أفريقيا أولوية استراتيجية على الأجندة المغربية

بعد سنة من زيارته الأخيرة، يعود العاهل المغربي الملك محمد السادس، إلى القارة الأفريقية في زيارة نوعية لأربع دول، يرى محللون أنها بمثابة خطوة تأكيدية على عزم المغرب المضي في استراتيجيته الداعمة لتأسيس علاقات متينة جنوب – جنوب، وكذلك تعميق تواجده في هذا الركن من العالم، الذي أصبح مغريا للكثيرين بموارده الطبيعية والبشرية، ومهدّدا أيضا بمشاكله، وليس أقلها الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
السبت 2015/05/23
زيارات الملك محمد السادس إلى أفريقيا تثبت أسس التعاون جنوب جنوب

لم يخل خطاب للعاهل المغربي، في السنوات الأخيرة، من التأكيد على أن النهوض ببلدان القارة الأفريقية وتغيير الصورة النمطية التي ترسّخت منذ الاستعمار عن هذه المنطقة، لن يكون إلا بسواعد أبنائها وتعاون دولها لخلق نموذج مبتكر وأصيل للتنمية في أفريقيا، يقطع مع المقاربات والاقتراحات التي تأتي من الخارج والتي أثبتت عجزها في مسايرة التطور الذي تشهده عدة دول أفريقية.

ولم يكتف المغرب بالخطابات والبيانات الداعية إلى تفعيل التعاون جنوب – جنوب، ولكن ترجمته ميدانيا وبشكل ملموس، ثلاث زيارات قام بها الملك محمد السادس، في حوالي 3 سنوات، لعدد من الدول الأفريقية والتي تم خلالها إطلاق العديد من المشاريع الاستثمارية والتنموية والاجتماعية والصحية.

وفي تأكيد جديد على الالتزام التام بهذه السياسة، وصل العاهل المغربي الملك محمد السادس، الأربعاء إلى العاصمة السنغالية دكار، وهي محطته الأولى ضمن جولة تشمل ثلاث دول أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي ساحل العاج والغابون وغينيا بيساو.

وعلى غرار سابقاتها ستكون هذه الزيارة زيارة عمل وصداقة تهدف لتكريس الشراكة في مختلف المجالات مع هذه الدول الأفريقية، في خدمة مصالح إستراتيجية مشتركة ومتوازنة بين المغرب وشركائه الأفارقة.

ويعكس هذا الخيار الإستراتيجي إيمان المغرب بأن التعامل الندي بين دول جنوب – جنوب من شأنه أن يحقق الأهداف المرجوة منه، على عكس علاقات شمال – جنوب التي يرى الكثيرون أنها تنطوي على مستويات لا يستهان بها من نظرة التعالي الموروثة عن الحقبة الاستعمارية.

ويشكل الملف الاقتصادي والتنموي عصب المباحثات بين العاهل المغربي ورؤساء الدول الأفريقية، بالإضافة إلى التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب وتنامي الجماعات الجهادية والمنظمات العابرة للحدود.

المغرب لا يكتفي بالخطابات والبيانات الداعية إلى تفعيل التعاون جنوب – جنوب، بل هو ماض في ترجمته ميدانيا

ويشكّل تأمين استقرار دول الساحل والصحراء الممتدة جيوسياسيا من المحيط الأطلسي غربا مرورا بالسنغال ودول غرب أفريقيا ووسطها وصولا إلى السودان والبحر الأحمر، رهانا مغربيا إستراتيجيا لاستقرار أفريقيا وأمنها، وحفظ الأمن القومي المغربي من داخل هذا العمق الأفريقي.

معوقات على الخط

يعطي تموقع المملكة الجيوإستراتيجي قدم السبق والأهلية للمغرب للعب أدوار طلائعية بالقارة الأفريقية، خاصّة في ظلّ وجود بعض اللاعبين الإقليميين الذين يحاولون خلط الأوراق لصد المملكة عن القيام بواجبها التاريخي والإنساني تجاه أفريقيا.

ويبدو أنّ المغرب يعي جيدا أهداف أولئك المناوئين لدوره الأفريقي الحيوي، شأن الجزائر الّتي تدير دفة اللعبة المناهضة لوحدة المغرب الترابية، من خلال زرع جبهة البوليساريو الانفصالية داخل هياكل منظمة الوحدة الأفريقية الّتي أصبحت لاحقا اتحادا أفريقيا، وهو ما دفع المغرب إلى الانسحاب من تلك المنظمة في ثمانينات القرن الماضي احتجاجا على مراهقة الدول المسيطرة على القرار داخل هياكلها، لكنه بقي محافظا بالمقابل على علاقاته مع الدول الأفريقية ومدافعا شرسا على مصالحها.

وبالإضافة إلى العداء الجزائري المعلن للمغرب، لم يعد خافيا كذلك ما تكنه إيران من عداء تجاه سياسات المغرب الأفريقية، خاصّة أنّ طهران التي تُحاول توسيع دائرة نفوذها من الشّرق الأوسط إلى شرق القارة السمراء وغربها عبر اختراقاتها للجالية اللبنانية المتشيعة بأفريقيا خدمة لمصالحها، ترى أنّ المغرب يمثل حائط صدّ أمام نواياها التوسعية تلك كما ترى أنه يزاحمها في غرب أفريقيا روحيا واقتصاديا.

