أفريقيا تبحث عن حقوق لإنسانها في ظل النهم المسلط على ثرواتها

السبت 2014/08/09
أوباما اعتمد على أصوله الأفريقية من أجل إنجاح فعاليات قمة واشنطن

واشنطن - الصراع المكشوف الدائر بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة والصين من جهة أخرى على الفضاء الأفريقي الخصب بثرواته المتنوعة، يبدو أنّه أسقط مسألة الاهتمام بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان، ولم يعد مهتما بغير الربح وآليات الكسب الاقتصادي الصرف.

عديدة هي الموارد التي تحتوي عليها القارة الأفريقية ومتنوعة حدّ الثراء، ثروات أسبغها الفضاء الأفريقي البكر بقيمة استثمارية مضاعفة، كثّفت من أطماع الفاعلين الدوليين والبلدان ذات الاقتصادات الكبرى حولها، فأنتجت تجاذبا متعدّد الأبعاد تتجلّى صوره بوضوح مع الحالتين الأميركية والصينية، اللّتين تسعيان كلّ من جهتها وبكل ما أوتيت من ضغط لسحب البساط من تحت الأخرى والتوسّع في المجال الأفريقي من بوابة الاستثمار الليبرالي الصرف الذي يضع مسألة الاهتمام بحقوق الإنسان وبالديمقراطية في آخر أجنداته إيذانا بإسقاطها والتغاضي عنها متى سنحت الفرصة.

هذا، ما أعلنته مقرّرات القمّة الأفريقية الأميركية التي انتظمت، مؤخّرا، في واشنطن، التي أظهرت أنّ الإدارة الأميركية أصبحت تضع المسائل الاقتصادية في القارة السمراء المتعلقة بالتجارة والاستثمارات على سلّم أولوياتها، بيد أنّها لم تعد تولي أهمية كبيرة لإشكاليات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتقترب بذلك من السياسة الصينية في أفريقيا، وفق تعبير لوسيان بامبو، المختص في الأمور الاستراتيجية والمسائل الأفريقية وعضو فريق التحرير في مجلة “جيوبوليتيك أفريكان”.

الاستثمار الليبرالي الصرف يضع مسألة الاهتمام بحقوق الإنسان وبالديمقراطية في آخر أجنداته


التحجيم للصين غاية الولايات المتحدة


هذا التوجّه الأميركي نحو أفريقيا، وما رافقه من تركيز على البعد الاقتصادي الصّرف، يعيده عدد من الخبراء إلى تفطّن الولايات المتحدة إلى الاكتساح الصيني الذي كان صاحب السبق على الأرض الأفريقية، بل أبعد من ذلك، يرى المراقبون أنّ واشنطن عدّلت من أجندتها المتعلّقة بأفريقيا لتحذو حذو الصين التي طالما عرف عنها أنها لا تُعنى بمسألة حقوق الإنسان والديمقراطية التي تعتبرها ثانوية مقارنة بالاستثمار والبحث عن فرص التمدّد والامتداد.

في هذا الإطار، تجنب الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال القمة التي انعقدت على مدى يومي 5 و 6 أغسطس الجاري، التطرق إلى المسائل المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مفوضا إيّاها إلى مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركيّة على غرار وزير خارجيته جون كيري، في نمط يشبه إلى حد كبير النّمط الصيني، حين احتضنت العاصمة الصينية بيكين عام 2012 قمة ثنائية مع دول القارة السمراء، وتجاهلت تماما سياسات الأنظمة الأفريقية ومسألة الديمقراطية وأسقطتها من جدول أعمال القمّة.

وقد كان تركيز أوباما، خلال القمّة، مسلّطا بالأساس على المسائل الاقتصادية، حيث قرر ضخّ مبلغ 33 مليار دولار لدعم الاستثمارات في القارة الأفريقية، ما بين دعم للحكومات والاستثمارات الخاصّة.

كما أعرب عن أمله في أن يتمّ تجديد اتفاق “أغووا” (قانون النمو والفرص في إفريقيا) في سبيل دعم اقتصاديات الدول الأفريقية ودعم انخراطها في آليات اقتصاد السوق عبر تسهيل نفوذها إلى السوق الأميركية.

