أغاثا كريستي.. نجاح صنعته الأقدار والأماكن

التجوال في فندق بارون في مدينة حلب السورية له وقع مسلسل تاريخي.
السبت 2020/07/25
فندق بارون.. طيف لورانس العرب وأغاثا كريستي

ما الأقوى تأثيرا، أثر الأماكن على الأشخاص، أم أثر الأشخاص على الأماكن؟ قد لا نتّفق على الجواب، ولكن ما سنتفق عليه، أن هناك بقعة واحدة في العالم، تداخلت فيها حياة الأشخاص ومخاوفهم وطموحاتهم مع المكان؛ فندق بارون في مدينة حلب السورية، الذي شهد صناعة تاريخ الشرق الأوسط، وفيه كتبت ملكة الغموض أغاثا كريستي رائعتها “جريمة في قطار الشرق السريع”.

إلى جانب زوربا اليوناني ودون كيشوت، صعب أن نسترجع اسم كاتب طغت عليه شهرة الشخصية التي أبدعها، فعاش منسيا في ظلها، كما هو الأمر مع شرلوك هولمز.

نيكوس كازانتزاكيس، المولود عام 1883، والمتوفى عام 1957، كاتب وفيلسوف يوناني، عرفه العالم بعد وفاته بسبعة أعوام، عندما أصبحت روايته “زوربا اليوناني” فيلما أخرجه مايكل كاكويانيس.

وتجددت شهرته عام 1988 حيث أنتج فيلم “الإغواء الآخر للمسيح” للمخرج مارتن سكورسيزي وهو مأخوذ عن رواية لكازانتزاكيس أيضا.

ما هو الشعور الذي ينتاب المبدع عندما يحظى عمله باهتمام الجمهور بينما يكون هو منسيا يعيش في الظل؟

ما ذاقه كازانتزاكيس من مرارة، تجرعه أيضا الكاتب الإسباني، ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، مؤلف الرائعة “دون كيشوت”، ويقال إن ثيربانتس كتبها في السجن، أو شرع في كتابتها داخل السجن.

ثالث الروائيين الذي شارك نيكوس وميغيل تجربتهما، وجلس جانبا يراقب مولوده الخيالي يشب ويكبر، مستقلا بعيدا عنه، هو آرثر كونان دويل، الذي قدم للعالم ما يمكن اعتباره أشهر شخصية بوليسية على الإطلاق، وهي شرلوك هولمز.

مرارة النسيان

ملكة الغموض
 قدرةً فائقة على الإنتاج والتشويق

حتى لو لم تكن مهتما بالنقد الأدبي، يبقى الاحتمال كبيرا في أنك تعرف الشخصيات الروائية الثلاث، زوربا ودون كيشوت وهولمز، ولكن الاحتمال ضئيل جدا، أن تكون قادرا على الربط بين هذه الشخصيات الروائية الثلاث، وبين أسماء كتاب الروايات وأبطالها الثلاثة.

الروايات الثلاث هي تجسيد لما يمكن أن يوصف بعمل أدبي لا يموت، بينما بقي مؤلفوها الثلاثة يعيشون في غرف الإنعاش.

ما حصل لهؤلاء، حصل في الماضي؛ التراث الإنساني حفظ لنا روايات وملاحم، ولم يحفظ لنا أسماء رواتها، وأحيانا نسبت بعض الأعمال لكتاب يشكك الخبراء بصحته نسبها لهم.

ملحمة جلجامش وألف ليلة وليلة نموذج عن المثال الأول، أما الأوديسة والإلياذة فهي أشهر مثال للنموذج الثاني.

فهوميروس الذي يقال إنه من كتب الملحمتين، هناك من يقول إنه هو نفسه شخصية خرافية، ليست موجودة في الواقع، وفشلت كل المحاولات لتأكيد ذلك أو نفيه.

حتى الكاتب المسرحي البريطاني وليام شكسبير، هناك جدل كبير حول من يكون، رغم أن عدد النسخ التي بيعت من أعماله فاق كل الكتب ولا يتجاوزه بعدد النسخ المطبوعة سوى الإنجيل.

على عكس الكتاب المذكورين، الذين حرموا من نيل شهرة تعادل شهرة أعمالهم، نالت مؤلفة “جريمة في قطار الشرق السريع” البريطانية أغاثا كريستي، شهرة فاقت شهرة رواياتها وأبطالها بما فيها شخصية المحقق هيركيول بوارو.

