أغلى من ابتسامة الموناليزا: يوميات العودة إلى غرناطة

الأحد 2014/10/12
أعظم الأعمال لا يعرفها أحد

أعظم الأعمال لا يعرفها أحد.

هي كما الطمي بعد الفيضان.. تطعم نبتًا جديدًا مفاجئًا يحار بظهوره البشر.

والأعمال والطمي والنبت تعرف.

***

“تشي” أداة نداء عامية في الأرجنتين تعني “يا” (أصلها من بلنسية) ، وهي غير متداولة في دول أخرى (ربما قليلاً في الأوروغواي). ولكثرة استخدام إرنستو غيفارا لها في كل نداء صارت لقبًا كوبيًا له.

يا غيفارا.. ما زلت معنا.

***

قالت: “ومن أين لك هذه اللغة ؟”.

فكّرت: شتّان ما بين اللغة وأنا. أقرب منها فتهرب. ما هي سوى زئبق ورثناه.

***

“يستحسن أن تكون بجانبك دومًا امرأة عارية”.

(من قصيدة لماريو بينيديتي)

***

تأمّلت صديقي حازم العظمة يمشي عن بعد في الحيّ اللاتيني وهو يبتسم ويتأمّل.. ويتذكّر في تلك الهاوية الجبال التي وراء الجبال.. وطيور القطا.

***

قال حازم: ألم تلحظ أن ما من منحوتة معاصرة جيدة في باريس؟

أجبت لنفسي: نلحظ يا حازم.. وليتهم يلحظون.

***

قالت: عد إلى غرناطة وانضبّ… اشتقنا لما تكتب.

فشعرت نفسي التوحيدي.

***

اعتدت الارتماء سعيدًا في مجاهل الطبيعة، وهنا ترتمي باريس في مجاهلي.. ونرحل معًا في رحلة تيه ممتعة.

***

أمّي، وليدة بلاد التانغو، قد تغفو في بلاد الرمال المنسية.

بعيدًا وقريبًا.

ما الفارق؟ طالما أن الأشياء تبقى من بعدنا أشياء.. وإن باتت حطامًا.

***

جاءني من الحدود التركية: ” غريب أمر هؤلاء الأتراك، يلقون القبض على مجموعة من الأجانب المتأسلمين من مختلف الألوان أثناء التسلّل إلى سوريا، فيطردونهم من تركيا باتجاه .. سوريا!”.

أوامر الحلف الأطلسي لا تخالف يا خاي.

***

لحظات طيبة مع فارس حلو. أوصلني تحت المطر. تبادلنا مرارة ألفناها ونرفضها.

لأننا نعي ما زلنا نأمل.

الحياة لا تنتهي بنا.

***

أخبرني صديق في باريس أن “الحزب الشيوعي السوري” طرده من صفوفه في بداية السبعينات لأنه قبّل رفيقة.

ويتحدّثون عن داعش!

لأننا نعي ما زلنا نأمل

****

“الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله”.

هم مسيّرون إذًا (حتى في الجرائم).

أنا بليد، أعرف، لكنني لا أفهم!

كما أعرف أن هواة التأويل (المفردة تذكّرني بالموالاة) سيجاهدون لتأكيد بلاهتي.

متى يعقلون يا أبا العلاء؟

***

أعجب ممّن ييأس من رؤية دخان التفجيرات وغبارها، كيف ينسى أن المنظر باق بعد انقشاعها.

حتى ولو غدا حطامًا.

ما أكثر ما عُمّر بعد حطام.

***

وصلني أن أرملة شقيقي نمير أسّست مدرسة عربية في نواحي إسطنبول.

كان حلمه أن تكون في يبرود.

***

وجاءني صديقي صبحي حديدي.

كيف أشكر أولئك الذين أسعدوني بلقائهم لأحمل زادًا منهم إلى عزلتي الغرناطية؟

***

سيغادر هذا “الفارس” على ظهر حمارته العجوز غدًا، ليواجه المسافات المخيفة وحيدًا ، دون سانتشو يواسيه أو غادة تحييه.

ما أبخل هذا الزمن!

***

عدت أول من أمس بعد غياب مديد. معرض باريس كان فرصة للقاء الأصدقاء ليس غير. فاشل في ما يتعلّق بالمبيعات. لا أحد يشتري الألم.

***

السعادة عن بعد: أن تذكر وأن تُذكر.

وإن كان الخبز في اليد أطيب.

كأنني أشاهد مباراة للتنس: ألتفت يمينًا وألتفت يسارًا ثمّ يمينًا فيسارًا ثم..

ولا أدرك أن رأسي هي الكرة..

***

سأُعنى بخريف الحديقة بانتظار جنون يقودني إلى المشغل.

صباح العمل.

***

لو كان لي أن أشكر كلّ من التقيت وأسعدني لاحتجت لساعات رملية تحيط بالمنظر الواسع من حولي.

وثمة من لا تفي الساعات لها.

***

مع كامل الاحترام.. لكنني أفضّل الطبيب الذي يعالج الزكام بالكونياك.

***

ما أصعب أن تخاطب من لا ترى عينيه.

(بمناسبة مقابلة هاتفية مع راديو مونتي كارلو للتوّ)

لكلّ مهنة أمراضها، أمر معروف ، لكن اللافت أن مهنة السينما في بلادنا هي الأكثر تسبّبًا بتضخّم الأنا (egocentrisme).

تجدهم يحتقرون عمل الغير ويتباهون بأعمالهم ويدافعون عنها بما يشبه الاستكلاب الشرس.

لم يخطر بذهني أن أدافع عن أي عمل لي، حتى وإن قيل فيه ما قيل.. مما لا يرضيني.

***

ابتسامة امرأة سورية حرّة وحيّة فيها مسحة حزن ما.. أغلى عندي من “موناليزا”.

***

يعيّرني البعض: ما تكتبه مستغرق بالذاتية.

وكأنما الكون ليس أنا والآخر.

يخطر لي أن أجيب.. ولا أفعل.

***

عندما كنت أزوّر جوازات السفر للشيوعيين الإسبان أوائل السبعينات (زمن فرانكو) كنت أفعل باطمئنان ، ولم يفشل تزوير أبدًا.

وجاء يوم أردت أن أزوّر جواز سفري أنا فخفت.

هذا من علامات الأنانية.

***

ما من أحد يموت زورًا، لكن.. ما أكثر من يحيا بهتانًا.

***

لا تستهجنوا خلوّ النفس بعد لقاء خلاء المشغل، فقد غبت مديدًا ليتزوّد حبًا.

الأمر يحتاج لبعض الزمن. أعرف.


نحات وكاتب من سوريا

11