هذه الوعود والقرارات الصادرة عن الجانب الأميركي، قال خبراء إنّها تعيد بهم الزمن إلى المنتدى التعاوني الرابع بين الصين وأفريقيا الذي عقد في شرم الشيخ المصرية سنة 2009، والذي كانت أهدافه تقريبا متشابهة إلى حدّ كبيرمع القمّة الأميركية الأفريقية الأخيرة التي قال مسؤولون من الولايات المتحدة إنّ بلادهم قامت بتنظيمها عبر منح الأولوية لعنصرين مهمين هما؛ الديمقراطية والحوكمةالجديدة المرتبطة بحقوق الإنسان. ولكن هذه المسائل تدحرجت من على سلم اهتمامات هذه القمة فيما تصدرت مسائل التجارة والاستثمارات والحرب ضدّ الإرهاب محاور الاهتمام.

كما أوضح المسؤولون من جهة أخرى أنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية التي فرضها وجود الصين في أفريقيا، وهي التي لا تعير اهتماما لمسألة الديمقراطية، وهي التي ستجبر الولايات المتحدة الأميركية، أو ربّما هي فعلت، على تنسيب معركتها من أجل الديمقراطية.

بدورهم، قال مراقبون إنّ تفوق الاقتصادي على الديمقراطي بدا جليّا في هذه القمّة، عبر تقسيم الأدوار بين وزير الخارجية جون كيري والرئيس الأميريكي باراك أوباما. فبينما ركب كيري موجة حقوق الإنسان، بداية عبر الثناء الذي وجهه إلى الرئيس البوركيني بالإطراء على جهوده في الحرب على الإرهاب وعمليات الوساطة التي قام بها في هذا الشأن، ثمّ على جوزيف كابيلا، الرئيس الكونغولي الذي لقي بدوره لقي اعتراف كيري له بالدور الحاسم الذي لعبه في تهدئة الصراع في منطقة البحيرات الكبرى، مؤكّدا على ضرورة احترام المؤسسات عبر الضغط على القادة في مسألة عدم تنقيح الدساتير لمصالح شخصية أو سياسية، أوضح أوباما، من جهة أخرى، أهمية توفير اقتصاد يرتكز على الاستثمار والنمو بأن ذكّر محاوريه بأن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدتهم على تحقيق الازدهار، دون أن يذكر سبل تحقيق ذلك.

الجفاف والنزاعات يهددان بالمجاعة 14 مليون أفريقيا
نيروبي - يهدد الجفاف والنزاعات في شرق أفريقيا 14 مليون شخص بالمجاعة بعد ثلاث سنوات على موجة جفاف مدمرة في المنطقة، كما اعلنت الامم المتحدة مؤخرا.

وقال ماتيوكونواي المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الانسانية في شرق أفريقيا إن “الوضع مقلق جدا”.وأضاف “ثمة وجوه شبه في الوضع الراهن مع ما أدى إلى حصول أزمة 2011″، موضحا أن الأمم المتحدة تحتاج إلى 1,94 مليار دولار من المساعدات.

وتفيد الاحصاءات الأخيرة، التي نشرها مكتب تنسيق الشؤون الانسانية في الخامس من آب/اغسطس، أن حوالي 2,7 مليوني شخص في أثيوبيا و1,3 مليون في كينيا، معظمهم من اللاجئين الصوماليين، يحتاجون إلى مساعدة عاجلة.

وفي السودان، يواجه خمسة ملايين شخص المجاعة، فيما يوجد 3,5 ملايين في جنوب السودان على حافة المجاعة. ويواجه حوالي 120 الف شخص ايضا وضعا غذائيا صعبا في جيبوتي وعشرات الآلاف في بوروندي ورواندا واوغندا.

ويتوزع في تسعة بلدان 14,4 مليون شخص قالت الأمم المتحدة إنهم يواجهون وضعا غذائيا صعبا.ويؤكد العاملون في المجال الانساني في جنوب السودان منذ أسابيع أن البلاد قد تواجه المجاعة إذا ما استمرت المعارك.

من جهة أخرى، حذرت الأمم المتحدة الشهر الماضي من أن الصومال الذي تتفشى فيه الفوضى وتستعر المعارك منذ 1991، قد يواجه المجاعة من جديد.وذكرت منظمة اوكسفام غير الحكومية أيضا أن نقص الأمطار والنزاعات والجفاف ساهمت في هشاشة الوضع الغذائي في المنطقة الشرقية من أفريقيا.

وفي تصريح، قال المدير الإقليمي لاوكسفام فران اكويزا “من اللازم أن نستخلص العبر من 2011″. وأضاف أن “تدخلا مبكرا يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح ويحول دون وقوع ملايين آخرين في المجاعة”. إلا أن الظروف لم تشابه بعد ظروف مجاعة 2011 التي قضى فيها أكثر من 250 الف شخص في الصومال نصفهم من الأطفال.