فمن هي هذه السيدة الإنجليزية التي استطاعت ترويض شخصيات أبطالها وبقيت مسيطرة عليهم ولم تسمح لهم أن يعصوا أوامرها وبقوا يعيشون تحت وصايتها؟

القدر وضع أمام أغاثا كل الظروف التي هيأت لشهرتها ونجوميتها، منذ لحظة ولادتها؛ فهي الشقيقة الأصغر بين أربع شقيقات، لعائلة من الطبقة المتوسطة العليا في المجتمع البريطاني؛ أكثر الطبقات حرصا على تحقيق النجاح، تتطلع دوما إلى الصعود لاحتلال مكان لها بالقرب من الطبقة الارستقراطية.

وكما جرت العادة حينها، تلقت أغاثا في طفولتها تعليما منزليا، وأرسلت في السادسة عشر من عمرها إلى باريس لدراسة العزف على البيانو والصوتيات.

فتيات تلك الطبقة لا تكتمل حياتهن إلا بتعلم العزف والموسيقى والعثور على زوج ثري.

وكان لأغاثا موعد آخر مع القدر بعد عودتها من باريس؛ رافقت أمها المريضة في رحلةٍ إلى القاهرة، وهناك بدأ احتكاكها مع الشرق، الذي ترك طابعه الخاص على أعمالها وساهم في قصة نجاحها، تماما مثلما تركت الفترة التي عاشتها في باريس أثرها عليها.

بعد العودة من القاهرة، تابعت كتابات، كانت قد بدأتها سابقًا، وقوبلت بالرفض لرداءتها، لكنها سرعان ما وضعت قدمها على طريق الشهرة في روايتها “علاقة عاطفية راقية”. عنوان ينضح بعبق انتمائها الطبقي، ومعها ولدت شخصية المحقق البلجيكي الشهير هيركيول بوارو الذي يتحدث إنجليزية بلكنة فرنسية واضحة.

الأكثر مبيعا

 قدرةً فائقة على الإنتاج والتشويق
ملكة الغموض

امتلكت أغاثا قدرةً فائقة على الإنتاج والتشويق، حيث كتبت أكثر من 70 رواية بالإضافة إلى القصص القصيرة، وحصدت نجاحًا كبيرًا في مجال قصص الجريمة والتحرّي، لتستحق لقب “ملكة الجريمة” و”ملكة الغموض”، لكن لا يعني ذلك أبداً أنّها لم تكتب أنماطًا أخرى من القصص، فهناك على سبيل المثال روايات رومانسية مثل “صورة وجهية غير مكتملة” نُشرت عام 1934.

وبحسب اليونسكو، فإنّ أغاثا هي أكثر الكتّاب الذين تُرجمت كتبهم ورواياتهم، فقد ترجمت كتاباتها إلى أكثر من 103 لغات حول العالم.

وتعتبر رواية “ومن ثم اختفى الجميع” الرواية الأكثر مبيعًا للكاتبة، حيث بيع منها إلى تاريخ اليوم أكثر من 100 مليون نسخة، مما جعلها رواية الغموض الأكثر مبيعًا في العالم، وواحدة من أكثر الكتب مبيعًا عبر التاريخ.

كلنا يعلم النهايات التي وصلت إليها أغاثا كريستي، والنجاح العالمي الذي حققته في كتابة الرواية البوليسية، لتدخل إلى موسوعة غينيس بعدد رواياتها التي بيعت، وتجاوزت 2 مليار نسخة. رقم بوّأها المرتبة الثالثة بعد شكسبير والإنجيل. ومنحت وسام السيدة الأعلى في الإمبراطورية البريطانية عام 1971، قبل وفاتها بخمسة أعوام.

ولكن، ماذا حدث قبل ذلك؟

الأماكن هي كلمة السر في حياة أغاثا وقصة نجاحها
الأماكن هي كلمة السر في حياة أغاثا وقصة نجاحها

للمرة الثالثة يتدخل القدر بحياة “ملكة الغموض”.. تزوجت أغاثا من الكولونيل أرشيبلد كريستي، الذي كان طيارًا في الفيلق الملكي عام 1914، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة، روزاليند، لكنه أفصح لها عن علاقة تربطه بامرأة أخرى.

احتاجت كريستي لبعضٍ من الوقت لتتعافى، وتطلب الطلاق من زوجها في عام 1928. تزوّجت بعدها من أستاذ علم الآثار ماكس مالوان، وسافرت معه في عدة رحلاتٍ استكشافية سجّلتها لاحقاً في عام 1946 في مذكراتها التي نشرتها بعنوان “تعال، أخبرني كيف تعيش”.

الأماكن، كلمة السر في حياة أغاثا وقصة نجاحها، وإن كان لمكان واحد فقط أن يلعب دورا مميزا في حياة الكاتبة، فهو حتما مدينة حلب في سوريا، وتحديدا في نزل صغير، ولكنه يختصر العالم، هو “البارون”، وفي الغرفة رقم 203.

