أغاني الحياة لأبوالقاسم الشابي..

ربما لا يوجد شاعر أو أديب أو كاتب تونسي أكثر شهرة من أبوالقاسم الشابي، ولم يخل كتاب مدرسي تونسي من قصيد أو بيت للشابي. شاعر تونس الأول، كما يقال عنه دائما، قرين لمفارقات كثيرة. هو الشاعر الذي عاش حياة ضنكة واشتهر بعد وفاته شابا. وهو أيضا الذي عاش عمرا قصيرا (ولد عام 1909 وتوفي عام 1934) ولم يتح له أن يكتب ديوانا آخر غير أغاني الحياة الذي فتح له (بعد وفاته) أبواب الشهرة العربية على مصراعيها. وهو كذلك الشاعر الذي استوردت شهرته من مجلة أبولو المصرية التي نشر في صفحاتها قصائده قبل أن تودعَ في ديوانه. الشابي الذي كتب للحب والحياة والحرية والإنسان، كان يستلهمُ قيمه من بيئته الواحية الجنوبية (في منطقة توزر جنوب تونس) التي ولد بين ظهرانيها، وكان يستمد مضامين قصائده من واقع الاستعمار الفرنسي لبلاده، وكان يحرض على الثورة وعلى الحياة، تحول بعد وفاته إلى رمز لكل تلك المضامين. كانت للشابي قدرة عجيبة على تحويل كآبته الخاصة ومواقفه الحادة من محيطه وزمنه وبيئاته (هنا إشارة إلى تغير بيئات الشابي من مولده في توزر إلى العاصمة حيث درس وأقام فقيرا) إلى طاقة محفزة على البذل والثورة والانتفاض ضد الركود: الركود الأدبي الذي جعله في مقام آخر يكتب “الخيال الشعري عند العرب”، والركود السياسي والفكري الذي أشار إليه في قصائده، والركود الاجتماعي وكان حاضرا أيضا في نقده للكسل المجتمعي على التطور والتطوير. هذا إضافة إلى مذكراته التي صدرت في كتيب بعنوان «مذكرات الشابي» وقدمت جانبا قصيرا من حياته الشخصية. كتاب أغاني الحياة، الذي صدر لأول مرة عام 1955، بعد أكثر من عقدين من وفاته، من الكتب التي ستظل تمدّ القارئ برؤى مفيدة راهنا ومستقبلا، وهو ديوان شعري يحتوي على الكثير من القصائد التي مازالت تستدعى اليوم في كل منعرج سياسي أو فكري يحتاج إلى برهنة بأبيات من الشابي. بيت “إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر”، كان درسا في الحرية، وهو بيت يصلح في كل الأزمان وكل الفضائات والميادين، العربية أساسا وحتى غير العربية. لذلك فإن ديوان “أغاني الحياة” وفر بقيمه ومضامينه ما يقيم الدليل على أنه من الكتب التي لا تموت، وأثبتت دروس الواقع والسياسة والأحوال العربية ذلك في اختبارات كثيرة.
السبت 2017/12/16
الشابي ملكية فكرية عربية

لو أنه لم يكتب سواها لكانت تلك القصيدة سببا مقنعا لضمه إلى حشد شعراء القصيدة الواحدة وهم رهط من العباقرة المنسيين الذين لمسوا الجوهر السحري الغامض للشعر وقبضوا على شيء من جمره من خلال قصيدة واحدة كتبوها ومضوا. ولكن ذلك الشاعر التونسي جاءه المجد من حيث لا يحتسب. فلو أنه لم يكتب من قصيدته تلك سوى بيت واحد، لكان بسبب ذلك البيت أكثر الشعراء العرب شهرة وأقربهم إلى الشفاه التي لم تتعلم القراءة، وإلى العيون التي لا تتنقل بين سطور الكتب.

بيت من الشعر كان في إمكانه أن يحوّل شاعرا إلى أيقونة وجودية اختصرت مسيرة الإنسان بجملة يتجاذبها فعل الشرط وجوابه. لعبة لغوية يمكن أن نكررها لنصنع منها الآلاف من الجمل ذات المعنى، غير أنها لا تملك غصة الأصل الذي ذهب إلى الروح بخفة كما لو أنه يعود إلى المكان الذي انبعث منه.

كتب أبوالقاسم الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر”. ما من حقيقة أكثر بداهة إذا رغبنا في الاسترسال من أجل أن يكون المعنى واقعيا، ولكن الشعر، بقدرته على أن تحل اللغة محل الواقع، وهب بيت الشابي القدرة على التقاط الحقيقة في أكثر صورها شفافية وبأقل الكلمات متخطيا كل حواجز المعاني المتداولة. لا تفاصيل ولا زوائد ولا جدل بعد أن امتزج الشكل بالمضمون وانتقل الخطاب من موقعه النخبوي إلى أرصفة الشوارع، حيث نداء الثورة.

