أعيان يمنيون يسافرون إلى اسطنبول لإنقاذ اليمن

أدب الرحلات العربي يمثل نصوصا ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، وهي إلى هذا وذاك تغطي المعمور في الجهات الأربع للأرض وفي القارّات الخمس، وتجمع إلى نشدان معرفة الآخر وعالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب والمسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء والمفكرون والمتصوفة والحجاج والعلماء، وغيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية والإسلامية.
الاثنين 2015/05/25
الرحالة محمد بن الحسين غمضان الكبسي وصف كل ما شاهده باندهاش، وكأنه طفل صغير بهره ما رآه

“رحلة أعيان اليمن إلى إسطنبول 1907” لمحمد بن الحسين غمضان الكبسي والصادر عن “دار السويدي” في أبوظبي بالتعاون مع “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت. هو أحدث كتاب رحلي يحقق وينشر ويتعلق بجغرافية وتاريخ وأدب اليمن.

حققّ النص وقدّم له كل من اليمني عبدالله محمد الحبشي والسوري محمد حسني ذياب، ونالا عليه جائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات لسنة 2014-2015، والتي يقدمها سنويا لعدد من الأعمال في حقل أدب الرحلة نصوصا ودراسات، “المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق”، والذي يشرف عليه الشاعر نوري الجراح ويرعاه الشاعر محمد أحمد السويدي.

هذا نص رحلي يحمل أهمية تاريخية وأدبية خاصة، دوّنه علامة يمني هو محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى غمضان، والذي سافر إلى الأستانه عام 1907م/ 1325هـ على رأس وفد توجه من صنعاء للقاء السلطان العثماني إثر اضطرابات سياسية عرفها اليمن، وكان يومذاك جزءا من الإمبراطورية العثمانية. وقد دون الرحالة في نصه مراحل تلك الرحلة ووقائعها بلغة سردية جمعت المعلومة والوثيقة ودقة الملاحظة والوصف الأدبي، وبساطة اللغة.

انطلقت الرحلة من صنعاء عن طريق متنة ومناخة إلى الحديدة ليركب الرحالة، من هناك، البحر إلى تركيا، مرورا بالسويس، وعلى طول الطريق، وعلى الرغم من صغر هذا النص، يكتب المؤلف مشاهداته مقتصرا على ما يبدو لافتا أكثر من غيره من مناظر ووقائع اعترضته والوفد المتجه إلى “عاصمة الدنيا”.

يكتسب هذا النص أهميته من كونه وثيقة سياسية، إلى جانب كونه نصا سرديا، وأدبا ممتعا، لرحالة كان شخصية مهمة اجتماعيا وسياسيا، فهو متحدّر من عائلة علمية، عيّنه الإمام يحيى حاكما بقضاء ذمار، ثم في ريمه، وفي سنة 1343هـ، تم تعيينه حاكما للواء الحديدة، ثم رئيسا لحكومة سنحان. ولكل هذه الاعتبارات نال عليه محققه عبدالله الحبشي جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، فرع تحقيق المخطوطات.

أدب الرحلة يشكل ثروة معرفية كبيرة، ومخزونا للقصص والظواهر والأفكار، وهو مادة سردية مشوقة

التاريخي والجغرافي

جاء في مقدمة الكتاب أن بداية العلاقة بين الأتراك العثمانيين واليمن تعود إلى مطلع العصور الحديثة، عندما كان التجار والحجاج يتنقلون بين البلاد العثمانية والبلاد العربية التي كان يحكمها المماليك آنذاك.

وقد بسط العثمانيون سيطرتهم على البلاد العربية، وامتد نفوذهم جنوبا حتى شمل بلاد اليمن. وتذهب المقدمة إلى أن العلاقة بين بلاد اليمن والعثمانيين كانت أكثر وضوحا بعد فتح السلطان سليم الأول لمصر عام 1517م/ 923هـ، إذ أرسل أمير اليمن آنذاك مبعوثا إلى السلطان العثماني وحمّله هدايا الودّ والصداقة.

وكان لموقع اليمن المتميز والمهم الذي يطوق جنوب الجزيرة العربية، التي تعد منطقة دفاع مهمة عن حدود الإمبراطورية العثمانية من الجنوب، وكذلك ضمان أمن وسلامة الأماكن المقدسة في الحجاز، الأثر الأكبر في قيام العثمانيين بإرسال بعثتهم الأولى إلى اليمن بعد فتح مصر.

