أغنية الراي الجزائرية من الحظر الإعلامي إلى العالمية

الجمعة 2015/02/20
الشاب خالد ينفتح على اللهجات العربية في ألبومه الجديد

الجزائر - ما زالت المدينتان الجارتان سيدي بلعباس ووهران (غرب العاصمة الجزائر) تتنازعان أبوة أغنية الراي، وتخوضان صراعا غير معلن حول شرف تبني الأغنية المثيرة للجدل، التي حوّلت عقودا من الشبهة الأخلاقية والحظر في وسائل الإعلام الثقيلة، إلى عالمية خطفت الأضواء وأصبحت سفيرا للجزائر في المحافل الفنية والموسيقية.

لم يصدق هواة أغنية الراي من جيل الستينات والسبعينات، الذين كانوا يستمعون إلى أغاني بلّمو والشيخة الريميتي في السر وكأنهم يمارسون فعلا محرما، أن يصبح بمقدورهم الاستمتاع بفنانيهم جهارا نهارا، وأن يتحوّل الحظر إلى عالمية لافتة.

فكما حررت انتفاضة الخامس من أكتوبر 1988 الجزائريين من شمولية الحزب الواحد، وأحكام المادة 120 من الدستور التي كانت تنظم حرية الناس، حررت أيضا الشباب من كبتهم العاطفي وعلاقاتهم الاجتماعية التقليدية وصار بإمكانهم الاستماع بكل حرية لأغاني خالد ومامي ونصرو وبلال والزهوانية وغيرهم، للتعبير عن مشاعرهم ونزواتهم بكل جرأة.

أغنية الراي هي طابع موسيقي اشتهرت به الجهة الغربية للجزائر، ويقول المختصون إنها ولدت في مدينة سيدي بلعباس وانطلقت في وهران، وبعدما كانت تعتمد على الطبل والناي أثناء حقبة الاستعمار الفرنسي وبدايات الاستقلال، صارت تتخذ من الأدوات الحديثة وسائل لتأديتها على الخشبة، مما زاد في جاذبيتها وبريقها وتوسع جمهورها، وبدأت تشق طريقها في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات إلى العالمية انطلاقا من بعض العواصم الأوروبية.

ويقول الفنان قويدر بوزيان إن “أغنية الراي هي سفير للتراث الموسيقي المتنوع الذي تزخر به الجزائر، ووهران هي التي احتضنت هذا الفن وطورته بفضل أبنائها الموسيقيين والمغنين، وفي مقدمتهم الشاب خالد”. وتابع: الراي بقي مسجونا في الجزائر وكان يمارس عليه الحظر من قبل الإذاعة والتلفزيون الحكوميين في الثمانينات، واقترن بخدش الحياء والمساس بالأخلاق، لكن المغني الشاب خالد استطاع في التسعينات أن ينقله إلى ما وراء البحار.

قويدر بوزيان: الراي اقترن سابقا بخدش الحياء، لكن الشاب خالد سافر به بعيدا

ويقول مختصون “إن أغنية الراي، هي في الأصل بلغة عامية بدوية قريبة من العربية يتداولها أهل المنطقة الغربية للجزائر، حيث ظهر هذا الطابع الموسيقي في بدايته، في قالب الشعر الملحون (قصائد شعرية بلهجة عامية قريبة من العربية)، إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830 /1962)، وكانت تعزف موسيقاها بآلات تقليدية على غرار الطبل والناي، وعبّرت هذه القصائد عن مآسي الجزائريين، الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الاحتلال، وبعد الاستقلال تنوعت المواضيع المعالجة بين اجتماعية وعاطفية”.

أما الانطلاقة الفعلية لطابع الراي فقد كانت في الثمانينات، على يد فنانين وفنانات كالشيخة الرميتي، والشيخ بلّمو وفرقة راينا راي، الذين أدخلوا على الطابع آلات موسيقية عصرية، منها “الساكسو” و”السانتي”، واستخدمت فيها كلمات على غاية من البساطة وكذلك بعض المصطلحات الاجتماعية، ما جعلها تنفصل نهائيا عن الشعر الملحون، وهو نقطة ضعف الطبعة الجديدة للأغنية حسب رأي المختصين والنقاد، الذين يعيبون على فناني الراي استعمال كلمات وألفاظ سوقية تمس بالذوق العام، ولا تعكس المتعة الموسيقية.

ويعد الشاب خالد (خالد حاج إبراهيم) أول من أخرج الأغنية من حدود الجزائر إلى العالمية، مع بداية التسعينات من القرن الماضي، حين حملها إلى فرنسا التي التقى فيها بمنتجين نشروها في كامل أوروبا، ولا سيما أغنية “دي دي” وهي كلمة عامية جزائرية تعني “خُذ”، والتي أخذت شهرة عالمية. وحذا حذوه الشاب مامي (محمد خليفاتي) المعروف بـ”أمير الراي”، ثم حسني وبلال وطه ورشيد فضيل ونصرو والزهوانية وغيرهم. ويعترف “الكينغ” خالد بوجود أزمة في أغنية الراي ترتبت عن عدم تطويرها وتحويلها إلى عنوان لكل غناء ساقط، وعدم التكفل بها فنيا ورسميا في المهرجانات الفنية الجزائرية، ولم تحظ بالاستفادة من الدعم الموجه لهذه المهرجانات، خاصة في ما يتعلق بالجانب المادي والمعنوي، بالإضافة إلى فقدانها لألمع نجومها.

وكشف الشاب خالد على هامش الحفل الفني الضخم الذي نشطه مؤخرا بالقاعة البيضوية في العاصمة، بأن الألبوم الذي سيصدر مطلع سنة 2015، سيحمل أغاني عديدة وبأكثر من لهجة عربية، بما فيها الشامية والخليجية. وأضاف في شأن واقع مهرجانات أغنية الراي بالجزائر، والتي أصبحت في الآونة الأخيرة تعيش أزمة جمهور ونجوم، أن “هذه التظاهرات تساهم في التعريف بالمواهب الشابة، إلاّ أنها ومع الوقت يقل الاهتمام بها وقد تختفي، وأن نجاح أي مهرجان يتطلب توفير الإمكانيات المادية وإشراك النجوم المحليين والأجانب، والعمل على استقراره ليكون موعدا فنيا معروفا، وأن يسهر منظموه على أن يكون حفل افتتاحه مبهرا”.

وختم “الساحة الفنية عرفت ابتعاد بعض الأصوات ممن يعتبرون أهم الأصوات المؤدية لهذا الطابع، ولكن مع ذلك برزت أسماء أخرى جيدة، فهناك أصوات جميلة تقدّم فنا محترما في طابع الراي، لا يختلف عن الذي كنا نقدمه سابقا، ولكنها تبقى قليلة”.

17