إرادة الحياة باعتبارها مفتاحا

بسبب بيت واحد صار النخبوي رجل شارع، والوجودي المتشائم زعيما ثوريا متفائلا، والعاشق المكسور رسول حب تروي كلماته شفاه الجميلات المسترسلات في أحلامهن. يكفي أن تقول “إذا الشعب” ليكون أبوالقاسم الشابي حاضرا بقوة لفتته الإنسانية ورقة حواسه. لقد احتال الشابي على موته المبكر فارتقى سلما للخلود بطريقة، تبدو كما لو أن القدر قد خدمه فيها. “أصغي لموسيقى الحياة ووحيها/ وأذيب روح الكون في إنشائي”، وهو ما فعله حين كتب ديوانه “أغاني الحياة” الذي هو أكثر من نجوى جبرانية (نسبة إلى جبران خليل جبران الذي تأثر به) وأكثر صلة بالواقع من الشعر المهجري الذي أراد الانتساب إليه بسبب شعوره العميق بالغربة في بلاده.

حياة صنعها الشعر

وهبه الشعر ما لم يعثر عليه في الواقع. وهبه حياة لم يعشها. فمجموعة الأقدار التي تألفت منها حياته صنعت منه نموذجا للشخصية الرومانسية الخارجة لتوّها من كتاب عظيم من نوع “آلام فرتر” لغوته. سلسلة من الوقائع الحزينة مشت به في اتجاه مصيره المحتم. قلبه المريض، وفاة الفتاة التي أحبها وهي صغيرة العمر. تنقله بين المدن التونسية بسبب عمل والده، دراسته في أكثر الجامعات تمسكا بالتقاليد، جامع الزيتونة وهو الشاب المتمرد، المشدود إلى عصره، زواجه المبكر إرضاء لوالده، وأخيرا وفاة والده التي ألقت بظلال قاتمة على حياته.

كانت هناك قوتان تتجاذبانه. شعور داخلي عميق بالضياع وتكلفة العيش الخارجي وسط سوء الفهم المشاع باعتباره عملة يتداولها الناس العاديون. لذلك ليس من اليسير تفسير ما انطوى عليه شعره من معان تمجد القوة والأمل والسعادة والطموح والثقة بالمستقبل. كان من الممكن أن يتسلى قارئ مصطفى المنفلوطي بعذاباته الشخصية من غير أن يلقي نظرة على مصير الشعب الذي كان ينتظر بزوغ مجده من غير أن يجد إليه سبيلا.

بين عدوين أقام مجده

كانت حياة أبوالقاسم الشابي تقيم بين مزدوجتين. الداخل العدو حيث المرض الذي لاحقه منذ الطفولة، والخارج العدو حيث الصدام مع التقاليد الأدبية “الشعرية” الجامدة ومسؤوليات اجتماعية كانت أكبر من قدرته على أن يتصدى لها وهو الشاب المريض. غير أن الشعر ألهمه القوة بما نفخه في روحه من هواء البطولة المتخيلة التي تنبعث من اللغة “سأعيش رغم الداء والأعداء/ كالنسر فوق القمة الشماء/ أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا/ بالسحب والأمطار والأنواء”، إلى أن ينهي القصيدة التي بدأ بها ديوانه الوحيد “أغاني الحياة” بالكشف عن السبب الحقيقي الذي دفعه إلى كتابتها من خلال مخاطبة خصومه بطريقة مباشرة “وترنموا ما شئتم بشتائمي/ وتجاهروا ما شئتمُ بعدائي/ أما أنا فأجيبكم من فوقكم/ والشمس والشفق الجميل إزائي/ من جاش بالوحي المقدس قلبه/ لم يحتفل بحجارة الفلتاء”.

قصيدة “نشيد الجبار” التي تكشف عن جزء مهم من المواجهة الصعبة التي عاشها الشابي وهو يسعى إلى الدفاع عن قيم “شعرية” حديثة في مواجهة مؤسسة أدبية متماسكة ورصينة وثقيلة في قوة تأثيرها، هي في حقيقتها تنويع على الأفكار التي استعارها أبوالقاسم من “نبي” جبران خليل جبران. لقد أعانه النبي على أن يحوّل ربع القرن الذي عاشه إلى قوة خلق جبارة.