ولأنّ المغرب كان واعيا بجملة تلك المعوقات التي تبتغي الحؤول بينه وبين لعبه لدوره الحيوي في مجاله الأفريقي الطبيعي، فقد صعّب وفق تجربته الدينية الرائدة، مأمورية أولئك الذين يراهنون على محاصرته من منطلق البعد الديني، من خلال نجاحه في تدبير مجاله الديني المرتكز على إسلام سني معتدل ومتسامح. وقد عمل المغرب على محاصرة كل أشكال التطرف والقطع مع كل استغلال للدين لأغراض سياسيوية تفتح أبواب الفتنة. ما شجع الكثير من الدول الأفريقية على الاستئناس بالتجربة المغربية، من خلال إرسال طلابها وعدد من أئمتها للنهل من ثقافة المغرب الدينية والغوص في مفرداتها الأصيلة والمنفتحة على الواقع.

عندما يدافع المغرب عن القارة الأفريقية فهو يستحضر أنه يدافع عن جذوره وامتداده الجغرافي والحضاري، ويتضامن مع أسرته في القارة السمراء، دون خلفيات أيديولوجية أو حسابات مصلحية

ومن المنظور الجيوسياسي، جعل المغرب من غرب القارة الأفريقية في مقدمة اهتماماته نظرا للتقارب الديني بينه وبين بلدان تلك المنطقة، بالإضافة إلى التداخل الاقتصادي وتطابق وجهات النظر في مجموعة من الملفات الإقليمية والدولية، حيث أنّه مافتئ يدعم المشاريع التنموية للنهوض بأفريقيا التي عانت طويلا من استغلال الاستعمار.

وخلال السنوات الـ 15 الأخيرة، والتي توافق حكم الملك محمد السادس، أكّدت الدولة المغربية على حضورها القوي والفعال على الساحة الأفريقية، من خلال بعث شركات خاصّة وعمومية تعمل في مجال المصارف والتأمين والاتصالات والبناء والفلاحة وغيرها من المجالات.

وحرصت المملكة المغربية على أن تلعب دورا محوريا كبوابة للاستثمار في أفريقيا، فهي ثاني أكبر مستثمر في القارة السمراء بعد جنوب أفريقيا، وتعتمد على أصول مصرفية ممتازة، ومؤهلة عبر ذراعها المالية المتمثلة في المركز المالي بالدار البيضاء، لتُصبح منصة استثمارية في اتجاه أفريقيا، بالإضافة إلى اتّصالات المغرب التي تدير شبكة واسعة تغطّي أفريقيا.

وقد ساهمت تلك المؤسسات والشركات المغربية، التي أظهرت كفاءة عالية وكثيرا من الجدية، بشكل مؤثر وواضح في تقوية البنية التحتية للبلدان الأفريقية التي تشتغل بها، علاوة على استيعاب عدد لا يستهان به من اليد العاملة الأفريقية وتكوينها. ولطالما أبان المغرب عن حسّ المسؤولية تجاه عمقه الأفريقي وتضامن مع الدول الّتي تُعاني من مشكلات وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية على عدّة مستويات؛ حيث أقدم على إرسال طواقم طبية عسكرية للاعتناء بالجانب الإنساني والصحي للأفارقة، وألغى ديونا مستحقة على بعض الدول التي تعاني من أزمات مستعصية.

وعندما يدافع المغرب عن القارة الأفريقية فهو يستحضر أنه يدافع عن جذوره وامتداده الجغرافي والحضاري، ويتضامن مع أسرته في القارة السمراء، دون خلفيات أيديولوجية أو حسابات مصلحية لا تراعي الأبعاد الإنسانية والروحية والتضامنية.

وقد كانت مساهمة المغرب في محاصرة تفتت دولة مالي، على سبيل المثال، بارزة، من خلال دعمه للشرعية والوحدة الترابية للبلاد، واستضافته للفرقاء السياسيين الماليين من أجل البحث عن حلّ سلمي، بعيدا عن كلّ أشكال التشنّج والاستقطاب.

زيارة العاهل المغربي إلى أفريقيا تهدف إلى تكريس الشراكة في مختلف المجالات في خدمة المصالح الاستراتيجية المشتركة

تعاون متين وتضامني

ساهمت زيارات العاهل المغربي الملك محمد السادس التي أدّاها إلى دول غرب أفريقيا، ومازالت، في إرساء لبنات متينة للتعاون المغربي الأفريقي في إطار جنوب – جنوب، فالتجربة المغربية في المجال الزراعي كانت مؤثرة وخلفت صيتا طيبا، خصوصا بالكوت ديفوار، أثناء انعقاد الدورة الثالثة للمعرض الدولي للفلاحة والثروات الحيوانية لأبيدجان “سارا 2015”، في أبريل الماضي، بمشاركة المملكة المغربية.

وقد جعلت تجربة المغرب النّاجحة في الرقي بالزراعة التضامنية ودعم هذا القطاع الحيوي، وزير الفلاحة الإيفواري مامادو سانغافويا كوليبالي، يعبر عن ارتياحه للدعم التقني الذي قدّمه المغرب من أجل إنجاح تلك التظاهرة، مشيرا إلى أنّه بالنظر إلى الخبرة التي راكمها في القطاع الزراعي، فإنه بإمكان المغرب أن يشكل نموذجا يحتذى بالنسبة لكوت ديفوار في هذا المجال. كما أنه يمكن أن يكون نموذجا لباقي الدول الأفريقية.

وفي سياق انخراط جميع المؤسسات والشركات المغربية العمومية والخاصة، في الانفتاح على أفريقيا، فقد أكد مصطفى التراب، مدير مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، أنّ شركته بدأت تستثمر بشكل أكبر في أفريقيا، حيث أنه في الماضي، كان الإنتاج الفائض فقط يذهب إلى أفريقيا، أما الآن “فنحن نكرس إنتاجنا إلى السوق الأفريقية”، وفق تعبيره.

6