أغاثا كريستي من حلب إلى الموصل

الأحد 2014/08/31
أغاثا كريستي كان لها دور ومهمات ومسؤوليات ضمن بعثة التنقيب

“تسببت الثلوج المتراكمة في تعطيل القطار بعد منتصف الليل بقليل لقد كان قطار الشرق السريع مزدحما بالركاب، وهذا أمر غريب في هذا الوقت من السنة. لكن الركاب نقصوا واحدا عند الصباح؛ فقد وُجد أحدهم مقتولا في مقصورته وفي جسمه اثنتا عشرة طعنة، وكان باب المقصورة مقفلاً من الداخل”.

الكلمات ذاتها التي بدأتُ بها تملّس آثار شبح أغاثا في مقالي قبل أكثر من عشر سنوات عن سيدة الرعب بعد أن زرت غرفتها في فندق بارون في حلب، هذه الكلمات التي كتبتها أغاثا كريستي على ذلك السرير في تلك الغرفة، هناك في حلب. كانت تكتب وإلى جوارها طاولة صغيرة وضعت عليها أوراقها المبعثرة وأشياء أخرى، مع نظارتين مستديرتين ومنثنيتين. تكتب تارة وتنظر تارة من نافذة الغرفة إلى الشارع المقابل، حيث تمر عربات البدو والتجار الذين كانوا لا يزالون يعيشون ظروف الاحتلال وصراع الخروج من الانهيار السريع الذي مرت به السلطنة العثمانية.


جريمة في حلب


المدينة التي زارتها أغاثا تشبه ما كانت تكتبه، الغموض الذي يكتنف تفاصيلها وأزقتها ومبانيها وشوارعها، وحتى أسماء عائلاتها وأنواع المهن التي تنتشر فيها. كان عليّ أن أعيد قراءة تلك الرواية، “جريمة في قطار الشرق السريع″، كي أعرف ما الذي كان يدور في رأس السيدة أغاثا حين اختارت حلب لتكتب فيها روايتها الأكثر شهرة. لماذا يختار أشخاص مثل شارل ديغول والضابط الإنكليزي الأسطوري لورنس هذا المكان ليعيدوا فيه ترتيب أوراقهم؟ ما السر؟ ما السحر الكامن في مجموعة من الحجارة القديمة والأعمدة التي بُنيت في العام 1911؟ تدخل إلى فندق بارون، الذي استضاف أغاثا، تصعد الدرجات العشر التي ترفعك إلى فردوس تلك التي سكنت المكان ولم تزل روحها تتجول في ردهاته. تلك الدرجات ستأخذك إلى البهو، حيث البار إلى يسارك وحوله بضعة مقاعد وطاولات. إلى يمينك الصالون حيث آثر أصحاب الفندق الاحتفاظ ببعض الأشياء التي تتعلق بأغاثا وبغيرها ممن عبروا من بوابة “بارون”. كيف يمكن تخيل تلك الساعات التي كانت تمر بأغاثا خلف أحجار سميكة يرتفع بها بناء الفندق في قلب المدينة؟ بلاد الشام والعراق كانت واحدة من أهم محطات الترحال في حياة الكاتبة أغاثا كريستي وزوجها ماكس مالوان، عالم الآثار الشهير، وصاحب الفضلفي اكتشاف أور والعثور على رأس الملك سرجون، مروراً بحلب، المدينة التي مكثت أغاثا فيها فترات كافية لكتابة روايتها “جريمة في قطار الشرق السريع″، فماكس، الذي تعرفت إليه الروائية عندما كانت في الأربعين، وهو يصغرها سناً بأعوام كثيرة، اصطحب زوجته الغامضة يومذاك في بعثات تنقيب أثرية في منطقة الشرق الوسط، حيث تقاسمت معه المغامرات، من بيروت إلى حلب وحمص وبصرى وماردين وتدمر، وهي أوقات شكلت لها كنزا ومنبع إلهام لعدد كبير من رواياتها، فكتبت من وحي الرحلة ثلاث روايات مهمة هي “جريمة في قطار الشرق السريع″، “ميت على ضفاف النيل”، و”جريمة في بلاد ما بين النهرين”، فضلا عن أنها روت رحلتهما الغنية هذه في مذكراتها التي صدرت في العام 1946 في عنوان “تعال أخبرني كيف تعيش”، بالإنكليزية أولاً، ثم بالفرنسية بعد ذلك تحت عنوان “الروائية وعالم الآثار”.