حقوق الإنسان خارج الحسابات


الاقتصار على الجانب الاقتصادي والإهمال المتعمّد لمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية، يصبّ في خانة واحدة لا أحد يمكن أن يتوه عن معانيها الظاهرة للعيان؛ لا مجال لفسح المجال وتركه شاسعا أمام التغوّل الصيني المتعاظم في القارة الأفريقية التي مازالت إلى حدود اليوم مكتنزة بثروات منجمية وطاقية هامّة شأن الاكتشاف الأخير الذي أعلنت عنه شركة نفط مملوكة للملياردير الإسرائيلي دان جيرتلر، والذي يفيد بوجود احتياطيات نفطية قدرها نحو ثلاثة مليارات برميل في جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها، ناهيك وأنّ أفريقيا تنتج وحدها ما يقدر بعشرة ملايين برميل نفط سنويّا، ويبلغ نصيبها من إنتاج خام النفط العالمي 12 بالمئة.

بالنظر إلى ذلك فقد بدأت واشنطن تُغيّر استراتيجيتها بعض الشيء تجاه أفريقيا لتواكب التغوّل الصيني والقوى الاقتصادية العالمية الأخرى شأن إيران واليابان، والتي يأتي اهتمامها بأفريقيا اقتصاديا في المقام الأول، فشعور الولايات المتحدة بأنها في مأزق داخل القارة الأفريقية، وبأن الشراكة الاقتصادية والتجارية هي بوابة تحقيق الأهداف الاستراتيجية لأميركا، عمل على زيادة تعهداتها تجاه أفريقيا خاصة في مجال الطاقة، وجاءت آخرها بمبادرة من الرئيس أوباما خلال القمّة الأخيرة، ممّا سيُعمّق شبكة العلاقات الأميركية مع أفريقيا جنوب الصحراء بالتحديد، الغنية بالموارد المعدنية وخيرات الطبيعة خاصة الغاز الذي يعتبر الطاقة الأسرع نموا في القارة الأفريقية، والذي تحتاجه الولايات المتحدة بشدّة.

هذه الثروات الأفريقية، التي حرم منها أبناء القارّة قديما بفعل الاستعمار المباشر، وهاهم اليوم يرونها ثانية تعود بعائداتها على مستعمرين جدد تعدّدت أساليبهم وتغيرت عن السابق لكنّ غايتهم وتغوّلهم مازال هو نفسه، أجّجت صراع النفوذ الأميركي الصيني، وزادت من معاناة وتدني مستوى عيش الأفارقة، على اعتبار أنّها “لعنة” أصابتهم، ومازالت، فلا هم ناعمون بخيرها ولا هي أغنتهم من جوع.

وبناء على ما سبق فقد فهمت بعض وسائل الإعلام الأفريقية أنّ هذه قمّة واشنطن الأخيرة، ليست سوى فصلا جديدا من فصول صراع النفوذ الذي أشرنا إليه سلفا، فكانت ردود الأفعال عاكسة لحالة من الإحباط تعود بالأساس إلى المقترحات الأميركية التي اتّسمت بإغراقها في العمومية وبنوع من المبالغة. حيث لم تكن هنالك أيّة علامة استدلال، ولا أجندة واضحة. ولم يقع إنشاء أيّ هيكل يطمئن بشأن انطلاق الأعمال وتنمية الاقتصاديات خلال فترة وجيزة.

كما أنّ الأفارقة بدورهم أضاعوا فرصة تاريخية لفرض شروطهم ومحاولة الانزياح بهذا الصراع صوب مصالحهم، لأنهم ذهبوا إلى واشنطن كل على حدة، عوض أن يقوموا بالزيارة على أسس إقليمية. وبدل أن يحاولوا الوصول إلى مجموعات الضغط داخل الكونغرس كان يتعين عليهم التسلح باستراتيجية شاملة على مستوى المنظمات الأفريقية شبه الإقليمية مثل “السيماك”و”السيداو” أو حتى اتحاد المغرب العربي(الذي ينتظر تفعيل أنشطته)، كما أنّ الإتحاد الأفريقي كان غائبا وطغت الاستراتيجيات الثنائية على الجماعية.

هكذا أضحت القارة الأفريقية مشتتة بين طرفي صراع “متوحشين” يتنازعانها بغاية الربح ولا شيء آخر غيره، فحتى تعويل القادة الأفارقة، على استغلال قمة واشنطن الأخيرة، كفرصة لمعالجة ومناقشة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان والتي تعتبر أكثر القضايا أهمية وإلحاحا في أفريقيا، ذهبت مع الريح.

6