أبوالقاسم الشابي الذي ولد في قرية “الشابة” بتوزر التونسية عام 1909 وتوفي عام 1934 هو ابن التحول الشعري العربي الذي شهدته بدايات القرن الماضي بتأثير من المدرسة اللبنانية التي قادها شعراء مهجريون من نوع إيليا أبوماضي وجبران خليل جبران، وكان من الطبيعي أن ينشر عددا من قصائده في مجلة “أبولو” المصرية التي أشرف عليها أحمد زكي أبوشادي الذي ركز على النشر للمغمورين من الأدباء، فكان أن ظهر اسم الشابي إلى جانب أسماء أحمد شوقي وإبراهيم ناجي ومحمد مهدي الجواهري وسيد قطب وإيليا أبوماضي وإلياس أبوشبكة.

في تلك المجلة التي صدرت ما بين عامي 1932 و1934 وجد الشابي مكانه الحقيقي بين رواد التغيير. الشاعر الذي قال في إحدى قصائده “خلقنا لتبلغ شأؤ الجمال/ ونصبح أهلا لمجد الخلود” كان عميقا في نبوءته.

أبوالقاسم الشابي في سطور:
◄ أبوالقاسم الشابي شاعر تونسي ولد في قرية الشابية في محافظة توزر. الجنوبية يوم 24 فبراير 1909 وتوفي يوم 9 أكتوبر 1934.

◄ نشأ وترعرع خارج مسقط رأسه باعتبار تنقل والده (الشيخ محمد الشابي) إلى مدن تونسية كثيرة تبعا لمقتضيات عمله في سلك القضاء.

◄ التحق بجامعة الزيتونة في سن الثامنة عشرة، وحصل فيها ثقافة واسعة جمعت بين التراث العربي القديم وبين الأدب الحديث في العراق ومصر وسوريا والمهجر.

◄ نشر قصائده وذلك في مجلة (أبولو) المصرية التي فتحت له باب الشهرة في المشرق.

◄ صدر كتاب (الخيال الشعري عن العرب) عام 1929 وهو محاضرة ألقاها الشابي عن الموضوع، وتعرض إلى مضامين الخيال في التراث الشعري العربي، والخيال في الأساطير العربية.

◄ صدر ديوان (أغاني الحياة) عام 1955 وعكست قصائد الديوان مواهب الشابي وقدراته الأدبية الغزيرة، وقد احتوى الديوان مجموعة كبيرة من القصائد أشهرها (إرادة الحياة). وأيضا (نشيد الجبار (أو هكذا غنى بروموثيوس)).

لقد تم الاعتراف به عربيا قبل أن يسمع باسمه أحد من مواطني بلده. كان شعوره العميق بالغربة باعتباره كائنا رومانسيا قد أنقذه عن طريق الصدفة من الوقوع في فخ الجدل مع أعدائه المحليين الذين لم يكونوا سوى كائنات مجترة.

وصية الشاعر

برغم حرصه على أن يكون شاعرا مجددا في إطار تقنيات لغوية جديدة لم يألفها الشعر العربي، فإن الشاعر الشابي ظل مسكونا بموقفه الوطني المناوئ للاستعمار الفرنسي. وإذا ما كان الشابي لم يمهل الآخرين فرصة لتقييم شعره في حياته بسبب عمره القصير، فإن ذلك التقييم سرعان ما حضر لأسباب غير شعرية.

لقد أعادت إليه المرحلة الناصرية في مصر الاعتبار، فأصبح شاعر الشعب العربي من خلال قصيدته “إرادة الحياة”. وهي قصيدة تحضر على الأقل ببيتها الأول كلما حدث تغيير عظيم، يكون الشعب مصدره. كان التونسيون سعداء وهم يرون نبوءة شاعرهم تتحقق بعد حوالي سبعين سنة من وفاته. لقد تأكدوا من أنهم الشعب المقصود بتلك النبوءة.

يوم قامت ثورة الياسمين رددت الملايين “إذا الشعب يوما أراد الحياة”، وكان ذلك الشعب هو الشعب التونسي. لقد وضع الشاعر شعبه على خارطة الأمل حين تنبأ بربيعه. يقول “ضيع الدهر مجد شعبي ولكن/ سترد الحياة يوما وشاحه”.

“أغاني الحياة” الكتاب الشعري الوحيد الذي كتبه فتى الشعر العربي أبوالقاسم الشابي هو سيرة حياة، وإن كان الشابي قد كتب يومياته وهو ما لم يكن مألوفا في الحياة الثقافية العربية.

لأسباب شخصية كثيرة كان الشابي شغوفا بالحياة التي يعرف أنه مفارقها. لقد ترك وصيته وهي وصية ستعمر طويلا بالرغم من بداهتها. سبق أبوالقاسم الشابي الجميع إلى النبع الذي صار لاحقا مدرسة للحرية.

كاتب عراقي

17