أغنيات في حياة بغداد

الثلاثاء 2014/10/21

ثانية في بغداد. الشوارع ذاتها التي كانت في المرة السابقة، و"الكرادة" التي كنت فيها وأكون اليوم هي ذاتها، والأصدقاء، والمرح، والقلق، والليالي، وحظر التجوال في منتصف الليل، وكل شيء.

غير أنه في المرة السابقة وفي زيارتي الأولى لم يكن هذا الشبح الأسود الذي يخيم اليوم على المدينة ويحتل جزءا كبيرا من أحاديث الناس، ونكتهم، وشاشات التلفزيون، والمواقع التي أفتحها صباح كل يوم وفق عادتي في الأسفار: "داعش".

تشعر أن الموت أخذ يركض مسرعا باتجاه بغداد وفيها، لكن العراقيين الطيبين، وعلى عادتهم، يسبقونه، هكذا هو الأمر: الموت يلاحقهم، لكنهم يلاحقون الحياة.

ففي اليوم الثاني لإقامتي القصيرة في بغداد كان مهرجان الكتب الأبدي في "شارع المتنبي"، والأصدقاء، و"دجلة"، والزوارق، والشمس، وكل شيء كما عهدته، ومساء أمسية شعرية للشاعرين "حميد قاسم"، و"أحمد عبدالحسين". أن تسمع كل هذا الشعر الجميل في مقهى رائع، وتشرب القهوة الطيبة، والأخبار تعلن أن "داعش" تقترب من بغداد، فلا أعرف ماذا يسمى هذا، وكيف يمكن وصف هذه المفارقات؟

أشعر أن بغداد تبهرني بشكل أكبر هذه المرة، لا أبالي بالمخاطر التي يحذرونني منها، والخطف والانفجارات التي يمكنها أن تباغتك في أي لحظة، بل تبهرني سهراتنا القصيرة اللذيذة، أتجاهل وجود الجنود المنتشرين في كل مكان.

أضحك على الحارس الذي كلما مررنا من أمامه كان وجهه غارقا في الهاتف النقال، وأستمتع بالنظر إلى الوجوه التي يطفح منها التاريخ بلون القمح، لا أمكث في النشرات الإخبارية، بل أكثر من سماع الموسيقى وحدي أو مع الأصدقاء، ومعي هذه المرة ألبوم لعازفي المفضل "كيهان كلهر"، فمرة كمنجته، وأخرى الأغاني العراقية المقربة للروح، والتي يوصل بهجتي بها إلى الذروة "فاضل عواد" في "القيصرية" (الصالون الكبير الذي يجمع الكل في شارع المتنبي بحميمية لتبادل الأحاديث واحتساء الشاي)، ونحن جالسون

هناك يصل من مكبرة الصوت، صوته وكلمات الأغنية التي أحب: "انت روحي، وروحي كم حب تدري بيها".

كل هذا والطريق الذي نقطعه كل يوم بالقرب من الكنيسة، وحضور الشجيرة المحببة لي: "الجهنمية"، الشجيرة الهابطة من الجنة، والتي أغبط أصدقائي لوجودها بكل هذه الكثافة في ثنايا بغداد، وواحدة منها تشعرني بالبهجة كلما مررت بها في الزقاق.

في بغداد لا يهم كثيرا أن تفكر هل ستنهي رحلتك اليومية القصيرة في شوارعها حيا أو ميتا، أو أنك لا تستطيع أن تواصل مشوارك الرياضي اليومي في شوارعها، لكنه يهمّ جدا أن تسير في الزقاق ذات مساء، فتسمع من دكان صغير صوت السيدة تغني الخيام: "أولى بهذا القلب أن يخفقا".


شاعرة ومترجمة من إيران

15