أغاني المهد ترنيمة الأمهات منذ آلاف الأعوام

تردد الأمهات قديما في المجتمعات العربية أغاني المهد التي تهدهد الطفل وتساعده على الاسترخاء والنوم، وتحمل هذه الأغاني كلمات ذات بعد رمزي تؤدي الأم لحنها ذي الطابع الفني العربي الموروث بصوت هادئ، فتصور واقعها الاجتماعي ووضعها النفسي وتتغنى بأمومتها، وتختلف هذه الأغاني من دولة عربية إلى أخرى خاصة في الكلمات، ولكنها تشترك في ما تحمله من فوائد للطفل ورثتها أمهات اليوم عن جداتهن.
الاثنين 2015/08/17
أغاني المهد طريقة تقليدية لتنويم الرضيع انتقلت من جيل إلى آخر

لا بدّ من الإشارة إلى أنه في أغاني المهد التي تُسمّى كذلك بالربّاج لدى العرب قديما تندمج النغمات مع الكلمات في وظيفة شديدة الخصوصية تتمثّل في مساعدة الطفل على النوم وهو ليس بالأمر الهيّن دائما.

فاللحن والصوت أساسيان للاضطلاع بهذه الوظيفة التي تشغل بال الأم، والوالدين عموما، في المرحلة الأولى من نموّ طفلهما.

إن أغاني الربّاج لا مثيل لها في تلقائيتها وعفويتها وفي سهولتها شكلا ومضمونا. هي في الآن ذاته وسيلة نفسية، بمثابة مهدّئ لا نظير له، وذات غاية تربوية في توجهها إلى الطفل، كما هي وسيلة للتأمل والتفكير بالنسبة إلى الكبير، إضافة إلى كونها مرآة عاكسة للمجتمع وقضاياه ولعلاقة الأم بطفلها.

وعلى هذا النحو ليس من قبيل الصدفة أن تكون الربّاجة الأكثر ذيوعا في الثقافة الشفوية التونسية التي مازالت تحفظها الذاكرة الجماعية، وهي التي مطلعها:

ننّــــــي ننّـــــــي

جـــــــاك النـــــوم

أمــــك قـــمـــرة

وبـــــوك نجــــوم

إن التنصيص على الأم والأب ليس من محض الصدفة، إنما هو إثبات لهوية الطفل عند دعوته إلى النوم، “ننّي” وإبلاغه ـ وهذا هو الأهم ـ أنهما هنا حاضران قريبان منه يرعيانه ويحميانه وينشغلان به، بل إن شغلهما الشاغل هو ولا أحد غيره.

أما إذا كان لا بد من ذكر غير الأم والأب، فإنه عادة ما تذكر الأشياء والكائنات التي تخلب ألباب الطفل في السنوات الأولى من عمره مثل الحيوانات الأليفة التي تسترعي انتباهه، ولعل ذلك يعود من ناحية إلى مشابهته له في صغر حجمها، ومن ناحية أخرى إلى استطاعتها أن تقوم بما يعجز عنه وما يتمنى القيام به كالجري بسرعة عجيبة (القطط) أو الطيران مثل العصافير والطيور التي تطلق أصواتا غريبة ولها علاقة بالنوم واليقظة مثل الديك.

حرف النون من القوافي الشائعة في الرباج وهي نون النسوة دون منازع، هكذا سماها نحاتنا العرب منذ قديم الزمان

يا بنّانة السردوك (الديك)

جيب النوم يرحم بوك

وعموما فإن التشابيه والاستعارات والأساليب البلاغية الأخرى على بساطتها عادة ما تحيل على أشياء يعسر أن نعثر عليها خارج عالم الطفل بمكوناته الحسية البسيطة إلا إذا كان هاجس المربّج الشخصي في اللحظة التي يربّج فيها الطفل قد طغى على هاجس الطفل نفسه. ولذلك كثيرا ما يعمد المربّج إلى استدعاء ما لا يوجد أحلى منه في ذائقته: ما حلا طعمه من التمر وحب الرمان (اللّذين تعوّضهما الحلوى والشكلاطة اليوم) وهو ما لا يختلف فيه اثنان:

