أغنية ديفيد الأخيرة

السبت 2017/03/04

كنتُ أعدّ طعام الغداء، بينما صوت موسيقى وأغنية قديمة عذبة للأميركي دين مارتن، بدأت تصدح من بيت جاري وحائطه الملاصق لحائط المطبخ. كان الرجل العجوز يحب أغاني مارتن جميعها؛ خاصة أغنية “تمايلي معي”، وأظنه كان يتمايل ويردد مع الموسيقى “أستطيع سماع صوت الكمانات قبل أن تبدأ العزف. عندما نتمايل في الرقص، أصبح ضعيفاً بين يديك! أنت فقط تعرفين كيف تجعليني أتمايل بسلاسة. كما المحيط المتكاسل وهو يحتضن الشاطئ”.

دهشت وأنا أقول في نفسي؛ هذا ديفيد! متى رجع من الموت؟ لم أكن في المنزل طوال الأسبوع الماضي، هل رجع في غيابي؟

كل الأفكار الغبية تأتيني وأنا أطبخ الطعام؛ مثلا حين أقطع البصل والخضراوات إلى قطع صغيرة ودقيقة لعمل حشوة “الدولمة”، يستغرقني التفكير في الوجود! فتتأرجح الأفكار بعشوائية داخل مقطورة مزعجة في رأسي، تصفّر المقطورة ولا يتوقف صفيرها إلا بعد أن تصبح الخضراوات حبات صغيرة جداً.

-“لماذا لا توفرين الجهد على نفسك وتستخدمين محضرّة الطعام؟”.

كانت شقيقتي تؤنبني أحيانا على تمسكي بالحياة البدائية ورفضي لكل ما هو حديث، لكني مازلت أحتفظ بمحضّرة الطعام داخل خزانات المطبخ، وحتى المكنسة الكهربائية كدت استغني عنها في يوم ما لولا عارض صحي كبّلني منذ شهور، ومنعني من استخدام المكنسة التي تشبه “مقشة” الساحرات. لا تقدم لي هذه الاختراعات أيّ مساعدة، على العكس؛ فصوتها المزعج يقطع عليّ تسلسل أفكاري كما أن عملية غسل القطع الصغيرة والمتعددة بعد الانتهاء من العمل تصيبني بالغثيان، بينما حين أمرّر سكينة تقطيع الطعام الحادة على لوحي الخشبي المفضل، تتحوّل الخضراوات إلى مهرجان من الألوان الجميلة المتناسقة وكأنها لوحة لفان كوخ.

اليوم، وأنا أجهز “الدولمة”، تذكرت المرة الأخيرة التي رأيت فيها جاري ديفيد؛ كان ينزّه كلبه في الحديقة المقابلة لمنزلي، لوّحت له بيدي “صباح الخير ديفيد، كيف حالك اليوم؟”، فأجابني “أعتقد أنني بخير، الحال ليست سيئة للغاية!”. هذا لأن سيارة الإسعاف مكثت في اليوم السابق أمام منزله أكثر من ساعتين، فسيارات الإسعاف كانت ضيفا شبه دائم لمنزل جاري المسّن والمريض الذي كان يعاند شبح الموت كلما فكّر في زيارته، فيصفق بوجهه ووجه رجال الإسعاف الباب كل مساء بيديه الضخمتين ثم يذهب إلى النوم مختالاً بسنواته الثمانين، وحين يستيقظ صباحا يملأ البيت ضجيجاً بأغنيات دين مارتن وهي تصدح من القرص الذي أهدته إياه حبيبته، التي غادرته وغادرت المنزل قبل عامين إلى غير رجعة.

في يوم ما، رحل ديفيد بعد أن تعب من صوت سيارات الإسعاف، ولم يتبق منه سوى حزمة ورود تركها أصحابه في حديقة منزله الأمامية، وكنسها حفيده الغبي بعد أيام قليلة وكأنه يريد التخلص منه إلى الأبد.

كنت واهمة، فموسيقى الأغنية التي سمعتها اليوم تخص الجار الجديد، حفيد ديفيد، تسربت من خلال مسامات الجدار وأنا أعدّ الطعام، كانت مزعجة ومن صنع أديل، وكانت تقول “أنا غاضبة، لا.. لا يوجد شيء لن أقوم بفعله، سأذهب إلى نهاية العالم من أجلك، لأجعلك تشعر بحبي!”.

أديل غاضبة وربما جائعة، وهذا الجار الجديد مزعج جدا لا يمتلك خفة دم جده ديفيد، حتى أني تشاجرت معه أكثر من مرة بسبب محاولاته المتكررة لاحتلال موقف السيارات أمام منزلي، والآن يزعجني أكثر بمطربته أديل، الفتاة التي تغضب وتفقد صبرها بسرعة.

بالتأكيد، لن يكون مذاق “الدولمة” هذه المرة كسابقاتها، لأن الموسيقى التصويرية قطعت أفكاري بدل أن تقطّع الخضراوات، فلم تبدُ بسلاسة المحيط المتكاسل وهو يحتضن الشاطئ!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21