احتاجت مرة إلى منضدة لتكتب عليها روايتها "اللورد ايدجوير يموت" فقصدت سوق الموصل واشترت منضدة بثلاثة باوندات، اعتبرها الدكتور كامبل رئيس هيئة التنقيب تبذيرا ولم يعرف أن ما سيُكتب على تلك المنضدة سيجتاح العالم بلا حدود


آثار خطوات أغاثا


“تعال أخبرني كيف تعيش” يروي بلغة سلسة سردية تفصيلية انطباعات أغاثا ويومياتها طوال خمسة أعوام تنقلت فيها بين العراق وسوريا ولبنان، وذلك من عام 1934 إلى عام 1939. وهي تعبّر في المذكرات عن حبّها للشرق، وحنينها الكبير إليه، ألّفت أغاثا كريستي 66 رواية بوليسية في غضون 56 عاما، أهمها “جريمة في قطار الشرق السريع″ و”ميت على ضفاف النيل” و”عشرة زنوج صغار”، وكانت إحدى شخصياتها الشهيرة شخصية الآنسة ماربل التي ابتدعتها في العام 1930، وهي التحرية البارعة التي كانت بطلة 17 رواية من روايات كريستي.


الأكثر مبيعا في العالم


باعت روايات أغاثا كريستي أكثر من ملياري نسخة، مليار منها بالإنكليزية والمليار الثاني بلغات الترجمة المختلفة التي شارفت الخمسين. “أكثر من ألفي مليون قارئ في العالم قرأ أعمال زوجتي” هكذا كان زوجها مالوان يقول، ويتابع: “احتاجت مرة إلى منضدة لتكتب عليها روايتها (اللورد إيدجوير يموت) فقصدت سوق الموصل واشترت منضدة بثلاثة باوندات، اعتبرها الدكتور كامبل رئيس هيئة التنقيب تبذيراً!”. يبيّن ذلك أنه رغم أن الكتابة كانت شاغل أغاثا، فقد كان لها دورها ومهماتها ومسؤولياتها ضمن بعثة التنقيب.


شبح يطل من النافذة


تدخل غرفتها في “بارون”، تستريح على سريرها وتشعر بالهدوء القاتل. هل سيطل أحد مجرميها الآن؟ هل ستلصق بك تهمة أنت بريء منها؟ هل سيرهقك السيد بوارو بالأسئلة ويحدجك بنظرته القاسية؟ هل ستختفي كأحد عبيدها الصغار ولا يعود يعرف أحد طريقه إليك؟ تدخل غرفة أغاثا فتشعر كأنك تدخل إحدى رواياتها. تلتفت وراءك رغما عنك خوفا من أن تكون ملاحقا. تنظر من النافذة فتحسّ بها تتحرك في المكان كشخوص رواياتها، تاركة بصمات وطبعات على الزجاج، لتقتفي أثرها كتحرّ بارع، وتكاد تسمع صرير قلمها على الورق، يرسم مصائر الضحايا ويخطط لجرائم كاملة. هنا الستائر صفراء والشراشف ذهبية. سريران تتوسطهما منضدة يستقر عليها فانوس أصفر، فوقه لوحة، صفراء أيضا: كأن الشمس وألوانها مقيمة في غرفة ملكة الظلال والعتمة والغموض. على بعد مئة ياردة فقط كان يمكن لأغاثا أن تشاهد جيرانها نزلاء الفندق وهم يصطادون البط في الأرض المجاورة.

باعت روايات أغاثا كريستي أكثر من ملياري نسخة، مليار منها بالإنكليزية والمليار الثاني بلغات الترجمة المختلفة التي قاربت الخمسين. "أكثر من ألفي مليون قارئ في العالم قرأ أعمال زوجتي" هكذا كان زوجها عالم الآثار ماكس مالوان يقول