بيك الزان وبيك الزان

اصباعك تمر الفــــزّان

وخدودك حبّ الرمّــان

وما صوّر فيك الرّحمان

إن خيال الأم كما يتراءى لنا من خلال الربّاج منجم لا ينضب تماما مثل الحب الذي تكنه في صدرها لطفلها، ولذلك فإن أهم ما يمكن أن يرسب في أذهاننا بعد السماع إلى كمّ هائل من الربّاج هو موسيقاه، لحنه الهادئ والمهدئ للطفل والمنوّم له. فكثيرا ما يستهلّ الربّاج بكلمات وما هي في الحقيقة بكلمات، بل أصوات وأنغام تتردد في الربّاج على اختلاف مضامينه:

لا لي بيها ولا لي بيها

زيت الساحل لقطاطيها ( لشعرها)

أو ليرلّي ليرلّي يكبر ويدلّلني صغيري.

كنا قد أشرنا إلى “الربّاجة” الأكثر ذيوعا في تونس إلى الآن: ننّي ننّي جاك النوم … هذا المطلع يتكرر باستمرار في هذه الربّاجة الطويلة تماما كما هو في الموشح.

اللحن والصوت أساسيان للاضطلاع بهذه الوظيفة التي تشغل بال الأم والوالدين عموما في المرحلة الأولى من نموّ طفلهما

فبعد كل ثلاثة أبيات تستعيد الأم هذا الاستهلال- اللازمة- لا لتذكير نفسها وطفلها فقط بأن الغاية الأولى مما تنشده له هي نومه ولا تأكيدا منها على حضورها وحضور الأب إلى جانبه فحسب، وإنما لتلفت انتباهه بالتكرار المطمئن، والأطفال ولعون بطبعهم بالأغاني التي تنتظم في إيقاع تكراري طقسي يسهل التعرف عليه.

كما أنّ قافية هذه التربيجة قافية ميمية، وحرف الميم هو حرف الأمومة دون منازع باعتباره تشكيلا صوتيا لفعل الرضاعة الذي تحتكره الأمهات دون غيرهن، والذي لا مناص للطفل الرضيع من التمتع به دون ضمّ الشفتين، كما تُضَمّان كل مرة وفي كل أفواه الآدميين وهم ينطقون حرف الميم، ولعل هذا ما يفسر خلود هذه التربيجة في الثقافة الشفوية التونسية وذيوعها دون غيرها.

أما القوافي الأخرى الشائعة في أغاني المهد فهي النون، رأيناها في مثال “بيك الزان، بيك الزان” وتعترضنا بكثرة في الربّاج، والنون هي نون النسوة دون منازع كذلك، هكذا سماها نحاتنا العرب منذ قديم الزمان، أما إذا تردّدت قواف أخرى بكثرة في الربّاج، فهي عادة ما تكون من ذلك الجنس من الأصوات التي تطلقها حروف عزيزة دون غيرها على مسامع الصغار مثل السين والشين.

يا ونّــاس و يا ونّــاس

ما جبتك لين شاب الراس

قالوا عاقر ما تضناش

غير طلّقـها بنـت النـــاس

واضح من خلال هذا المثل الأخير، أنّ الأمّ بقدر ما تربّج طفلها، فهي تربّج نفسها وتسكّن من أوجاعها. فهي لم تلد طفلها إلّا بعد أن شاب رأسها وشاع أنّها عاقر ويحرّض معارفها زوجها على الطلاق منها. وما أكثر أغاني المهد التي تعبّر عن معاناة الأمومة والمرأة في المجتمعات التقليديّة التي لا يتّسع المقام لذكرها.

12