"أفريقيا النفطية" تخرج خاسرة من أطول فترة ازدهار في أسعار الطاقة

الجمعة 2015/01/30
الفساد في الدول الأفريقية النفطية يجعلها الأكثر عجزا في الاستفادة من ثروتها الطاقية

لندن - ربط باحثون في معهد “ويلسن للأبحاث” بين أزمة أسعار النفط وتوسّع رقعة الاضطرابات الأمنية والاجتماعية في القارة الأفريقية. ويشير تقرير للمعهد الأميركي إلى أن النفط يمثل ركيزة أساسية تقوم عليها العديد من الاقتصاديات الأفريقية، غير أن الهبوط الأخير في سعر البرميل جاء ليهدد تلك الاقتصاديات، الهشّة، طارحا معه أسئلة عديدة حول التبعات السياسية والاجتماعية التي يمكن أن يسفر عنها تراجع المداخيل النفطية في البلدان الأفريقية التي تغيب عنها الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

بلد من كل خمسة بلدان أفريقية ينتج الطّاقة والمحروقات، وتعتمد أغلب هذه البلدان بشكل كبير على مداخيل النفط والغاز لتمويل الحكومات والحصول على العُملة الصعبة. بالإضافة إلى أنّ هناك مجموعة جديدة من دول شرق أفريقيا مازالت تنتظر شركات النفط العالمية لتطوير احتياطياتها النفطية والطاقية المكتشفة حديثا. وعلى الرغم من هذه الإحصائيات، إلاّ أنّ سجل أفريقيا في استخدام الموارد النفطية والغازية غير المتجددة من أجل تحفيز التطور الاقتصادي والاجتماعي يعدّ ضعيفا، وربما ينذر انهيار الأسعار الأخير بالمزيد من عدم استقرار دول القارة السمراء.


التحديات المطروحة


بقيت مستويات الفقر والتفاوت الاجتماعي عالية في أكبر البلدان المنتجة للنفط وأعرقها في القارة الأفريقية، حيث كشفت دراسة اجتماعية أجريت بين سنتي 2008 و2009 في أنغولا، أنّ توزيع الدخل يُعدّ الأكثر تفاوتا في أفريقيا جنوب الصحراء، إذ يتحصّل 10 بالمئة من أفراد الطبقة العليا على ثلث الدخل الإجمالي، بينما يصل معدل الفقر في المناطق الريفية إلى 58 بالمئة. أمّا في نيجيريا فقد بقيت نسبة السكان الذين يعيشون في حالة فقر مُدقع مستقرة في حدود 60 بالمئة، رغم تضاعف الدخل الفردي بأكثر من أربع مرات منذ فترة التسعينات من العقد الماضي.

وهذا التفاوت الاجتماعي، الذي تشهده أغلب البلدان الأفريقية المنتجة للنفط، يعدّ، حسب مراقبين، أحد المطبات التي لم تجد لها حكومات تلك البلدان آليات ناجعة لمعالجتها وتوقّي انعكاساتها، أو حتى الاستفادة من عائدات ثرواتها الطاقية للحد من تداعياتها.

سياسيا، تتميز أغلب الدول الأفريقية النفطية إمّا بضعف الديمقراطية أو غيابها أو بزعماء طويلي العهد (غينيا الاستوائية، أنغولا، الجزائر، التشاد) أو صراعات داخلية عنيفة (نيجيريا، جنوب السودان، ليبيا)، وهو ما من شأنه أن يحُول دون استثمار عادل لعائدات المنتوجات الطاقية، وأن يعرقل العجلة التنموية لتلك البلدان، خاصة أنّ العامل السياسي يكتسي أهمية كبرى على سلم أولويات المستثمرين في المجال الطاقي.

التقشف الناجم عن تراجع المداخيل في البلدان المعتمدة على النفط يزيد في إضعاف شبكات السلامة الاجتماعية التي تعاني أصلا من الهشاشة

وعلى غرار عديد دول العالم، استقبلت الدول الأفريقية سنة 2015 بمجموعة تحديات ثقيلة الحجم والوطأة، خصوصا الدول الطامحة إلى الشروع في استخراج مواد المحروقات في المستقبل القريب، والدول التي خططت للاستفادة من ثورة الغاز الصخري. لكن أزمة النفط الأخيرة انضمّت إلى قائمة طويلة من التحدّيات، يتصدّرها الإرهاب وانعدام الأمن والاستقرار، مما يزيد من ضبابية المستقبل الاقتصادي لتلك البلدان. وهناك شبه إجماع على أنّ الأسعار ستبقى منخفضة على الأقل طيلة العام الجاري.