ويرى المحققان أن السلطان العثماني كان يعتمد على القادة المماليك في حكم اليمن، لكنهم غالبا ما كانوا يعلنون استقلالهم عن الدولة العثمانية مما حدا بالباب العالي إلى إرسال قوة عسكرية لبسط السيطرة الكاملة على اليمن، فجهز السلطان العثماني سليمان القانوني قوة ضخمة في 27 يونيو 1538، قامت بوضع حد لعربدة القوة البرتغالية في المنطقة، وبسطت نفوذ العثمانيين على اليمن، حيث استمرت هذه السيطرة حتى عام 1635، في ما عرف بالحكم العثماني الأول، 1538 – 1635.

فساد وقلاقل

وينقل المقدمان عن وثائق التاريخ أن الأوامر صدرت من الأستانة في عام 1872 إلى أحمد مختار باشا القائد العثماني في الحديدة بالتوجه إلى صنعاء على رأس قوة عثمانية، فدخلت هذه القوة إلى صنعاء، وبعد بسط العثمانيين لسيطرتهم على المناطق اليمنية استشرى الفساد من قبل الولاة والأمراء العثمانيين في اليمن، مما أشعل نيران الثورات في عدة أماكن، وقد وصلت أخبارها إلى الباب العالي فأراد السلطان عبدالحميد أن يستطلع حقيقة الأوضاع في اليمن فأرسل نامق بك، وهو أحد رجال الدولة العثمانية، وذلك في سنة 1892م/ 1310هـ بهدف التعرف على أسباب الثورة.

استشرى الظلم والفساد، واشتد الجدب وارتفعت الأسعار، وفي هذه الأثناء توفي الإمام اليمني محمد بن يحيى حميد الدين وذلك عام 1904م، 1322هـ، وتولى ابنه يحيى الإمامة وبدأت بذلك مرحلة جديدة من العلاقات بين اليمنيين والعثمانيين حيث نشب نزاع دامٍ بين الجانبين، فدعا الإمام يحيى إلى الجهاد ضد العثمانيين. وقد حاولت الدولة العثمانية السيطرة على الأوضاع في اليمن فأرسلت فيضي باشا لإعادة الأمور إلى نصابها، لكنه لم يتمكن من ذلك وأنهكت قواته، فعادت الدولة العثمانية للمفاوضات مجددا من أجل التوصل لاتفاق صلح مع الإمام يحيى لكنه فرض شروطا كثيرة لم تقبل بها الدولة العثمانية، وقامت بإرسال الوفود لاستطلاع الأوضاع في اليمن.

أدب الرحلات همة العربي العالية في اكتشاف حضارات جديدة

طريق البحر

كان من الوفود التي تحركت بين اليمن والأستانة وفد من كبار علماء مكة في منتصف عام 1907م/ 1325هـ من أجل حث الإمام يحيى على وقف قتال الأتراك، وعقد صلح مع الدولة العثمانية، وعلى إثر ذلك قامت الدولة العثمانية باستبدال الوالي فيضي باشا وأرسلت بدلا عنه حسين تحسين باشا، وقد صلحت في أيامه أحوال اليمن، وعندما رأى السلطان العثماني النجاح النسبي لسياسة التهدئة التي انتهجها الوالي حسين تحسين باشا حاول تحقيق التفاهم التام مع اليمنيين، فطلب السلطان عبدالحميد وفدا من كبار رجال اليمن من العلماء والأعيان للسفر إلى الأستانة ليتباحثوا في ما يصلح أحوال اليمن، فكان تشكيل هذا الوفد الذي سافر إلى الأستانه عام 1907م/ 1325هـ ومن ضمن الوفد علاّمتنا محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى غمضان، والذي دوّن مراحل هذه الرحلة.

وحسب وثائق الرحلة فقد توجه الوفد ومعهم صاحبنا في البداية من صنعاء عن طريق متنة ومناخة إلى الحديدة قصد الاستعداد للذهاب إلى تركيا عن طريق البحر، وكان ذلك يوم 6 من شهر ربيع الآخر 1325هـ/ 1907م، وتستمر به المراحل مضطربة حتى يصل إلى الحديدة، وفي الحديدة يستقر الركب، ويجتمع الوفد الكبير مع والي الحديدة وينزل في ضيافته، وبعد أيام يقلهم المركب البخاري إلى عاصمة الخلافة العثمانية، حيث توجه أولا إلى السويس، وكانت الرحلة سهلة مواتية كما يصفها رحالتنا، وتمر بهم السفينة من ميناء إلى ميناء حتى وصلوا إلى موضع يسمى “شنق” فتمكث برهة يصلهم فيها تجار من اليهود للبيع والشراء ويقوم بعض أعضاء الوفد بشراء القماش والأجواخ منهم.

