أفريقيا الوسطى تغالب وطأة الاقتتال بآمال التعايش

الخميس 2014/06/05
مسلمو أفريقيا الوسطى أنهكهم الاقتتال والتشريد

بانغي - الصراع الدمويّ الذي يحمل أبعادا طائفيّة ومذهبيّة تحرّكها دوافع سياسيّة تهدّد تماسك النسيج المجتمعي لسكّان أفريقيا الوسطى، بدأ يُنبئ بخطر محدّق بسبب الانتهاكات اليوميّة التي تطال ضحايا لا ذنب لهم غير انتمائهم العقائدي، أضحى يطرح أكثر من تساؤل عن مآل دعوات التّسامح والتعايش التي تعالت من هنا ومن هناك لفضّ النزاع وكفّ النزيف عن هذا البلد الذي أنهكته رائحة الدماء.

في الصباح الباكر عندما كانت إحدى الصحفيّات متوجهة إلى حي “بي كا5-”، الجيب الذي يقيم فيه آخر مسلمي بانغي، دوت عيارات نارية، فعادت سيارات الأجرة الصفراء في شارع “كودوكو” أدراجها، واتّصل الرجل الذي كان من المقرر أن تلتقي به المراسلة ليقول: “هناك هجوم، انتظروا”.

بعد نصف ساعة توقف إطلاق النار، وقرّر الرجل أنّ بإمكان السيارة أن تتقدم. وبعد عبور حي “مسكين” المسيحي، واجتياز منطقة “كودوكو”، التي خلت من السكان وانتشرت الإطارات المحروقة والمتاريس على طرقاتها، وعلى جانبيها أكواخ البيع الخشبية المهجورة، وصلت المراسلة إلى حيث جلس شبان مسلمون على مقاعد خشبية، وقد غلب على وجهوهم التّعب. بذلك علمت أنّها وصلت إلى حي “بي كا5-”.

تنتشر في الحي شعارات مناهضة لفرنسا في كل مكان؛ على الجدران والملصقات الدعائية والمحلات التجارية الصغيرة المهجورة، حيث انتشر شعار “لا لفرنسا” ورسم الصليب المعقوف إلى جانب كلمة “فرنسا”. بذلك يعبّر مسلمو أفريقيا الوسطى عن غضبهم إزاء التخلي عنهم أمام أعمال العنف.

وبالعودة إلى الهجوم الذي جدّ في الصباح؛ فقد استهدف قناص كان على طرف منطقة “بي كا5-” رجالا أَتَوْا لاقتناء الخبز. حيث قال أستاذ الفيزياء عمرو “سمعنا دوي الرصاص مجددا، أنا خائف، سقط عدد من الجرحى، إنّنا نشعر بالإحباط منذ أشهر”.

عمرو الذي أفاد بأنّه يضطرّ لأن يُخفي هويته كمسلم في كلّ تحرّكاته، قال: “عندما نتوجه إلى وسط المدينة نتنكر”.

ورغم أنّه أعرب عن رغبته في الرحيل إلى الكاميرون من أجل العمل، إلاّ أنّه استدرك أنه متشبّث بوطنه. حتى وإن أراد الرحيل فإنّ الوصول إلى المطار دون حماية دورية عسكرية يعدُّ أمرا مستحيلا تقريبا، وكذلك حال الذهاب إلى المصرف لسحب الرّاتب، حيث قال “نحن هنا بمثابة مساجين، لكننا لن نغادر وطننا مثلما فعل الكثيرون”.

ولم يبق في حي “بي كا5-”، آخر جيب للمسلمين في بانغي بعد رحيلهم من شمال المدينة الشهر الماضي، سوى ما بين ألف إلى ألفي مسلم مختبئين خوفا من الهجمات.

وتشهد المنطقة باستمرار إطلاق الرصاص وعمليات التسلل والشائعات المتواصلة حول هجمات مكثفة وشيكة من قبل المليشيات المسيحيّة. وعندما يعود الهدوء يحاول كلّ شخص بطريقته، الحصول على شيء من الرزّ والسكر والصابون، دون الخروج من الحي طبعا.

ونظرا لهذه المخاطر، لم يخرج عبدالعزيز آدم، أحد أكبر تجار “بي كا5-” منذ أربعة أشهر من المنطقة، لأنّه تعرض لاعتداء في آخر مرّة حاول فيها التّوجه إلى وسط المدينة، وسرقت إحدى شاحناته على خلفيّة ذلك، لكنه يلخّص الوضع بالقول: “90 بالمئة من الناس في هذه المنطقة يريدون السّلام”. وفي نفس السياق، أعرب علي بابولو، إمام جامع الحي، بلحيته البيضاء ونظاراته الكبيرة المستديرة، عن غضبه من كلّ الذين يريدون “استئصال الإسلام من هذا البلد”، حيث قال إنّ “كل مساجد بانغي دُمّرت خارج حي بي كا-5، لكنّنا سنحاول أن ندافع عن المسجد الأخير الذي تبقى”.

وتجدر الإشارة إلى مطالبة عدد من السكان والمتظاهرين والأحزاب السياسية، بنزع السلاح من المسلمين في “بي كا5-” فورا، بعد مجزرة كنيسة “سانتا فاتيما” التي قتل فيها 17 شخصا، ونسبها الجميع إلى “مجموعات مسلّحة من المسلمين”.

ولتهدئة السكان وعدت الرئيسة الانتقالية، كاترين سمبا بنزا، بنزع سلاح “بي كا5-”، لكنّها حذرت بقولها “لن نغلق” الحي لنترك المسلمين “ضحيّة مستساغة” لمهاجميهم. من جانبهم يردّ المسلمون بأنّه ليس لديهم سوى أسلحة بسيطة غير نارية (سواطير وسهام) يستعملونها للدّفاع عن أنفسهم، مشدّدين على أنّهم سيطالبون المجتمع الدولي بترحيلهم من بانغي إذا ما نزعت منهم هذه الأسلحة المجعولة للحماية أساسا، قبل أن تسود قيم السلام والتسامح أبناء الوطن الواحد.

وعلى الرغم من حالة الاحتقان التي يشهدها البلد، فقد تعالت من هنا وهناك دعوات كفّ الدماء والحضّ على التحابب والمصالحة بين الفرقاء الذين لا يعون حقّا “السبب الذي يفرّقهم”، على حدّ قول أحد السكّان المسيحيّين، هذا الأخير الذي رفض ذكر اسمه، قال : “طالت الأزمة أم قصرت، سيفهم الجميع أنّ هذه البلاد تتسع لكل أبنائها، وسيندمون يوما أنّهم لم يعلو قيم التعايش والتحابب على الصراعات الضيقة، يجب أن يتوقّفوا عن الاقتتال، عليهم أن ينهوا الصراع كفّا لسفك الدماء بأقصى سرعة”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الاقتتال الذي تعاني منه البلاد،لا تزال إشكالية الصراع الديني -الذي تغذّيه عوامل سياسيّة صرفة- التي تحركه على أشدها، والتي كانت قد اندلعت أواسط السنة الفارطة على خلفيات سياسية وصراعات من أجل السلطة، وأودت بحياة آلاف الأشخاص ونزوح حوالي 400 ألف آخرين، فيما تعاني أغلبية السكان من المجاعة وسوء التغذية والتجنيد القسري للأطفال وتوقف المدارس والمرافق العمومية عن العمل.

13