وسيتوقف الأمر، في جزء كبير منه، على مدى تأثير الاستثمار في قطاعي الغاز والغاز الصخري وعلى الخطوات التي ستقوم بها القوى الكبرى المؤثرة في السوق العالمية (بما فيها أفريقيا)، وعلى ما ستفعل منظمة الأوبك في ما يتعلق بالتزويد، وبدرجة حاسمة بمدى إيجاد الصين لطريقة للإفراج عن مواردها من النفط والغاز الضخمة غير التقليدية. إذا ثبت أنّ الإنتاج الأميركي شديد الحساسية للسعر سينخفض بشكل حاد، وإذا خفضت الأوبك من الإنتاج، وإذا تمكنت الصين (أكبر سوق في العالم) من حل مشاكل تزويد المياه لديها بطريقة ما، عندها ستكون حياة أسعار النفط المنخفضة قصيرة. لكن في غياب هذه التطورات ربما سيتواصل انخفاض الأسعار لعدة سنوات أخرى.

وفي سياق آخر، يرى مراقبون أن لانخفاض أسعار النفط والغاز عدة تبعات، مباشرة وغير مباشرة، على الدول المعتمدة على هاتين المادتين. وأول هذه التبعات ذات صبغة اقتصادية؛ حيث أنها ستفرز تراجعا حادا في مداخيل الحكومات واحتياطي البلدان المنتجة من العملة الصعبة، بالتوازي مع نقص القدرة على الاقتراض على المداخيل المستقبلية. ويبرز هنا كمثال وضع أكبر بلدين منتجين للنفط في أفريقيا، وهما نيجيريا وأنغولا، اللتان تمرّان الآن بوضع مالي أسوأ ممّا كانا عليه في سنة 2009 لما سجلت أسعار النفط حينها هبوطا حادّا.

أيضا هناك دول أفريقية تحصل على مساعدات من الدول الأفريقية المنتجة للنفط، وقد تأثّرت بدورها بالأزمة الأخيرة، التي دفعت، دول نفطية، مانحة، على غرار الجزائر، إلى تقليص مساعدات اقتصادية وعسكرية تقدمها لدول أفريقية سنويا. وكشفت مصادر جزائرية أن قيمة المساعدات السنوية، التي تحصل عليها دول مثل موريتانيا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، تتعدى 80 مليون دولار سنويا، ستنخفض إلى أقل من النصف بسبب تدهور أسعار النفط الذي يمثل 97 بالمئة من قيمة صادرات البلاد.

تبعات أزمة أسعار النفط
1- الحكومات الضعيفة ستواجه مزيدا من الضغوط

2- تأثر كبير في موازنات حكومية تعتمد على النفط بشكل كامل

3 -اضطرابات داخلية نتيجة التراجع الاقتصادي

4 -لا تزال أسعار النفط معرضة لتقلبات عنيفة

بدوره يؤدي هذا التأثير الاقتصادي إلى تحديات أخرى سياسية واجتماعية وأمنية، في دول القارة التي يعاني أغلبها من مشاكل حادة. ويبقى مدى سرعة تأثير انخفاض الأسعار على الميزانيات الوطنية متوقفا على عدة عوامل منها كمية المداخيل المدّخرة والبنود الخاصة لعقود النفط التي تملكها كل حكومة مع المنتجين.

