أغيثوا الإيزيديين في كربتهم

السبت 2014/08/09

لقد تقطعت السُبل بأبناء الطائفة الإيزيدية العراقية الذين يسكنون في مدينة سنجار وما جاورها من نواح وقرى متناثرة، ووضعتهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن يواجهوا الموت عطشا وجوعا، أو يستسلموا لمقاتلي “داعش” أو “الدولة الإسلامية” كما اصطلح عليها مؤخرا.

لا شك في أن الإيزيديين هم مكوِّن عراقي أصيل يعود تواجده في العراق إلى أربعة آلاف سنة على الأقل. وبما أن ديانتهم الإيزيدية هي ديانة توفيقية تجمع بين خمس ديانات رئيسة وهي “الزرادشتية، المانوية، اليهودية، المسيحية والإسلام”، فلا غرابة أن يتعرضوا إلى حملات إبادة جماعية بحجة الكفر تارة، والارتداد تارة أخرى، والانغلاق تارة ثالثة وما إلى ذلك من تُهم جائزة تبيح للدول القوية المتجبرة الفتك بهذه الطائفة المسالمة التي يحق لها أن تؤمن بما تراه مناسبا ومُقنعا بالنسبة لها ولأتباعها، الذين يبلغ تعدادهم في العراق قرابة نصف مليون مواطن إيزيدي.

يسجِّل لنا التاريخ أن الإيزيديين قد تعرضوا إلى 72 حملة إبادة منذ زمن الزرادشتيين حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية، التي قتلت منهم في حملة واحدة أكثر من 150 ألف إيزيدي بتهمة الكفر أو الارتداد أو “عبادة الشيطان”. كما تعرضوا في العصور الحديثة إلى حملات إبادة وتطهير عرقي وديني في عام 2007 وفي أوائل أغسطس الجاري عام 2014 إثر سيطرة “داعش” على مدينة سنجار وطرد قوات البيشمركة منها، أو انسحابها المنظّم كما يزعمون، بهدف شنّ هجوم مقابل لتحرير المدينة وإنقاذ أهلها العالقين على جبل سنجار المحاصر من جميع الجهات من قبل القوات الداعشية التي رفعت أعلامها على الدوائر الرسمية.

تضاربت الأنباء بصدد عدد المواطنين الإيزيديين الذين فروا إلى الجبل وعلقوا هناك، ولكن عددهم التقريبي يتراوح بين 60.000 إلى 70.000 مواطن إيزيدي بينهم أطفال ونساء وشيوخ طاعنون في السن قضى بعضهم جرّاء العطش، وسوف يلاقي الآخرون المصير المأساوي ذاته ما لم تسعفهم الحكومة العراقية أو الأمم المتحدة أو دول أخرى مثل أميركا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان، هذه الدول العظمى التي يمكنها أن تقوم بعمليات إنزال بالطائرات لانتشال العالقين على الجبل الأجرد، ونقلهم إلى معسكرات آمنة ضمن حدود إقليم كردستان العراق. ولتتصرّف هذه الدول كما لو أن بركانا قد ثار في سنجار وأحاط جبلها الشاهق بنيران جهنمية ذائبة.

كما تناقلت الأنباء موت 40 طفلا، إضافة إلى عدد من الشيوخ المسنين والمرضى الذين لاقوا حتفهم في هذا الجبل الذي يبلغ ارتفاعه نحو 1200 متر عن مستوى سطح البحر، وهو جبل وعر جدا وليس فيه سوى ثلاث عيون ماء شحيحة لا تكفي لإرواء هذا العدد الكبير من الإيزيديين الفارين من وحشية داعش وتنظيمه البربري الذي يسبي النساء والفتيات الإيزيديات والمسيحيات ويتاجر بهن في سوق الرقيق، بينما ينهمك نوري المالكي في ما يخص ولايته الثالثة تاركا هذه الآلاف المؤلفة من البشر تواجه مصيرها المحتوم، دون أن تهتز شعرة في شاربه وكأن شيئا لم يحدث على أرض العراق.

ذكر مارزيو بابيل، ممثل اليونيسيف لدى العراق “أن هناك أطفالا يموتون على الجبل وعلى الطرقات. لا ماء ولا طعام، وهم مقطوعون كليا ومحاصرون. إنها كارثة جماعية”. أما فيان دخيل، النائب عن التحالف الكردستاني، وهي من أبناء الطائفية الإيزيدية التي انخرطت في البكاء في البرلمان العراقي أثناء حديثها عن هذه الكارثة الإنسانية التي ألمّت بإيزيديي سنجار، فقد قالت إن “الإيزيديين يُذبحون تحت راية لا إله إلا الله”، وأن “دينا كاملا يُباد على وجه الأرض”، ثم سقطت مغمى عليها بعد إنهاء كلمتها المؤثرة.

إن سيطرة داعش على سنجار أفضت إلى نزوح أكثر من مئتي ألف مواطن غالبيتهم من الإيزيديين، وبعضهم الآخر من المسيحيين والتركمان، إضافة إلى العرب من المكونين السني والشيعي، وقد وصل نحو 150.000 مواطن منهم إلى إقليم كردستان العراق، فيما علق الآخرون في حدود مدينة سنجار إثر انسحاب قوات البيشمركة الكردية.

الفزع من الذبح والقتل بدم بارد يهيمن على أفراد الشعب العراقي برمته، خاصة وأن الداعشيين قد سرّبوا بعض الأفلام المصورة على اليوتيوب تُظهر أحد أفرادهم وهو يصوّب فوهة مسدسه على ستة أشخاص منكبّين على وجهوهم وهو في وضع التهيؤ والاستعداد بينما تقول عبارة قرآنية أسفل الشاشة: “أقتلوهم حيث ثقفتموهم”، لتُفاقم رعب العراقيين وتُضاعف فزعهم عشرات المرات.

يبدو أن السيد مسعود بارزاني قد استعان بحزب العمال الكردستاني في تركيا لمواجهة خطر الدواعش، رغم أنّ أميركا قد اعتبرت هذا الحزب منظمة إرهابية محظورة، كما دعا الأحزاب الكردية في سوريا إلى أن تشارك في صد الهجمات الإرهابية الداعشية، خصوصا وأن المواجهة بين الطرفين قد اندلعت في مدينة مخمور التي لا تبعد أكثر من أربعين كيلومترا غربي مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

لا تزال أنظار العالم برمته متجهة صوب الحكومة المركزية في بغداد، وحكومة الإقليم في أربيل عاقدة الأمل على أن تتخذ الحكومتان قرارا جريئا يفضي إلى حل سريع للكارثة الإنسانية قبل أن تتفاقم، فالداعشيون قد لا ينتظرون طويلا عند وديان الجبل وسفوحه، وربما يتسلقون إلى ذروته، ويبيدون كل الإيزيديين الذين سيكونون كالمستغيث من الرمضاء بالنار.


كاتب عراقي

9