نزل بارون، يختصر تاريخ أوروبا المتعلق بالشرق الأوسط، حيث أقام ملوك ورؤساء وكتاب وجواسيس، “فيه اتخذت قرارات مصيرية، وحيكت مؤامرات”، ما زالت ردود فعلها محسوسة إلى اليوم.

ما من زائر إلى حلب إلا ومر من أمامه، بعضهم يحرص على فعل ذلك أكثر من حرصه على زيارة قلعتها الشهيرة.

​​”التجوال في الطابق الثاني لفندق بارون له وقع مسلسل تاريخي”، هكذا تصف الكاتبة والصحافية الألمانية كريستين هيلبيرغ، التجربة، وهي واحدة من بين مئات أسعدهم الحظ وقضوا يوما أو بضعة أيام في حضن التاريخ.

في الغرفة رقم 202 سكن لورانس العرب. ومن شرفة الغرفة رقم 215 أعلن الملك فيصل عام 1918 بأن سوريا قد نالت استقلالها.

أرمين مظلوميان، آخر ورثة بارون، قال لكريستين، مؤشرا بيده في اتجاه خزانة الملابس والسريرين الموضوعين في الغرفة “هذا الأثاث أصلي ويعود إلى عشرينات القرن الماضي”. ثم يضيف صاحب الفندق قائلا “رغم ترميم قطع الأثاث واستخدام فراش جديد للأسرة”.

مستجدات الأثاث هي جهاز التبريد والثلاجة الصغيرة وجهاز التلفزيون وغرفة الحمام، أما بلاط الأرضية فقديم. من خلال ذلك تتوفر المتطلبات العصرية للنظافة والراحة مع المحافظة على الجو التاريخي الأصيل.

غرفة رقم 203

فندق بارون
فندق بارون

الجناح الرئاسي الوحيد بالنزل، كما يؤكد سجل كبار الضيوف، استقبل كثيراً من الزعماء والمشاهير، جمال عبدالناصر، الذي ألقى كلمة من شرفته عام 1958، وحافظ الأسد حين كان وزير دفاع، والحبيب بورقيبة، وإبراهيم هنانو، وفارس الخوري.

أقامت هنا أيضاً العائلة الملكية السويدية عام 1936 في طريقها نحو الهند، وشارل ديغول، وتيودور روزفلت، ورائد الفضاء الروسي يوري غاغارين، ورائدة الفضاء الروسية فالنتينا تيرشكوفا، والملياردير الأميركي ديفيد روكفلر، إضافة إلى عدد كبير من الكتّاب العالميين، منهم الأميركي الأرمني وليام سارويان، والإنجليزية فريا ستارك.

كذلك استضاف الفندق العالم الإيطالي باولو ماتييه، والعالم البريطاني جورج سميث (مكتشف اللوح السابع من ملحمة جلجامش). ومات سميث في الفندق، ودفن في (مقابر اللاتين) في حي الشيخ مقصود.

والأهم من ذلك كله، في الغرفة رقم 203، أقامت ملكة الغموض أغاثا كريستي فترة طويلة فاقت كل زواره.

لا يحتاج المرء إلى خيال خصب ليتخيّل هذه السيدة الإنجليزية تجلس على كرسي من طراز “تونيت” موضوع في مواجهة خزانة قديمة بمرآتها المصقولة، والأعمال الخزفية الدقيقة المحفورة على الجدران والأدراج المطعمة بمقابض ذهبية.

كانت أغاثا تردد ببهجة كل صباح تحية “صباح الخير” وهي تعبر السلالم الواسعة في طريقها إلى فرندا الحديقة، لتجلس هناك وتتناول الشاي في نفس الوقت الذي تكون فيه منهمكة في إعداد روايتها “جريمة في قطار الشرق السريع”.

وقليل من الخيال أيضا يكفي، لنسمع أصوات الضيوف في حفلات رسمية، يتحدثون ويتهامسون، ويقررون مصائر الشعوب، في قاعة الطعام الكبيرة في الطابق الأرضي من فندق “بارون”.

أما الآن – قبل أن تندلع أحداث سوريا الأخيرة، وتشهد حلب ومعها نزل بارون دمارا غير مسبوق – فإن النزلاء يتناولون طعام الفطور تحيط بهم جدران مطعّمة بالخشب وأبواب قوية صلدة ذات مصراعين وبلاط أخضر بيج بني وأغطية منحنية لمصابيح الإضاءة.

