أعمال فنية مصرية يتداخل من خلالها الضوء والهواء

صبحي الشاروني يقدم في كتابه السيرة الذاتية للفنان صبرى ناشد وخبراته ومهاراته ورحلته الفنية وبعض أعماله وما قاله بعض النقاد حولها.
الثلاثاء 2018/03/06
منحوتات من خشب وضوء

القاهرة – يؤكد صبحي الشاروني في كتابه “الفنان صبري ناشد” على أن مصر بالغة الثراء على مستوى العالم في الفنون التشكيلية بمختلف أنواعها، سواء النحت والحفر والخزف وغيرها، ويرجع ذلك ليس فقط بحكم عطاء الحضارة المصرية القديمة عبر الآلاف من السنين، بل لأن مصر حتى في تاريخها الحديث والمعاصر منذ نشأة الحركة الفنية الحديثة في العقد الأول من القرن الماضي، لديها من أعلام الفنانين من يقف بجدارة ندا لعدد من كبار ومشاهير الفنانين العالميين.

لكن مع ذلك فإن المؤلف يشير إلى ملاحظة في غاية الأهمية، وهي أنه بالرغم من هذا العطاء الإبداعي الذي قدمه فنانو مصر التشكيليون في كافة مجالات الفنون التشكيلية، فإنهم لم يصبحوا رموزا معروفة شعبيا وجماهيريا، مثلما هو الحال في قطاعات من الفنون الأخرى مثل الأدباء والشعراء ونجوم السينما والمسرحيين، كما لم يتحقق التواصل والتفاعل بين الجماهير والفنانين التشكيليين في مصر، بالشكل الذي يجعل الفنون التشكيلية مؤثرة في وجدان الجماهير ومحركا لذائقة الجماهير الجمالية.

وهذا يجعل المؤلف يؤكد على أن هناك ما يصفه بالعزلة القاسية التي يعيشها الفنان بمعزل عن مجتمعه، لكن مع ذلك فإن الفنان التشكيلي مسؤول بدرجة أو بأخرى عن هذه العزلة، والتي تتحول بالتدريج إلى شعور بالغربة عن المجتمع الذي يعيش فيه، وذلك حين يشعر بأن الجهات الفنية والمهتمة بالفن في الغرب تقدر فنه، ويحصل على التكريم من المحافل الدولية نظير ما يقدمه من إبداع تشكيلي في كافة المجالات، بينما يقابل هذا الإبداع في بلاده بالتجاهل، بل أحيانا بالاستخفاف، ولذلك فإن كثيرا من الفنانين التشكيليين في مصر يشعرون بالتهميش والإقصاء على حواف المجتمع بعيدا عن خطط التنمية، ولا يجد الفنان في المجتمع المصري وبعض المجتمعات العربية أيضا، من يدعوه ليشارك بفنه في عمليات التنمية، أو حتى إضفاء لمسة جمال على ما يقام في البلاد من مشروعات معمارية وغيرها.

علاقات فنية متداخلة بين الكتل والضوء
علاقات فنية متداخلة بين الكتل والضوء

وفي ظل هذا المناخ فإن المؤلف يشير إلى صاحب السيرة في كتابه الفنان صبري ناشد، وهو الفنان المصري الوحيد الذي تخصص في نحت التماثيل الخشبية، وحيث كانت صناعة التماثيل في مصر القديمة على مدار عصور تعتمد بشكل كبير على استخدام الأحجار، وذلك بإزاحة الطبقات الخارجية من الكتلة الحجرية للكشف عن تفاصيل التمثال المخفي داخلها، كما كانت هناك أعداد محدودة من التماثيل التي تمت صناعتها من المعادن بطريقة الصب، والتي اختفت تدريجيا بسبب ما كان يتم من إعادة صهرها لتصنيع منتجات أخرى منها، كما كان المصريون القدماء يميلون في نفس الوقت إلى صناعة كل تماثيلهم من الحجر الصلب، وذلك في إطار رغبتهم الدائمة في الخلود، كما كانوا في نفس الوقت يعتبرون الخامات القابلة للصدأ خامات نجسة لا يليق أن تصنع منها تماثيل الآلهة التي توضع في المعابد.

والفنان صبري ناشد من رواد الفنانين المصريين الذين قدموا بحوثا معتبرة دارت حول استخدام المصريين القدماء للخشب في فن النحت، وذلك على مدار الأسر الفرعونية التي حكمت مصر، وحتى سقوط عصر الأسرات المصرية القديمة وخضوع مصر لحكم احتلال الأجانب بداية من الفرس وحتى الفتح الإسلامي، وهنا يصف المؤلف الفتح العربي الإسلامي لمصر بأنه احتلال قد تسبب في ضياع شخصيتها الفنية أمام من وصفهم بـ”من غلبها عسكريا أو فكريا”.

ويوضح المؤلف ما يعتبره بطبيعة العلاقة الخاصة بين الفنان صبري ناشد وبين قطعة الخشب التي ينحت منها تماثيله، حيث كان الفنان يبدأ طقوس عمله في نحت قطعة الخشب بأن يرسم بضعة خطوط تمثل فكرته على قطعة الورق، وبعدها يبدأ في تأمل كتلة الخشب التي سوف يصنع منها تمثاله، ويظل شهورا يعمل عليها ويعالجها بكل حساسية حتى لا تتشقق منه بعد تشكيلها، وخلال هذه الفترة يعيد الفنان تشكيل الخطوط الهشة التي سبق وأن رسمها على ورق مهمل من كراسة قديمة وذلك حتى يتماثل الخط الخارجي المرسوم مع الخط الخارجي للجذع الذي أمامه، وتتحقق المعايشة والحب الضروريان من وجهة نظر الفنان صبري ناشد وفقا لرؤيته ومدرسته الفنية حتى تكتمل عملية نحت التمثال.

ويتعامل صبري ناشد مع قطعة الخشب التي بين يديه كأنها قطعة حجر صلب بالضبط، وذلك لأن الفنان ينفذ التمثال الذي يقوم بنحته دون استخدام أي مادة للصق، حيث يكون التمثال كتلة واحدة من قطعة خشب واحدة، ولذلك فإن ناشد يعتبر أن حدود عمله الفني من ناحية الحجم هي نفس حجم قطعة الخشب التي بين يديه، ولكن مع ذلك فإنه يتعامل مع الخشب ليس باعتباره كتلة صماء، بل شجرة متفرعة تتعانق أغصانها وتلتف ويتداخل من خلالها الضوء والهواء، لتحتضن الإنسان وعالمه وأحلامه كلها، فالتمثال عند ناشد ليس قطعة منحوتة من الخشب فحسب، بل علاقات فنية متداخلة بين الكتل والضوء الذي يتخللها.

15