أغبياء واثقون بأنفسهم

انفضّت أغلب الصداقات الطيبة من حول صديقتي، وهي اليوم تكاد تكون شبه وحيدة لولا بعض العلاقات العابرة، ولكنها لم تستيقظ بعد من جنون العظمة الذي أصابها لتنقذ ما تبقى لديها من علاقات إنسانية.
السبت 2018/06/09
عمى الغرور يعمي المصابين به فينسون أنهم لا يمتلكون الحقيقة المطلقة

تتصور الصبية المفتونة بجمالها وأنوثتها أنها الأجمل بين قريباتها وزميلاتها وكذلك صديقاتها وهي كثيرا ما تعمل على إبراز جمالها والتفاخر به، ولكثرة اعتنائها بجمالها وبأناقتها تكتسب ثقافة وخبرة جيدة في ميادين التجميل والموضة وغيرها، وتلاحظ من خلال نقاشاتها مع المحيطين بها أنها في أغلب الحالات تكون الأكثر دراية منهم في ما يتعلق بهذه المسائل، فيتهيأ إليها أنها خبيرة كفاية إلى حد لا تقبل آراؤها الجدل والنقد.

تراكمت عليها التهيؤات وكثرت في ذهنها المعتقدات وتعاظمت في وجدانها الثقات. فانتقلت من الثقة في جمالها وفي نفسها إلى الغرور. لعل اجتماع الكثرة والتراكمية في نفسية الشخص يشكلان شيئا شبيها بالمفاعل الكيميائي الذي قد ينفجر ويصبح مصدر خطر عليه بدرجة أولى وعلى من حوله في أي لحظة.

لا شك أننا جميعا نعرف شخصيات من هذا النوع، إحدى زميلاتي من بينها وقد تحولت بنظري كما بالنسبة لغيري أشبه بكتلة من العقد التي كلما تدحرجت في معترك الحياة وتقدمت في السن تضاعف حجمها وازدادت سوءا. فهي قد تنفجر صاخبة صارخة بأعلى صوتها في وجه كل من يجادلها في مسألة تتعلق بالموضة والجمال والتجميل (قد لا تعنيها أصلا) فقط لأنه يخالفها الرأي ولأن ذوقه لا يتماشى مع ما تراه قاعدة جمالية ليس لأنها قاعدة لا يجب الشذوذ عنها بل لكونها تروق لها لا أكثر.

الخطورة في وضعها هي الانتقال من الإعجاب بالنفس إلى الغرور ثم الغباء إلى درجة أنها باتت تخسر الكثير من علاقاتها الإنسانية مع شخصيات مقربة منها بسبب الطباع السيئة التي اكتسبتها بفعل الغرور. هذا هو الغباء بعينه؛ أن تخسر علاقات جيدة في حياتك بسبب عقد تراكمت داخلك لأنك لم تتوقف عند الإيمان بذاتك، بل تجاوزت ذلك إلى الاعتقاد بأفضليتك مقارنة بالغير.

عمى الغرور يعمي المصابين به فينسون أنهم لا يمتلكون الحقيقة المطلقة وأن آراءهم ليست من المسلمات. ولا تعد زميلتي شخصية شاذة في واقعنا اليوم فكثر هم المغرورون إلى حد الغباء وقد يجعلهم تشبثهم بمواقفهم وآرائهم أشخاصا تافهين. وبمرور الوقت يجدون أنفسهم على الهامش لاستمرارهم في الغلو والعناد انتصارا لذواتهم التي تبدو عندهم فوق الجميع.

انفضّت أغلب الصداقات الطيبة من حول صديقتي، وهي اليوم تكاد تكون شبه وحيدة لولا بعض العلاقات العابرة، ولكنها لم تستيقظ بعد من جنون العظمة الذي أصابها لتنقذ ما تبقى لديها من علاقات إنسانية. حديثنا قياس، فما بالك بالمشاهير وبمن لديهم كل أسباب الاعتداد والافتخار، وما بالك بالحكام وبأصحاب القرار الذين لا يفقدهم الغرور وجنون العظمة البصيرة فقط بل يصبحون عميانا وطرشانا.

24