أعمال منير الشعراني تخترق قداسة الخط العربي

الفنان السوري منير الشعراني يعد واحدا من أشهر فناني الخط المعاصرين في العالم العربي، وهو الذي أخذ على عاتقه مهمة إحياء وتطوير التراث الثقافي والأخلاقي الثقيل للخط العربي.
الجمعة 2018/05/11
بناء ومعنى

استضاف “رواق الشارقة” بمركز الفنون في الجامعة الأميركية بالقاهرة مؤخرا معرضا استعاديا لأعمال الحروفي منير الشعراني تحت عنوان “خطوط ونقاط حمراء”، ضم نماذج من أهم أعمال الفنان السوري منذ سبعينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، حيث سلّط المعرض الضوء على أعماله الإبداعية وأهم المحطات في حياته التي أثّرت على أفكاره وشكّلت هيكل فنه.

ويعد منير الشعراني من القلائل الذين استطاعوا اختراق القداسة التي تحيط بالخط العربي والاقتراب من بنيته، بعد أن ظل لقرون عديدة مرتبطا بالنصوص الدينية ما ألقى عليه نوعا من القداسة الموهومة جعلت الاقتراب منه أمرا محفوفا بالحذر، فلم يأخذ هذا الفن حظه من التطوير اللازم، وظل أسيرا للقواعد والأساليب المتوارثة.

ومن المعلوم أن الخط العربي حوصر في العصر العثماني في أجواء معينة لها صلة بالدين، فخصّصت خطوط بعينها للنصوص الدينية كالنسخ والثلث، وكان الخط الفارسي لكتابة الأشعار.

وقد وضع العثمانيون الخط العربي في قفص من ذهب، ناسين أن المقدّس هو الكلام وليس شكل الحرف الذي يكتب به، وكان ربط الخط العربي بالنصوص الدينية وإضفاء هالة القداسة عليه، أمرا غير بريئا من قبل المستشرقين، كما أنه لم يكن بريئا أيضا من قبل العثمانيين، فقد ربط المستشرقون فن الخط العربي دائما بالنصوص الدينية، كما سمّو الفنون المرتبطة بالحضارة الإسلامية، بالفنون الإسلامية، ولم يصنّفوها ضمن الفنون المرتبطة بتاريخ الفن العام.

وهذا الأمر لم يفعلوه مع الفن الإسلامي فقط، بل فعلوه أيضا مع الفنون الآسيوية، فهم لا يؤرخون للفن إلاّ من منطلق رؤيتهم الخاصة التي تؤمن بأن الفنون الإنسانية بشكلها المعاصر لم تتطوّر إلاّ في أوروبا.

ومن هناك، سعى منير الشعراني إلى دحض هذه المزاعم التي أشاعها العثمانيون عن الخط، وتفنيد الإدعاء الذي كان يتبناه البعض بأن الخط العربي قد وصل إلى الذروة، محاولا إثبات أن الخط فن، وليس هناك ذرى في الفن، بل هناك انتقال وتطوّر، وهو الذي جعله على سبيل المثال يصمّم إحدى عشر من البسملات بخطوط لم يعرفها العثمانيون، وكان يتعامل مع جميع النصوص التي تناولها من هذا المنطلق.

أراد الشعراني أن يثبت أن فن الخط ليس فنا متحفيا كما أراد له العثمانيون أن يكون، فهو فن حي وليس ميتا، ولا يختلف عن أي فن من الفنون المعاصرة.

أسلوب خاص متحرّر من الجمود
أسلوب خاص متحرّر من الجمود

وتعامل الشعراني مع الخط العربي كعنصر جمالي، لا يحتاج لأي مفردة أخرى إلى جواره، وضعه في صدر اللوحة بمفرده، فإذا بنا أمام لوحة مكتملة الأركان تستقي جمالها من حركات الحروف وميلها واتساقها، من حنوها وقسوتها ومن التئامها وتنافرها.

ولا يقدّم الشعراني في أعماله نوعا من العزف الحِرَفي لإيقاعات مكرّرة دأب غيره على ترديدها، بل كان هدفه مختلفا، حيث أعاد صياغة هذه القواعد القديمة لفن الخط العربي، ليخرج بنسق آخر لم تعتد عليه العين، ولم تألفه أنظار المحبين لهذا الفن، فاستطاع أن يضع فن الخط في مكانته الصحيحة بين بقية الفنون الحديثة، كعنصر فريد لا يتسم بالجمود ويمتلك مقومات التوليف والتجدّد.

وبين حروفه التي يرسمها يسكن سره، ووسط كلماته وجمله التي تتراقص معانيها على سطح الورق يبدو ذلك الألق الذي يمثله التفرّد في وقع الخط والتقائه بالسطح.. حيث نقاطه المستديرة المميزة التي تتراقص بين استقامات الحروف والتوائها.

وفي أعمال الشعراني لا يستقيم البناء بغير المعنى، ولا يتخذ المعنى ذلك الألق، بغير البناء، كما أن ثمة شيء ما يأخذك إلى عوالم أخرى، يتخذ فيها الحرف العربي مسارات مغايرة، يخرج الحرف عن ثباته الذي أريد له نحو أجواء من الألق والتحرّر، وظلت الكلمة هي مصدر همه، والعبارة هي ضالته، هذه العبارة التي تخاطب الضمير وتخاطب الإنسان.

ولقد استقى الشعراني عباراته من كلمات ابن عربي، إذ وجد فيه صوفيا جدليا، يمتلك حكمة رفيعة في الكثير من العبارات، كما استلهمها أيضا من  القرآن والإنجيل، ومن قصائد المتنبي، وأبوالعلاء المعري، ومن أشعار أحمد شوقي ومن الملاحم الكبرى، كملحمة جلجامش، إذ أنه يستقي عباراته من كل هذا التراث الشفهي عبر الأزمنة العربية، مُحاولا أن يأخذ منه هذه الروح الخلاّقة التي ترتقي بالإنسان وتدفعه إلى الأمام دائما.

17