هذا الخليط المفصل من الأشياء يجعل من فندق “بارون” فندقا فريدا من نوعه، كمعدات الهاتف المتماسكة الضخمة ذات اللون الأخضر الغامق في موقع الاستقبال، وفاتورة حساب لورانس ببروازها ولافتة التنك المخدوشة المنقوشة عليها عبارة “نادي العربات الألماني المشيد عام 1899” في مدخل الفندق وزجاجة المشروب الروحي “ييغير مايستر” التي أكل الدهر عليها وشرب، المرصوصة في خزانة صغيرة خلف البار.

لا يعطي فندق بارون الانطباع بوجود أداء مهني متكامل بل بجوّ أصيل جذاب بحكم طابعه العائلي وفق وصف كريستين للمكان.

تاريخ عائلة

كريستين هيلبيرغ: بارون المكان الذي اتخذت فيه  قرارات وحيكت المؤامرات
كريستين هيلبيرغ: بارون المكان الذي اتخذت فيه  قرارات وحيكت المؤامرات

تاريخ هذا النزل هو أيضا تاريخ عائلة مظلوميان الأرمينية، التي كانت وما زالت مالكة لهذا البناء. يقول أرمين مظلوميان الذي بدأ في إدارة أعمال الفندق منذ منتصف السبعينات، إنه قد كتب على الفندق أن يتحمل العديد من محن العهود العصيبة، فقد مر بحربين عالميتين، وبعمليات تشريد وانقلابات عسكرية، ومرحلة اشتراكية دامت 35 عاما.

ويضيف هذا الرجل البالغ 54 عاما بإصرار بأنه سيرفض في المستقبل أيضا كافة المحاولات الرامية إلى شراء الفندق أو ضمه إلى إحدى المجموعات الفندقية. ويبرر ذلك بروح التزامه تجاه عائلته وبكون عائلة مظلوميان هي التي بادرت بإنشاء قطاع الفنادق في مدينة حلب.

قرابة عام 1870 قام أحد أجداده القدامى بالسفر من الأناضول متوجها إلى القدس بغرض القيام بفرائض الحج. مر يومها بمدينة حلب التي اشتهرت في ذلك الحين أيضا بكونها مركزا عالميا للتجارة كما لاحظ بأن خانات المنام التقليدية لم تكن مريحة على الإطلاق بالنسبة للأوروبيين الذين يقيمون هناك.

وعندما رأى فنادق القدس الحديثة عقد العزم على إنشاء فنادق شبيهة بها في حلب. وبالفعل أنشأ هناك في نهاية القرن التاسع عشر فندق “عرارات” الذي كان أول فندق من هذا النوع في المنطقة.

يروي أرمين تفاصيل ذلك فيقول “بنى ابنا الجد كل على حدة فندقا له إلى أن قررا العمل على بناء مشروع فندقي كبير مشترك”.

من هنا جاءت بداية عهد “بارون”، حيث بني وسط الحدائق الواقعة في أطراف المدينة عام 1909 الطابق الأول من الفندق، ثم الطابق الثاني عام 1911 وطابقا آخر عام 1940.

كان بوسع نزلاء الفندق من الأوروبيين، صيد البط من فوق “فرندات” غرفهم، وممارسة الدبلوماسية من فوق كراس وثيرة مصنوعة من الجلد في الصالون الفاخر، والتجادل في حانة البار حول الأحداث العالمية الراهنة حينذاك، وحياكة المؤامرات.

وسرعان ما أصبح نزل “بارون” مقرا لمن لمع اسمه واشتهر في الشرق الأوسط، من رجال السياسة أو الأعمال أو من العسكر. وكان معظم نزلاء الفندق حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية من البريطانيين والألمان.

قال أرمين ذلك فيما راح يتصفح في كتاب سجل ضيوف، “كثيرا ما تقمص جواسيس بريطانيون صفة علماء آثار للتجسس على جنرالات ألمان عمدوا إلى إقامة حفلات فاخرة لحلفائهم العثمانيين”.

رحل أرمين عن عالمنا وترك خلفه نزل البارون مدمرا، وترك أيضا أرملته روبينا تاشجيان، لتقص علينا الفصل الأخير من قصة ملكية العائلة للفندق الشهير، وهي تحاول عبثاً إخفاء رجفة قلبها، فيما تتحدّث عن الفندق الذي يستعدّ لطيّ صفحة استثنائيّة من السجلات العريقة لمدينة حلب، وبات في حكم المؤكد أنّ أصحاب الفندق اتخذوا قرارهم ببيعه، ليتحوّل قرنٌ من التاريخ الحلبي إلى (أمانة) في عهدة المجهول.

16