أغنية "أوتيل كاليفورنيا" توفر لبريطانيا نموذج علاقة مع أوروبا

الاثنين 2016/07/04

بعد الجرح الذي أصابت به بريطانيا نفسها باختيار الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، ربما يكون أفضل خيار أمامها للحد من الأضرار والعواقب الاقتصادية والسياسية، هو نموذج مستوحى من أغنية “أوتيل كاليفورنيا”.

تقول كلمات الأغنية الشهيرة التي غناها فريق إيغلز وحققت رواجا في عام 1977 إنه “يمكنك انهاء اجراءات المغادرة ولكن لا يمكنك الرحيل”.

حين تهدأ زوبعة صدمة التصويت، يمكن لبريطانيا أن تستكمل الشكل الرسمي للخروج بإخطار الاتحاد الأوروبي بالانفصال، لكنها ستبقى فعليا داخل أكبر تكتل تجاري في العالم من خلال الانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية وفق نموذج النرويج.

ويمكن لبريطانيا التفاوض على تعزيز التعاون في مجال السياسة الخارجية والأمنية، بل وربما يكون لها رأي مسموع في البعض من المداولات الأوروبية دون أن يكون لها حق التصويت.

ومع ذلك يبدو من المستبعد أن يسود هذا الحل الذي يمثل ثاني أفضل الحلول المتاحة.

وربما تستغرق القيادة السياسية البريطانية التي شهدت انهيارا، شهورا لإعادة تحديد المصلحة الـوطنية في ما يتعلق بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي على نحو يتـوافق مع إرادة الشعب التي عبر عنها استفتاء 23 يونيو، وقد لا تتمكن من ذلك.

تلك التعقيدات دفعت رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى عدم بدء إجراءات الانفصال فورا، وإطلاق إشارة الانسحاب بموجب المادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تبدأ بمقتضاها عملية التفاوض حول شروط الانفصال على مدى عامين.

وتريد أغلبية ساحقة في مجتمع المال والأعمال الاحتفاظ بحرية الاستفادة من السوق الأوروبية الموحدة، التي يبلغ تعدادها 500 مليون مستهلك، الأمر الذي يعني الإبقاء على لوائح أوروبية وقبول استمرار حرية انتقال العاملين.

ولأن هذا المجتمع هو الذي يموّل حزب المحافظين الحاكم فمن المفترض أن يكون له نفوذ على رئيس الوزراء المقبل، رغم أن البريطانيين اختاروا الانفصال عن الاتحاد الأوروبي الذي انضموا إليه عام 1973 لأسباب على رأسها الهجرة من دول الاتحاد ورغبة في “استعادة زمام السيطرة” على الحدود والتشريع.

وترك كاميرون كأس السم متمثلة في الإخطار الرسمي بالانفصال وبدء عملية التفاوض على الانفصال لمن سيخلفه في مقعد القيادة. ويبدو أن أبرز المتنافسين على شغل مكانه كزعيم لحزب المحافظين ورئيس للوزراء في اقتراع على القيادة يجري في التاسع من سبتمبر، ليسوا في عجلة من أمرهم.

فقد أكد مايكل غوف وزير العدل وتيريزا ماي وزيرة الداخلية، أنهما لن يخطرا الاتحاد الأوروبي هذا العام بالانسحاب على أمل استطلاع الشروط التي قد تعرض مستقبلا لشكل العلاقات بين الجانبين قبل ذلك.

بل إن غوف امتنع عن وضع جدول زمني للانفصال بينما قالت ماي التي كانت تؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي إن الانفصال قد يستغرق عدة سنوات.

في المقابل تصرّ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وعددها 27 دولة، على تفادي إطالة فترة الغموض وما يصحبها من أضرار، وتريد تسوية المسألة قبل حملة انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2019 التي يتوقع ألّا تشارك فيها بريطانيا.

ولهذا تطالب الدول بريطانيا بإطلاق الإخطار الرسمي بالانفصال في أسرع وقت ممكن، وقد شددت على أنه لن تجري أي مفاوضات رسمية أو غير رسمية إلى أن تقوم بريطانيا بتلك الخطوة.

