أعمدة راسل الثلاثة

عظيمة هي الرؤية الإنسانية لبرتراند راسل، ومغبوط من وجّه حياته بهدي أعمدتها الثلاثة.
الجمعة 2018/08/03
راسل فيلسوفا عارضا للأفكار العلمية الحديثة لعامة الناس

“تحكّمت في حياتي مشاعر ثلاثة بسيطة لكنّها غير محدودة في قوتها الطاغية: توق جارف للحب، وبحث لا يهدأ عن المعرفة، وإشفاق عظيم تجاه هؤلاء الذين يقاسون ويتعذبون”.

بهذه العبارات البسيطة، وعظيمة الدلالة في الوقت ذاته، مهّد الفيلسوف البارز برتراند راسل الجزء الأول من سيرته الذاتية التي تعكس حياة ثرية خليقة بفيلسوف حقيقي يستحقّ بجدارة أن يكون المعلم الفكري والإنساني الأبرز في القرن العشرين بأكمله.

لم يكن راسل فيلسوفا وحسب بل كان أيضا أكثر من فيلسوف: فقد كان رياضياتياً، وداعية سلام، ومعلّما، وعارضا للأفكار العلمية الحديثة لعامة الناس، وناقدا ثقافيا وأدبيا، ومن المؤكد أن هذا الطيف الواسع من الاشتغالات يمنحه القدرة على التعليق على أهمية كل الموضوعات التي يتناولها وبخاصة إذا ما علمنا أنه كان يميل كثيرا إلى تأكيد علاقة الفلسفة مع كل أنماط التساؤلات والاشتغالات المعرفية الأخرى.

 وقد أبان راسل ذاته في غير موضع أنه كان لصيقا بالحقيقة ومكرّسا كل حياته في السعي الدؤوب نحوها حتى في تلك الظروف التي تسبّب فيها سعيه هذا في إرباك حياته المهنية المريحة أو اضطراره إلى مراجعة أفكاره التي كان يعتقد فيها في فترات مبكرة من حياته، وليس خافيا أنّ الرجل دخل السجن مرتين؛ مرة في بواكير حياته لمعارضته دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، ومرة ثانية لموقفه الرافض للحرب الأميركية في فيتنام.

ظلت الحكمة والأخلاقيات الكامنة وراءها هي المثال الذي دفع بفكر برتراند راسل وألهمه أكثر ممّا فعلت أي قيمة أخلاقية أو فلسفية أخرى، وليس هذا بغريب أو باعث للدهشة متى ما علمنا أن راسل كان فيلسوفا؛ ولكن لا ينبغي غض النظر عن أن حبّ الحكمة له معنى عملي وأخلاقياتي مباشر لا يبدو أننا نشهده كثيرا في غالب الأعمال الفلسفية؛ فالمعرفة مثلا يمكن لها أن تكون تخصّصية أو تجريدية أو عملية أو مطلوبة بذاتها ولذاتها وكل ما يهم فيها في نهاية الأمر أن تكون صحيحة ومفيدة من وجهة النظر البراغماتية.

بينما يختلف الأمر تماما مع الحكمة الأصيلة، فهي ليست محض قيمة تحسب بالقياس إلى صحتها بل بالقياس إلى قدرتها على الارتقاء بنوعية الحياة البشرية، وبالاستناد إلى هذه المقايسة نستطيع القول إننا متى ما صادفتنا حكمة تفتقد إلى القدرة على تحفيز الحياة البشرية والارتقاء بحساسيتها الأخلاقية نكون عندئذ أمام حكمة جوفاء باطلة وزائفة.

أتساءل دوما كلّما قرأت هذه الأقانيم الثلاثة التي جعلها راسل منارة تهدي حياته في كلّ أطوارها: ما الذي كان عليه حال الإنسانية لو فكّر كل فرد في جعل هذه الموجهات الثلاثة أساسا لحياته؟ ستكون الحياة حينئذ شكلا يوتوبيا يستعصي تخيله على أعظم العقول وبخاصة أن حيازة مثل هذه الأخلاقيات المتسامية تستلزم عملا شاقا مقرونا بالكثير من الجهد والرؤية المستبصرة المدفوعة بروح بعيدة عن الأنانيات الضيقة؛ وسيكون من حقنا في كل الأحوال الحلم، والحلم فحسب، بعالم تمثل فيه هذه الفضائل الثلاث نوعا من خوارزميات تتمّ رعايتها وتنميتها لدى كل البشر لتصبح نمطا سلوكيا مشاعيا يبدو لي أنه الحلّ الأمثل في مواجهة كلّ المشاكل الكارثية التي باتت تهدّد الحياة بجميع أشكالها.

عظيمة هي الرؤية الإنسانية لبرتراند راسل، ومغبوط من وجّه حياته بهدي أعمدتها الثلاثة.

14
مقالات ذات صلة