أغاني يهود اليمن تمنح التراث اليمني نكهة عالمية

لا يزال يهود اليمن يتشبثون بالكثير من ألوان تراثهم الثقافي والفنّي اليمني، رغم مضي ما يزيد عن ستة عقود على رحيل معظمهم من البلاد. وقد تجلّى هذا الحرص على التمسك بالجذور في محافظتهم على طقوس ثقافية واجتماعية، انقرض الكثير منها في وطنهم الأم.. ويعدّ الغناء اليمني القديم أبرز صور التراث اليمني الذي أعاد إحياءه يهود كثر وانتقل صداه إلى المجتمع اليمني ولاقى رواجا وشعبية منقطعة النظير.
السبت 2015/06/27
فرقة "يمن بلوز" تعد نموذجا لفناني اليمن اليهود الذين احتفوا بالتراث الغنائي لبلدهم الأصلي

حظيت الأغاني اليمنية التي غناها فنانون يهود من أصل يمني بشعبية وضاحة في الكثير من الدول الغربية، حيث ظهرت العديد من الفرق الفنية التي مزجت الغناء اليمني التراثي مع الآلات الموسيقية الحديثة التي أضفت مسحة حداثية بعض الشيء على تراث موسيقي موغل في القدم.

وقد اشتهر الكثير من الفنانين اليهود الذين تخصصوا في تقديم التراث الغنائي اليمني ليس في اليمن فحسب بل على مستوى العالم. وتعد الفنانة الراحلة عفراء هزاع مثلا على ذلك فقد ذاع صيتها بفضل تأديتها لأغان من التراث اليمني القديم بتوزيع جديد متأثر بموسيقى البوب، كما ساهم قيامها بمزج الموسيقى اليمنية مع الآلات الموسيقية الغربية بإنتاج نوع جديد من الموسيقى التي حققت نجاحا ساحقا في أميركا وأوروبا ومكّن ذلك عفراء من الفوز بالعديد من الأسطوانات الذهبية والبلاتينية. كما اشتهرت حديثا فرقة موسيقية ظهرت في أوروبا وحملت اسم يمن بلوز Yemen Blues، معلنة تخصّصها في تقديم الموسيقى العالمية بنكهة يمنية.

ويحرص مؤسّس الفرقة، رافيد كحلاني، في كل مناسبة على تأكيد انتماء الموسيقى التي يقدّمها هو وفرقته إلى الوطن الأم، وذلك بالتوازي مع التزامه بنمط فكري إنسانيّ عابر للأعراق والأديان والمذاهب وما إلى ذلك.

كثير من فناني يهود اليمن تخصصوا في تقديم التراث الغنائي اليمني، وأسهموا في إشاعة صيته في أميركا وأوروبا

ويستند كحلاني، في العروض التي تقدمها فرقته، إلى خصوصيّات التراث الغنائي والموسيقي اليمنية القديمة، مازجا بين أنواع مختلفة من الموسيقى مثل الجاز والفَنك والسول، وحتى موسيقى الغريوت من غرب أفريقيا.. كما يستخدم اللهجة اليمنية والعبرية بشكل أساس في أغاني فرقته.

رفيق العكوري، مدير مركز التراث الموسيقي اليمني، أكد لـ“العرب” أن النمط الذي تقدمه فرقة “يمن بلوز” والكثير من الفرق المشابهة لها حول العالم “هي في المجمل أغان تراثية يمنية ترتبط بالأرض وليس بديانة أو عرق بعينه، وإلا كنا سنجد أن الأغاني التي يؤديها يهود اليمن هي نفسها التي يؤديها يهود المغرب مثلا أو العراق.. ولذلك فهي أغان يمنية مرتبطة بالمجتمع اليمني وبالبيئة اليمنية ونقلها يهود اليمن معهم إلى كل مكان ذهبوا إليه حول العالم”.

وعن الآلات الموسيقية التي استخدمها يهود اليهود في أغانيهم يقول العكوري “من الملاحظ في التسجيلات القديمة منذ بداية الستينات من القرن الماضي لأغاني يهود اليمن استخدامهم لآلتي العود الشرقي والصحن النحاسي وكانت معظم الأغاني عبارة عن أغان شعبية يمنية”.

واستغرب “عدم استخدامهم للعود اليمني (القنبوس/ الطربي) بالرغم من وجود صانع أعواد يمنية يهودي كان يعيش في صنعاء قبل هجرة اليهود أي قبل 1948. وفي الثمانينات تم استخدام الآلات الموسيقية الغربية بكثرة في الأغاني الشعبية أو التقليدية مثل آلة الأرغن والقيثارة.. وهذا ربما ما جعلها مقبولة من قبل الشباب لأنها قدمت بقالب عصري يتماشى مع ميولهم”.

الفرقة متخصصة في تقديم الموسيقى العالمية بنكهة يمنية

كما تحدث مدير مركز التراث الموسيقي اليمني رفيق العكوري عن أهمية الدور الذي لعبه اليهود اليمنيين في الحفاظ على جزء كبير من الموروث الغنائي اليمني بالقول “لا ننكر الدور الكبير لفنانين يهود اليمن في الحفاظ على التراث الشفهي اليمني ونشره خاصة في ما يتعلق بالأغاني الشعبية غير أن الأمر تجاوز الدور الإيجابي إلى آخر سلبي من خلال قيام بعضهم بأداء أغان لفنانين يمنيين معروفين دون أخذ الإذن من صاحب الأغنية أو حتى قيامهم بنسب هذه الأغاني لأصحابها مما يسبب لبس لدى المستمع في كون الأغنية شعبية أو تراثية أو تقليدية”.

وعن أشهر الفنانين اليهود اليمنيين الذين اشتهروا بأداء الغناء التراثي اليمني يضيف العكوري أنه من أشهر فناني يهود اليمن: الفنانة العالمية عفراء هزاع (1957-2000) التي أصدرت ألبوم عام 1984 تحت عنوان “أغاني يمنية”، وقد وصل صيته إلى العالم وانتشر بشكل كبير.. وقدمت فيه مجموعة من الأغاني اليمنية الشعبية وحصلت على أعلى مراتب التصنيف الفني وحصدت مجموعة من الجوائز.

ومن فناني يهود اليمن البارزين، هناك أيضا هارون عمرام، وهو شاعر وملحن وباحث في التراث الشعبي، وسبق له أن سجل في منتصف السبعينات والثمانينات مجموعة من أغاني التراث اليمني حازت كذلك على شهره واسعة. وإلى جانب عمرام يذكر كذلك الفنان سليمان موقعه الذي قدّم مجموعة من الأغاني الشعبية بآلات يمنية مثل العود والصحن والمزمار في بداية الستينات. الجدير بالذكر، في هذا السياق، أنّ الحاخام اليهودي الشهير سالم الشبزي (1619-1720) يعدّ أحد روّاد الشعر “الحميني” اليمني، وقد عرف عنه أنه ينظم الشعر باللغتين العربية والعبرية.

وقد تغنّى بأشعار الشبزي معظم فناني يهود اليمن، لا سيما أنّ بعض القصائد المغناة المجهولة الأصل تنسب إلى هذا الحاخام الشاعر. يعرب رفيق العكوري عن أسفه قائلا “بكل أسف لم نتمكن من الحصول على ديوانه المحقق إلى حدّ الآن”.

20