أغلقي عينيك وفكري في إنكلترا

الجمعة 2015/06/05

توطئة قبل العرض: في الانتخابات التشريعية الأخيرة في بريطانيا، استقال من حزب العمال رئيسه إيد ميليباند محملا نفسه سبب خسارته الانتخابات البرلمانية التي فاز بها ديفيد كاميرون، وكذلك فعل زعيم الليبراليين الديمقراطيين نيك كلينغ، ونايغل فاراج زعيم حزب يوكيب الشعبوي للسبب ذاته. وفي هولندا ودول أخرى، استقال رئيس حكومة ووزراء لفشل في أداء أو تقصير غير متعمد، بل حتى في مصر استقال وزير النقل لخروج قطار عن سكته أودى بحياة مواطنين.

في العراق لن يستقيل رئيس حكومة حتى لو سقطت مدينة، ولن يستقيل وزير وإن كان متهما بالفساد، ولن تستقيل حكومة حتى لو ثبت أنها الأفسد في تاريخ العراق والمنطقة.

العرض: في أواخر سبعينات القرن الماضي، عرضت في لندن ولعشر سنوات دون انقطاع مسرحية بعنوان “أغلقي عينيك وفكري في إنكلترا”. خلاصتها أن أحد اللوردات يدعو أحد شيوخ البترول (عربي طبعا) إلى وليمة عشاء. وكان اللورد رئيسا لمجلس إدارة شركة بترول كبرى.

وعلى عادة الإنكليز الذين يتمتعون بعقل استخباراتي حتى في الأمور الاجتماعية، يقوم اللورد بجمع المعلومات عمّا يحبه الشيخ من أكل وشراب.. والأهم عن مزاج الشيخ في النساء، الذي أفادته المعلومات بأنه يحب الشقراوات، و“جزعانه” نفسه من السمراوات.

وبأسلوب اللورد المهذب، يلمح لزوجته بأن يكون بين المدعوات شقراوات بموديلات تناسب ذوق العربي في المرأة، وأن تراقبه عن بعد وترصد نظراته. وإذا استقرت على واحدة تعجبه فما عليها سوى أن تقوم بتقديمها وتترك له الفرصة، فالعربي خبير بهذه الأمور، وأشطن من إبليس في سرعة الإقناع.. إقناع النساء طبعا، فكيف إذا كانت فيه رائحة نفط.

وتجري أحداث المسرحية بين الويسكي الاسكتلندي المعتق، والسيكار الكوبي المعّفر، والعطور الفرنسية التي تقدح زناد الغرائز.. وشيخ البترول هو شيخ (القعدة).. وسلطان زمانه.. يداعب هذه ويقرص تلك، ويغازل هذه، ويرفع الكأس لتلك من محترفات الغواية.

في المشهد الأخير من الفصل الثالث للمسرحية، تمسك زوجة اللورد بذراع زوجها وتسحبه جانبا لتختلي به وقد اختلطت على وجهها علامات الدهشة والحيرة، وهي تقول:

- جون.. هنالك مشكلة.

- أرجوك، لا أريد مشاكل هذه الليلة.

ترد بانفعال محاولة السيطرة عليه:

- ليس قبل أن تسمعني.

- قولي، ماذا؟

- هل تعرف من التي أعجبت الشيخ؟

– بالتأكيد أكثر من شقراء.

- أبدا.. أنا التي أعجبته!.. إنه يريدني أنا!

يفتح عينيه مندهشا ويقول: أنت؟ لا بد أنه مجنون. يسكت لحظة وتتلاعب على وجهه انفعالات الدهشة والحيرة. ثم يقول لزوجته: حبيبتي.. أغلقي عينيك وفكري في إنكلترا!

ويسدل الستار.

تذكرت هذا المشهد من المسرحية وأنا استمع لخطبة إمام جامع أبي حنيفة النعمان (الجمعة 29 مايو) وهو يخاطب السياسيين بمرارة “إلى متى يظل العراقيون يدفعون ثمن خلافاتكم أرواحا بريئة”، وقبلها نصائح خطيبيْ المرجعية في النجف، السيدين الكربلائي والصافي للسياسيين بإصلاح حالهم، وقول الأخير “في الحكومة حيتانا ولصوصا”. وإلقاء القبض في مطار بيروت على كذا مليار دولار هربّها ابن رئيس الوزراء الذي يعمل الآن على إعادة نفسه ثالثة. وتبادل تهم باختلاس أو تهريب الملايين من الدولارات ليس فقط بين أفندية، بل بين عمامة وعمامة من نفس اللون، وطي أربعة آلاف ملف فساد في هيئة النزاهة، وكأن البلد تحكمه مافيات والناس على ما يسرق من أموالهم يتفرجون. وعدم وصول اللجنة النيابية إلى المسؤولين عن سقوط الموصل رغم تحقيقاتها التي استمرت ثلاثة أشهر. وتعهد رئيس الحكومة بأنه سيحرر الأنبار في أسبوع، فيخطب إمام “داعش” بجامع الرمادي قبل اكتمال الأسبوع: “جئنا لنبقى وندخل بغداد لنقيم دولتنا”.

وتحار في الأمر حتى تصاب بالدوار، وكأن ما يجري من أحداث في العراق هو مسرحية عنوانها: أغلقوا عيونكم وفكروا بكل شيء.. إلا العراق.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9