ومن المتوقع أن يزيد التقشف الناجم عن تراجع المداخيل في البلدان المعتمدة على النفط في إضعاف شبكات السلامة الاجتماعية التي تعاني أصلا من الهشاشة. وعلى سبيل المثال، يتنبأ مزود خدمات صحية كبير في أنغولا مختص في مرض الإيدز بأن ينزل الإنفاق على الوقاية من الأمراض إلى النصف. كما يتوقّع أن يتباطأ نسق الاستثمار في قطاع النفط والغاز نظرا إلى مراجعة شركات النفط الجدوى التجارية للاستثمارات في بيئة تتميز بانخفاض في الأسعار. وهذا سيؤثر خاصة على عمليات التنقيب عن الغاز والنفط باهظة التكلفة في عرض البحر، بالإضافة إلى المشاريع البريّة التي تتطلّب أنابيب مكلفة لنقل النفط إلى الموانئ مثلما هو الحال في شرق أفريقيا.


التداعيات السياسية المحتملة


من المتوقع أن تعقب الصعوبات الاقتصادية الحالية تداعيات سياسية في بعض الدول، وأحد السيناريوهات الممكنة هو ترنّح الحكام “المعمّرين” في أكثر الأنظمة رسوخا مع ازدياد صعوبة صد المنافسين عبر مزيج من الوظائف المريحة والقمع. مثلا إذا زادت التخفيضات في أسعار العملة، من غلاء الأغذية الأساسية المستوردة، وامتزجت التحديات الآتية من النخبة الميسورة مع احتجاجات شعبية في المدن الكبرى، عندها يمكن أن تواجه بعض البلدان مثل أنغولا والتشاد والغابون ظاهرة مشابهة لما يسمّى بـ”الربيع العربي”.

أما في الدول غير المستقرة حاليا مثل جنوب السودان ونيجيريا، فإن نهاية الطفرة النفطية ستقلص من المكافأة المالية التي تمثلها حقول النفط، ويمكن أن تقلص الموارد المتوفرة لاقتناء الأسلحة والذخائر. وبالنسبة إلى جنوب السودان، حيث يزيد الاتفاق القاضي بتصدير النفط عبر الشمال برسوم ثابتة حددت بـ25 دولارا للبرميل، من تفاقم تداعيات انخفاض أسعار النفط. أمّا في نيجيريا وعلى الرغم من إمكانية تقلص الدوافع لسرقات النفط على نطاق واسع، يمكن أيضا أن تنقص التمويلات المتاحة لقوات الأمن ممّا يُفاقم مشاكل الحكومة مع جماعة بوكو حرام الإسلامية المتشدّدة.

7 بالمئة من احتياطي النفط العالمي موجود في أفريقيا

وفي شرق أفريقيا، حيث مازال قطاع النفط في مراحله الأولى، هناك إمكانية لظهور نتائج إيجابية. فمنذ اكتشاف حقول غاز بحرية ضخمة وقدوم شركات النفط العالمية إلى الموزمبيق وتنزانيا، تركّز أغلب الحوار السياسي في تلك البلدان على القوانين والسياسات التي تتحكّم في كيفية مراقبة هذا القطاع الجديد، وما هي الفوائد التي سيجنيها المواطنون من ناحية المداخيل والوظائف والفرص للقيام بالمشاريع، وكيفية استغلال المداخيل المنتظرة. وفي ذات الوقت يركّز المستثمرون المحليون على فرص جني الأرباح، غير أنّ الخبراء يتوقّعون أن يؤدّي هبوط الأسعار إلى تباطؤ قرارات الشركات بخصوص توقيت وكيفية تطوير هذه الموارد إلى أن تتوضّح لديهم العائدات طويلة المدى التي ستجنيها استثماراتهم.

في ذات السياق، يتسم المشهد في تنزانيا، بمزيج من الانتظارات الشعبية غير القابلة للتنفيذ المتمثلة في تحقيق أرباح سريعة من مبيعات الغاز، إضافة إلى غياب الثقة بين الشركات والحكومة والمواطنين، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى حوار محموم أثناء انتخابات هذه السنة. لكن يمكن أن تكون لهبوط الأسعار نتائج إيجابية في هذا البلد، وذلك عبر خلق إدراك واسع بأنّ النفط والغاز يمثلان قاعدة غير ثابتة للاقتصاد، وهو ما يدفع نحو إيلاء مزيد الاهتمام للقطاعات الأخرى. كما تتيح فترة الهبوط هذه، مزيدا من الوقت لحل المسائل المعقدة المتعلقة بكيفية استخدام الثروة المتأتية من مواد المحروقات مستقبلا.

6