وأوضحت تلك الدول في أول اجتماع لها دون مشاركـة بريطانيا، أن النفاذ إلى السـوق الموحدة يتطلب الاحترام الكامل لما يطلق عليه “الحريات الأربع” المتمثلة في انتقال البضائع ورأس المال والعمالة والخدمات.

قد يعتقد السـاسة البـريطانيون أن الوقت في صالحهم وأنه بوسعهم الحصول على صفقـة أفضل بإطالة تلك الفترة الزمنية. لكن رغم أن الدول الأوروبية لا يمكنها إرغام بريطانيا على بدء عملية الانفصال رسميا، فهي تحتفط بأغلب أوراق اللعبة في يدها.

وتحتفط حكومات الاتحاد الأوروبي بمفاتيح بوابات السوق الموحدة، ولم يعد لبريطانيا هذا الحق بعد أن أصبحت الآن في طريقها للانفصال.

وسيؤدي طول فترة الغموض إلى الحد من الاستثمارات في بريطانيا وربما يدفع الشركات المالية إلى الابتعاد عن حي المال في لندن في الوقت الذي تستعد فيه منطقة اليورو للحياة دون بريطانيا.

وقال مسؤول بالاتحاد الأوروبي “كلما كانت فترة الإخطار أطول زاد احتمال أن يحدث الانفصال كأمر واقع. وقد بدأ المال بالفعل يبتعد عن لندن”. وستنتقل عملية تسوية المعاملات باليورو إلى منطقة اليورو دون انتظار صفقة الانفصال.

ومع ذلك مازال الساسة المؤيدون للانفصال في حالة إنكار للخيار الصعب الذي يواجهونه. والفكرة المهيمنة عليهم هي أن أوروبا لن تجرؤ على ذلك.

ويرى كريس غرايلنغ وهو من كبار المـدافعـين عـن الانفصال في حكـومة كاميرون أن الاتحاد الأوروبي له مصلحة قوية في التوصل إلى ترتيبات تجارية “معقولة” مع بريطانيا. وأكد لرويترز أن “الأمر يتعلق بنفاذهم إلى السوق البريطانية بقدر ما هو العكس” وأنه سيتعين في أي مفاوضات حماية قطاع الخدمات المالية في بريطانيا وهو أكبر من أيّ قطاع مماثل في أوروبا.

وذهب نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني المناهض للاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، حيث قال لأعضاء البرلمان الأوروبي “إذا قطعتم أنوفكم لإغاظة وجوهكم ورفضتم أي فكرة لصفقة تجارية معقولة فستكون العواقب أوخم بكثير عليكم مما هي لنا”.

وأضاف أن الخطر سيحدق بالآلاف من الوظائف للعاملين في صناعة السيارات الألمانية إذا فرض الجانبان رسوما.

ويبدو أن المرشحين الرئيسيين لقيادة حزب المحافظين يبتعدون حاليا، عن فكرة البقاء في السوق الموحدة، بسبب ما أبداه الناخبون من أولوية كاسحة للحد من الهجرة. ويأمل البعض في الحصول على وضع خاص آخر يتيح لبريطانيا سلطة أكبر في ما يتعلق بحرية انتقال العاملين.

وربما تتغير تلك الحسابات إذا حدث ركود اقتصادي أو بدأ تأثير انكماش في الوظائف أو زيادة اضطرابات للعملة كما يتوقع اقتصاديون ومؤسسات مالية عالمية.

ويريد قطاع الخدمات المالية المحافظة بشدة على حق بنوك لندن ومؤسساتها المالية ببيع خدمات في أنحاء القارة الأوروبية دون الحاجة إلى إقامة فروع مكلفة هناك.

ورغم النداء الذي أطلقه كاميرون أمام آخر قمة أوروبية شارك فيها الأسبوع الماضي فإن حرية انتقال العمالة داخل الاتحاد الأوروبي ليست مسألة كبيرة لشركاء بريطانيا. وسيؤدي تغيير اللوائح المعمول بها إلى انقسامات عميقة.

وتشعر الدول المصدرة للعمالة مثل بولندا والمجر ورومانيا أنها بذلت كل ما في وسعها لمساعدة لندن بالموافقة على صفقة تم التوصل إليها في فبراير الماضي، ولذلك لا يوجد وضع يساند بريطانيا في ما يتعلق بحرية انتقال الأفراد لتسهيل قبول نموذج “أوتيل كاليفورنيا”.

10