في الطريق الطويل إلى رأس سرجون


“عندما وصلت إلى الصفحات الأخيرة من هذه المذكرات توفيت عزيزتي أغاثا بسلام بينما كنت أدفع كرسيها ذا العجلات إلى حجرة الجلوس بعد تناول طعام الغداء”، يكتب مالوان عن أيام زوجته الأخيرة. ويروي أيضا أنه جلس يوما بالمصادفة، في عربة الطعام في قطار الشرق في طريقه إلى مدينة أوغاريت السورية أثناء الحرب العالمية الأولى، مع ثلاثة مسافرين أوروبيين آخرين، لكنه لم يكن يعرفهم، وقد اتضح بعد ذاك أن أحدهم عالم الآثار الفرنسي الشهير كلود شافير، وكان هو الآخر متوجها إلى مدينة أوغاريت التي نقّب فيها في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين. وفجأة انحنى مساعد شافير، جورج شينيه، الى الأمام وسأل مالوان: “هل سبق لك أن قرأت رواية (مقتل روجر إيدجوير) البوليسية لأغاثا كريستي؟” فقال ماكس: “نعم، إنها رواية ممتازة بحق، لا تغرب عن بال قارئها”، فسألاه:” وما رأيك في (الرجل ذو البذلة البنية)، هل قرأتها؟” فأجاب ماكس:”أجل قرأتها، وكذلك بقية روايات المؤلفة، وذلك لأني زوجها”.


أين اختفى الزوج


ليس ثمة أيّ أثر لهذا الزوج الرائع في المكان الذي عاشت فيه أغاثا في حلب. تسأل عنه في البار: “هل كان يشرب البيرة هنا؟” يجيبك النادل: “لم يرو لنا أحد شيئاً عن ماكس مالوان هذا، الظاهر أنه لم يأت مع المدام”، تسأل: “ولمن هذه الأوراق؟”، يجيب النادل:” للست أغاثا”، ويحكي أحد الموظفين في فندق “بارون” عن سيدة أرمنية في الثمانين تتردد على المكان، تقول إنها رأت أغاثا وهي “تشتري الزعتر والصابون من سوق المدينة في حلب القديمة”.

لم ير أحد في حلب ماكس مالوان مع زوجته، وربما كانت تخفيه في مهمّة غامضة غموض عالمها، ولعله تسلل من ذلك السرير ليلاً ليكتشف رأس الملك المثقف سرجون.

ففي العام و في عام 1931م قام ماكس ملوان بفتح مجس في تل قوينجق بلغت أبعاده 23×15م تقريباً، ونزل فيه إلى عمق 30 متراً وقد كشف ذلك المجس عن خمس سويات أثرية يعود أقدمها إلى الألف السادس قبل الميلاد، بعدها سويات العصور الآشورية ثم الأخمينية، الإغريقية، الفرثية، الساسانية، الرومانية، الإسلامية، وكان مما اكتشفه مالوان معبد عشتارفي نينوى التي كانت أحد المراكز الرئيسة لعبادة الإلهة عشتار، وعلى مقربة من بقايا هذا المعبد عثر على تمثال الرأس البرونزي الشهير للملك سرجون الأكدي.


عادت إلى الشرق


ترى كيف تأثرت أغاثا بمناخ حلب، هذه المدينة التي يهبط الليل عليها لتستيقظ بنهار آخر في العتمة، نهار يضج بالغناء والهندسة الصوتية التي لا مثيل لها، هل انتبهت السيدة كريستي مالوان إلى الشرق الذي يضج بالجريمة لتستوحي منه مناخات “جريمة في قطار الشرق السريع″؟ وهل كان لديها خيار آخر سوى أن تنظر إلى العميق حيث يتفتح الشرق من جديد كوردة أمام القادمين للاستكشاف والغزو وإعادة الصياغة؟ ماذا لو جاء ماكس مالوان وزوجته الآن مع الجيش الأميركي وراقبوا كيف تختفي الآثار، ويتم تخريب كل ما هو آشوري وبابلي فيها على مسيرة يوم واحد من حلب السورية شرقاً نحو العراق؟ “إن شاء الله، سأعود إلى الشرق، وكل ما أحببته لن يختفي عن وجه هذه الأرض”، تقول أغاثا في مذكراتها. حسنا فعلت بزيارة الشرق و”خطف” جرائمها منه، أي مكان أكثر من الشرق يصلح لصناعة مسارح روائية تعرض الجريمة بتشويقها الأكثر حدة على الإطلاق؟

شرق أغاثا الذي يبدو أن شبحها قد عاد إليه، صار أكثر دموية مما حلمت به كاتبة الجريمة، وانفتح الطريق من حلب إلى نينوى وكثير مما اكتشفه ماكس مالوان قد تم تدميره على يد داعش والمهربين وقصف البراميل المتفجرة من الأسد والمالكي، وحين زرتُ غرفة أغاثا كريستي في حلب الوادعة، كانت تمر مئة عام على ولادتها، واليوم مرت أعوام طويلة منذ أن شهدت تلك الغرفة في شارع بارون آخر هدوء لها.. لعلها باقية وقد تكون زالت وأصبحت رماداً.

10