أغنية من كوكب عطارد

الأربعاء 2016/04/27

غفلت برهة من الوقت وأنا أتطلع من خلال التلفاز إلى الأغاني المبتذلة والسريعة التي تزخر بها الفضائيات العربية، وسرحت في خيال بعيد لا في الهند ولا في السند ولا في جزيرة الواق واق ولا في أي قارة في العالم، فتصورت نفسي سوبرمان يطير من كوكب إلى آخر عبر أمواج أثيرية متطورة جدا.

وأول ما وطأت قدماي كوكب عطارد، شاهدت العجب العجاب، فالناس من فرط تطورهم العالي جدا علموني لغتهم المكونة من مليون حرف بظرف خمس دقائق وخمسة أعشار الثانية، وكأن سكان هذا الكوكب يدركون جيدا بأني قادم لهم من كوكب الأرض، وأن في ذهني أسئلة عديدة عن كوكبهم تتطلب أجوبة سريعة.

في مدينة عطاردون العاصمة استقبلني الناس أيما استقبال ومنحوني جهازا صغيرا بحجم الدبوس وضعوه في ياقة قميصي، وبمجرد الضغط عليه تصل المكان الذي ترومه طيرانا ودون عناء. الصحافيون أحاطوني من كل جانب وقنوات التلفزيون تبث بثا مباشرا كل تفاصيل الزيارة وتترجم ما أريده دون أن أتفوه بكلمة، وكأنهم يدركون جيدا ما يدور في خلدي من أسئلة.

التلفزيون الرسمي يقع في العاصمة عطاردون وقد أحيطت بمصابيح أثيرية متطورة وعالية الجودة، والناس فيها استعلموا بأن شخصية أرضية متخلفة قد وطأت أرض بلادهم، وأنا أحدق في الوجوه دون أن أتفوه بكلمة، فكرت في بادئ الأمر أن أقوم بزيارة إلى تلفزيون عطاردون، وقبل أن ينبس فمي بكلمة داهمتني المصابيح الأثيرية وبلمح البصر أوصلتني إلى مدير التلفزيون، وكأن تلك المصابيح تدرك جيدا الجهة التي أود زيارتها. فمنحوني جهازا صغيرا بحجم علبة الكبريت يجعلني مثلهم أطير من مكان إلى آخر بمجرد الضغط على أحد أزراره.

الصحف بدأت تنشر صوري ومقالات في مانشيتات جريدة عطرشون اليومية، نشرت تحت عنوان “شخصية أرضية متخلفة على كوكبنا”، ومانشيت آخر في مجلة عطعطار النصف يومية يقول “شبح من الكرة الأرضية في عطارد”، والتلفزيون ينقل وقائع تنقلاتي من مكان إلى آخر نقلا مباشرا وبالألوان.

قال لي مدير التلفزيون وهو يقرأ أفكاري “نعم الأغاني لدينا تمر عبر لجان فنية لبيان صلاحيتها للعرض، وذلك بظرف عشر أعشار الثانية، وأن كل البرامج تخضع للرقابة خشية الوقوع في الإسفاف والتهريج من أغان ومسلسلات وتمثيليات وبرامج ثقافية وفنية ورياضية ودينية”. وبعد جولة قصيرة في أروقة الفضائية العطاردية شعرت بالجوع فداهمتني المصابيح الأثيرية، وبسرعة الضوء وجدت نفسي في مطعم يقع في مدينة شطاردون ثاني أكبر مدن عطارد وتشتهر في صناعة السليفون الاحترازي، وهي مادة تدخل في صناعة السقوف المنزلية، لم أسأل ما نوع الطعام الذي أرومه، لكني فكرت بدجاجة محمصة، وقبل أن أرفع يدي إلى عامل المطعم وصلني الطلب فورا.

دجاجة محمصة وهي عبارة عن علبة صغيرة تشبه إلى حد بعيد علبة معجون الأسنان، وبداخلها الدجاج المحمص المضغوط، أكلت حد الشبع.

وقبل أن أمد يدي في جيبي لدفع الحساب، داهمتني المصابيح الأثيرية واستقطعت الأجور من جيبي ضوئيا، دون أن أشعر بذلك.

مدينة الفن عطارفون ثالث أكبر المدن العطاردية فيها العجيب الغريب، الكتاب والمطربون والموسيقيون والممثلون والمخرجون والمصورون وكل ما هو فني يزخرون بالحركة.

وددت الجلوس في كافتيريا المدينة، وكعادتها تقتحمني المصابيح الأثيرية وتنقلني إلى مدينة الفن، وفي الكافتيريا بالذات فكرت بالحصول على ورقة وقلم، فصحوت من غفوتي وأنا أتابع التلفزيون وأتنقل بين الفضائيات العربية والأغاني الهابطة.

مسكت قصاصة صغيرة من الورق وتذكرت غربتي وأنا في كوكب عطارد، وتذكرت أهلي وأحبائي وأصدقائي الذين تغربت عنهم وهاجرت لأجلهم، وكتبت “أشوفك وين يا مهاجر/ كلي أبأي بلد صاير/ فراكك علة العلة/ عقل بالراس ماخله/ يوم الهاجرت والله/ انفطر قلبي وصرت شاعر/ وإنت بهذا موشاعر/ أشوفك وين يا مهاجر”، والأغنية لحنها الفنان وليد الشامي وغناها الفنان حاتم العراقي ولاقت نجاحا ساحقا، وصارت أغنية كل غريب ومهاجر ومازالت تداعب أوتار قلوب الناس.

شاعر غنائي عراقي مقيم في الإمارات

16