مجسم ترابي اللون لكائنين غريبين، لا علاقة لهما بجنس الأسماك.

انتقد الجميع هذا العمل ورداءته، ما دفع السلطات المغربية إلى إزالته، وقد كان لصاحب العمل مداخلة إعلامية بين فيها أن عمله غير مكتمل وتنقصه الموسيقى وبعض الإكسسوارات، وهي حجج واهية، لكن ربما ما يحسب له هو الجهد والمحاولة نظرا إلى كونه ليس فنانا محترفا.

نتساءل في كل مرة يطلع فيها تمثال أو مجسم رديء بإحدى الساحات العامة من غرب العالم العربي إلى مشرقه، ما أسباب هذا؟ ولماذا يتكرر؟

انتشار الرداءة

رداءة أصابت تماثيل الأعلام والرموز التاريخيين والثقافيين والفنيين
رداءة أصابت تماثيل الأعلام والرموز التاريخيين والثقافيين والفنيين

الأسباب كثيرة لانتشار التماثيل والمجسمات الفنية الرديئة في الفضاء العام العربي، بعضها يبدو موضوعيا، مثل ضيق الوقت لإنجاز الأعمال التي تطالب بها السلطات، ومنها ما يشكو من قلة التمويل، إضافة إلى ذلك هناك أعمال تقدم بمبادرات فردية من الفنانين المحترفين أو الهواة، قد ينتج عمّا ذكرنا خلل ما في تحقيق الجمالية المنشودة.

لكن بماذا نفسر الأعمال التي نالت تمويلا هاما، مثل أسد النجف “المندهش” كا وصفه الشاعر العراقي نبيل نعمة، وتمثال لجمل في مفترق في مدينة المرسى بضاحية تونس الشمالية، أو تمثال للشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، الذي ثارت ضده الأقلام، أو تمثال مصر تنهض للفنان الأكاديمي أحمد عبدالكريم، أو تمثال العلامة ابن باديس بقسنطينة، وغيرها؟

 لم ينج نمط نحتي من الرداءة، رداءة أصابت تماثيل الأعلام والرموز التاريخيين والثقافيين والفنيين، وتماثيل الفواكه والخضار والحيوانات والكرات الأرضية والمجسمات الغريبة العجيبة بأشكالها وألوانها، كلها طالتها يد القبح التي يبدو أن لها كتفا عميقا يجب الحفر لاستخراج منبتها.

جامعات الفنون الجميلة منتشرة في كامل الوطن العربي، لذا فمسألة التكوين لا تعوز فنانينا، قد يتحجج بعضهم بالتمويل والتجاء السلطات أحيانا إلى الهواة وقبولها بمبادرات فردية دون ذوق، قد يلقي بكل اللوم على غياب الذوق عن السلطات، لكن هذا وجه واحد من واقع المشهد.

هناك من الفنانين من يبرر عمله أو عمل زميله الرديء إما بقلة التمويلات أو بأن العمل لم يكتمل، وهي حجة متكررة، أو بأن العمل نوع من التجريب الذي لا يفهمه العامة ولا الخاصة، ويحتاج من المتلقي أن تكون له أدوات لقراءة العمل وتبين مواطن الجمال فيه.

قد نفهم هذا التحجج بالتجريب “حمار الفنانين” شأنه شأن بحر الرجز عند الشعراء، إذا كان العمل مقدما في معرض خاص للفنان، أو في صالون بيته، لكن أن تقدم عملا ممولا في ساحة عامة يعبر عن شخصية رمزية أو ميزة للمدينة أو ذكرى ما، فالأمر مختلف تماما، حيث لا يكون الرهان التجريب، بقدر ما هو خلق الرمز، رغم أهمية التجريب في الفن وضروريته.

احتقار العامة

هناك من الفنانين من يبرر العمل الرديء إما بقلة التمويلات أو بأن العمل لم يكتمل أو بأنه نوع من التجريب
هناك من الفنانين من يبرر العمل الرديء إما بقلة التمويلات أو بأن العمل لم يكتمل أو بأنه نوع من التجريب

التماثيل والمجسمات الفنية العامة هي في النهاية رموز عامة، لا تتعلق بالفنان بمفرده، رغم ضرورة حضور التجربة الفردية في إنجازها، فإنها تتجاوز ذات الفنان إلى الاشتراك مع ذاكرة أو ذوق أو الثقافة البصرية للمتلقي العام.

ووفق ما سبق، فإن مسألة التجريب ليست مقنعة بالمرة. ثم إن هذه الحجة تستبطن في عمقها احتقارا للعامة، وهو ما يعاني منه الكثير من فنانينا مع الأسف. حيث يضعون دائما الناس في خانة من لا يفهمون، يكدسونهم طبقات في الأسفل، فيما هم أعلى بالضرورة.

نعم، ليس للعوام الثقافة البصرية ولا القدرات الفكرية ولا الذوقية لتقييم عمل فني بشكل نقدي متماسك، لكن لهم ما يغفله الكثيرون، إنها الفطرة، الفطرة التي نشأ منها الفن وتغذى في جانبها العاطفي، فكيف يقع إهمالها.

في رأيي أعتبر أن كل عمل فني هو بالضرورة جزءان؛ عاطفي وفكري، في الربط بينهما ينشأ الجمال الذي لا يبلى، كثير من الأعمال خرجت من معاطف الأكاديميا بصرامتها ودقتها، لكنها ظلت باردة بلا حياة، وكثير من الأعمال كانت ابنة الانفعال العاطفي اشتعلت وانطفأت سريعا. إنها معادلة الفن الصعبة في التوفيق بين أجزاء متكاثرة.

ربما الفن التشكيلي في العالم العربي لم يعرف الحركة والمدارس والجدل الواعي الذي عرفه في الغرب، ولكن هناك تراكمات في المنجز التشكيلي العربي اليوم، تسمح لنا بالبناء عليها لمشهد مختلف، قد يبدأ من الساحات العامة على غرار نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد للفنان العراقي جواد سليم، وصولا إلى اجتراح آفاق جديدة للفن التشكيلي العربي.

سأل أحدهم لماذا انتشار التماثيل الرديئة الآن بالذات؟ وربما هي لم تنتشر الآن فقط بل هي موجودة سابقا، فقط زادت في كشفها وسائل التواصل الاجتماعي التي ربطت قرى الأقاصي والعواصم والبلدان بعضها ببعض.

من ناحية أخرى، هناك فقر كبير في الخيال لدى السلطة ومن تدعوهم للقيام بأعمال ومجسمات رمزية في الساحات العامة، أو لتلوين الجدران أو غيرها.

في المقابل نجحت تجارب فنية شعبية في تقديم أعمال هامة نالت استحسان الناس، مثلما حدث في الأعمال المرسومة تحت جسر الجمهورية بتونس العاصمة، وصحيح يختلف النحت عن الرسم، ويتطلب جهدا أكبر ووقتا أوسع، لكن يمكن القيام بذلك، وتخليص الساحات والمفترقات العامة من الرداءة، وجعلها الأبواب الأولى لترسيخ ذاكرة رمزية، ولمَ لا لتشكيل ذائقة فنية.

14