ويرى المحققان أنه ما إن يصل رحالتنا إلى إسطنبول، التي يسميها دار السعادة، حتى تبهره أضواء المدينة ببهرجها الحضاري وكأنه دخل عالما ليس له عهد به من قبل، ويصف الفندق الذي نزل فيه الوفد وما لاقوه من حفاوة الاستقبال، إذ جعلوا لكل واحد منهم نزلا خاصا به فيه جميع ما يحتاجه، وقد احتفت بهم الدولة العثمانية، وجعلت بين أيديهم جماعة من الخدم يلبون طلباتهم، وقد وصف رحالتنا كل ما شاهده باندهاش، وكأنه طفل صغير بهره ما رآه.

وقد زار الوفد “دار المصّورين” والتي تعني المتحف العسكري، وزاروا كذلك عدة منتزهات ومروج في إسطنبول ومن ذلك موضع يسمى “ظلة بعجه”، حيث شاهدوا فيه أنواع العجائب من المفروشات والقناديل المصنوعة من البلور والفضة وجميع المصورات في جدران هذا الموضع وهي مطلية بالذهب.

كتب الرحلات العربية إلى العالم، تهدف إلى الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة

وتكتمل الدهشة ويبلغ التعجب منتهاه عندما يقف رحالتنا على بعض مستحدثات العصر الحديث من مصانع ومستشفيات وقد أخذهم المكلفون بصحبتهم لمشاهدة بعض معالم إسطنبول الحضارية، والأسطول الحربي فيقف صاحبنا منبهرا مما شاهده، وفي نزهة أخرى يذهب الوفد اليمني لمشاهدة المصانع ويتأمل آلاتها ومعداتها.

أما حديقة الحيوان فله معها وقفة طويلة تحدث عنها بإسهاب، ثم يخرج لزيارة المتاحف وأغلبها مما يؤرخ لعظمة الدولة العثمانية وأبهتها، ويدخل المتحف العثماني ويقف على صور وتماثيل ملوك آل عثمان، ويدخل كذلك موضع التحف القديمة.

كل ذلك نقله لنا الرحالة غمضان باندهاش وتعجب مما رأى في رحلته الطريفة التي تصوّر انطباع الإنسان اليمني عندما يرى شيئا غريبا، وتقبله للجديد والإعجاب به دون تحجر وانكماش.

ترجمة المؤلف

وحسب محققي الكتاب فإن مؤلفه هو السيد العلامة التقي محمد بن حسين بن علي بن الحسين بن يحيى بن أحمد، الملقب بغمضان، مولده في جمادي الأولى سنة 1277هـ أخذ عن والده، وعن رئيس العلماء السيد أحمد بن محمد الكبسي، والسيد زيد بن أحمد بن أحمد الكبسي، والقاضي محمد بن أحمد العراسي، والعلامة أحمد بن رزق السياني، والعلامة أحمد بن عبدالله الجنداري، والعلامة أحمد بن محمد السياغي، وغيرهم.

حقق الفقه، وكان عالما ورعا، كريم الأخلاق، جميل الصوت، تولى خلال أيام الحكم العثماني لليمن خطة ناظر على الأوقاف وبقي في هذا المنصب حتى عام 1325هـ. عينه الإمام يحيى حاكما بقضاء ذمار، ثم في ريمه، وفي سنة 1343هـ، تم تعيينه حاكما للواء الحديدة، ثم لحكومة سنحان، وقد توفي في شهر ذي القعدة عام 1358هـ.

هذا النص يكتسب أهميته من كونه وثيقة سياسية، إلى جانب كونه نصا سرديا، وأدبا ممتعا

مقدمة السلسلة

ومما جاء في السلسلة التي صدر فيها الكتاب أن السّلسلة تهدف إلى بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحّالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودوّنوا يوميّاتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه، القريبة والبعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، ومحاولة التعرّف على المجتمعات والنّاس في الغرب، والواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق والمستشرقين الذين ملؤوا دروب الشّرق، ورسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم والعلم، ومن منطلق المستأثر بالأشياء، والمتهيّئ لترويج صور عن “شرق ألف ليلة وليلة” تغذّي أذهان الغربيين ومخيّلاتهم، وتمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري والعسكري لهذا الشرق. ولعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية والفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك. فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري والفكري.

كما أن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، والانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول والناس والأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، ومخزونا للقصص والظواهر والأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجوّل وأنفس تتفاعل مع ما ترى، ووعي يلمّ بالأشياء ويحلّلها ويراقب الظواهر ويفكّر فيها.

15