أفخاخ تدجين النظام السوري للجماعات الصوفية

الجمعة 2016/11/11
النظام السوري يريد الحركات الصوفية تحت جبته

يمكن لمن عاش في مدينة دمشق أن يلحظ قوة المؤسسة الدينية وعراقتها في محيط تواجدها، وقوة المؤسسة هذه ليست بسبب دعم النظام، بل لسعة شعبيّتها وأثرها الروحي في البيئات التي تنشط فيها، وقدرتها على الحصول على تمويل محلي من رأس المال الخاص الآتي من الطبقة البرجوازية والوسطى الدمشقية.

هذه البيئات لا تشمل ولا تمثل السنّة في سوريا، بل نسبة محددة منها، ترى نفسها نخبتهم، وهي البيئات الأكثر تأثيرا إذا ما انتفضت ضد النظام، لذا يحسِب لها حسابا، ويسعى لتدجينها والتحالف مع مشايخها، لكنه يعجز عن اختراقها أمنيا بسبب قلّة خبرته في فهم النهج الصوفي الإسلامي السني، فكان تحالفُه المتين مع الطريقة الصوفية الكفتارية والخزنوية، وغضَّ النظر عن النشاط الخيري والدعوي للمؤسسات الدينية الأخرى غير الموالية.

تولى حزب البعث السلطة في 1963، وتمكن من تحقيق الاستقرار بدعم مزدوج: الأول ريفي عبر الجيش الذي يضم أبناء الريف الأكثر فقرا، وعبر البعض من الإصلاحات التي أفادت أبناء الريف، كالتعليم والصحة المجانيين والوظائف الحكومية، والثاني تحالفه مع الطبقة البرجوازية الجديدة المتشكلة من رجال الأعمال وتجار دمشق التقليديين، والذين سيطروا على التجارة الداخلية والخارجية وعلى الصناعات الصغيرة والمتوسطة؛ في حين عارضته الطبقة البرجوازية العليا والمتوسطة، والتي فقدت مكاسبَها بسبب سياسات التأميم والإصلاح الزراعي.

وصل حافظ الأسد إلى الحكم برفقة جملة من الضباط العلويين، وبالرغم من الدعم الذي حظي به من طبقة مستفيدة من التجار والبرجوازيين، إلا أنه لاقى السخط الأكبر والرفض من الطبقة البرجوازية السنية المتدينة الدمشقية، المتحالفة عضويا، عبر صِلاة القرابة والجيرة، مع كبار مشايخ الصوفية في دمشق.

النظام السوري شمولي بطبيعته ولا تناسبه علاقات الشراكة والندية، لكنها تساهم في تخفيف الأثر الاجتماعي لسياساته

وفي مواجهات النظام مع الإخوان المسلمين، شارك الكثير من المتدينين الصوفيين الدمشقيين، جماعةَ الإخوان في “الجبهة الإسلامية”، ونالوا من القتل والاعتقال والتهجير ما نالته الجماعة، ونفي كبار مشايخها إلى السعودية، لكنه احتاج إلى شرعية إسلامية حينها، تحققت له عبر تبادل الدعم مع مشايخ أكراد مؤيدين له، بعدما فقد الثقة بالمشايخ العرب السنة.

الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية منذ استلام البعث، تمكن من تشكيل شبكة قوية عابرة للحدود والطوائف، إذ شملت شيعة من إيران ولبنان وعلويين، وأسّس مجمع النور الإسلامي وغيره من مؤسسات التعليم الإسلامي، وبات مجمع النور مقصدا لطلاب من آسيا الوسطى وأوروبا وأميركا، ويدرّس الفقه بالعربية والإنكليزية.

وشبكة كفتارو هذه، مدعومة بتمويل سخيّ من رجال أعمال مستفيدين من النظام، ومن علاقات الشبكة خارج سوريا، وبعضهم لم يكن ملتزما دينيا. وكذلك دعمت الطريقة الخزنوية النقشبندية الصوفية النظام، ونشطت في الجزيرة السورية حيث الأكراد، إضافة إلى توسعها بين الأكراد المهاجرين إلى أوروبا وأميركا، وأبرز مشايخها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، صاحب العديد من الكتب الفقهية، والأستاذ الجامعي، وهو المعروف بولائه للنظام ضد الاحتجاجات الشعبية في 2011.

الولاء للنظام ترتكز عليه الطريقتان الكفتارية والخزنوية في الحصول على الدعم من القطاع الخاص المقرب منه، والنفوذ ضمن أجهزة الدولة.

أمّا جماعة زيد الصوفية، فمريدوها هم من الطبقة الوسطى داخل دمشق. في التسعينات من القرن الماضي وقع النظام في أزمة اقتصادية دفعته إلى خفض الدعم الحكومي، وكان الفساد والبيروقراطية متجذِّرين؛ وخشية من حصول تململ اجتماعي بين الفئات السنية الدمشقية، التي لا يأمنها، سمح بالنشاط الخيري كمصدر للضمان الاجتماعي المموّل من القطاع الخاص، وسمح بعودة قيادات جماعة زيد من منفاهم في السعودية، وأبرزهم الأخوان أسامة وسارية الرفاعي، ولَدا الشيخ عبدالكريم الرفاعي أحد مؤسسي الجماعة.

ولجماعة زيد قاعدة واسعة من الطبقة الوسطى الدمشقية تفوق تلك التي تحظى بها المؤسسة الكفتارية الداعمة للنظام. حاول النظام احتواءها، لكنه لم يستطع تحويلها إلى منظمة غير حكومية، ولا أن يتحكم بمصادر تمويلها.

النظام شمولي بطبيعته، ولا تناسبه علاقات الشراكة والندية، لكنها تساهم في تخفيف الأثر الاجتماعي لسياساته الليبرالية الجديدة، فقد كانت الأعمال الخيرية لجماعة زيد تقدم الدعم للشباب الدمشقيين، خاصة للجامعيين منهم، وهي الفئة المؤثرة في الاستقرار السياسي.

وفي الواقع فإنّ شعبية هذه الجماعة مرتبطة بنأي نفسها عن موقف سياسي معلن، لذا لم ترضخ لرغبة النظام في احتوائها علنيا كما الكفتاريّة، وتعمّدت إخفاء علاقاتها مع النظام وأجهزة مخابراته، حفاظا على رأسمالها الاجتماعي.

تغير الخطاب الصوفي بعد مجازر النظام العنيفة في حماه في الثمانينات، من خطاب “ثوري” يدعو إلى دولة إسلامية تحقق العدالة للجميع، إلى خطاب يدعو إلى الأخلاق الفردية التي سيقود تراكمها إلى مجتمع إسلامي خال من الفساد.

هذه الجماعات تخلّت عن “ثوريتها”، وتعمل ضمن السياسي المتاح لها، لكنها كلّها دعمت النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، لعلّ أقلها هو تخفيف الأثر الاقتصادي الاجتماعي لسياساته الليبرالية على الفئات الفاعلة في دمشق.

من الجدير بالذكر أن المؤسسات الصوفية النقشبندية الكفتارية أو جماعة زيد، مشايخُها نخبويون، لا يخاطبون الفئات الشعبية في الأرياف السنية، فضلا عن أن دعمها لا يطال تلك الأرياف البعيدة، ولا سكان دمشق الذين ينحدرون من تلك الأرياف، إلا ما يُفرض عليها من قبل السلطة.

13