أفريقيا محرومة من ثمار ثورة البيوتكنولوجيا

الخميس 2014/08/28
الفلاحة في أفريقيا الخصبة مازالت معتمدة على الأساليب والوسائل البدائية

في منتصف القرن الماضي، تم إدخال أنواع من القمح والذرة ذات المردود العالي الى أغلب أنحاء العالم النامي مما تسبب في تحول الفلاحة، وأنتج ارتفاعا في مداخيل الضيعات وانخفاض أسعار الغذاء وتراجع نسبة الفقر.

لكن الثورة الخضراء مرت بجانب أفريقيا ولم تطأ أرضها، فمنذ سنة 1960 ارتفع محصول الحبوب للفرد الواحد في آسيا بنسبة 44 بالمئة وفي أميركا الجنوبية بنسبة 48 بالمئة، على الرغم من النمو السكاني السريع. بينما تراجعت هذه النسبة في أفريقيا بمعدّل 13 بالمئة.

لقد انتظرت أفريقيا ثورتها الفلاحية طويلا جدا، إذ لا تتعدى المحاصيل فيها جزءا يسيرا مما يتحقق في أماكن أخرى. ويعيش ثلاثة أرباع من الناس الذين يعانون من فقر مدقع (من يقل دخلهم على 1.25 دولار في اليوم) في الأرياف. وأمام هذا الوضع يمكن سد الهوة في المحاصيل والترفيع في مداخيل المزارع وتوفر الغذاء عن طريق الترفيع في المردودية.

لكن على الثورة الأفريقية أن تتجاوز مجرد تحسين الإنتاجية، إذ عليها أيضا أن تبني القدرة على الصمود أمام التغير المناخي الذي يهدد بتدمير المحاصيل الزراعية الأفريقية.

وفي هذا السياق، فإنّ الخبر السار هو التقدم الكبير الحاصل في تكنولوجيا تحسين النوع النباتي منذ انطلاق الثورة الخضراء، وخاصة في مجال التكنولوجيا البيولوجيّة. حيث يُمكّن التعديل الجيني مُحسّنِي نوع النباتات من تحديد الجينات المرغوبة وإدخالها من خارج جينوم النبتة. كما تمكن تقنيات التعديل الجيني من تقليص الوقت المرتبط بطريقة التحسين التقليدي. ولهذه الأسباب استثمر الخبراء والعلماء والمانحون والمؤسسات الخيرية في تطوير أنواع جديدة معدلة جينيا من أغذية أفريقية رئيسية مثل الذرة الرفيعة والكسافا واللوبيا، وهي محاصيل شديدة الأهمية لعيش ملايين الأفارقة، لكن الباحثين في القطاع الخاص مازالوا يتجنّبونها نظرا لضعف الفرص التي تمثلها في الأسواق.

وتضم الخصائص الجديدة مقاومة العاهات والآفات وتحمل الجفاف والتحصين البيولوجي (أي ارتفاع المحتوى الغذائي)، ولا توجد معلومات وافرة عن تكاليف المشروع لكن المبالغ المتوقعة إلى حد الآن يمكن أن تتجاوز المليار دولار. غير أنّ هذا الاستثمار مازال أمامه أن يترجم إلى ما هو أكثر من تجارب ميدانية ناجحة. وإلى حدّ الآن لم تعط الحكومة الأميركية الإذن بالكشف عن أي ميزة من ميزات التعديل الجيني المطور لفائدة المزارعين الأفارقة.

أسباب كثيرة تقف وراء هذا الوضع، لكن لعل أبرزها هو الجدل الواسع وغير الفعال حول التعديل الجيني في أفريقيا. حيث شن المعارضون للتعديل الجيني حملات شديدة الفاعلية ضد هذه التكنولوجيا بالاعتماد على معلومات خاطئة والترويج للخوف.

لقد عمد منظمو الحملات المناهضة للتعديل الجيني إلى ربط هذه التكنولوجيا بالسمنة والسرطان والعقم، واستخدموا صورا لحيوانات مشوهة لإثارة مخاوف المستهلكين حول المخاطر الصحية. كما استهدفوا المزارعين مصورين لهم أنّ مشروع “قانون لتنظيم إطلاق أنواع معدلة جينيا ومراقبتها” على أنه يمثابة تنازل للشركات الكبرى التي ستترك المزارعين عرضة للاستغلال من قبل شركات متعددة الجنسيات لا تعرف الرحمة. وهكذا فمن الطبيعي أن يكون الدعم الجماهيري لتقنية التعديل الجيني منخفضا، ولن يرى السياسيون إلاّ الجزء السلبي من تشجيع هذه التقنية.

أما أوروبا، فهي تلعب دورا كذلك في تمديد هذا المأزق؛ إذ غالبا ما ترتبط مجموعات الضغط التي تعارض التعديل الجيني في أفريقيا بالمنظمات غير الحكومية الأوروبية المناهضة للتعديل الجيني عبر الانخراط أو علاقات التمويل. ومن شأن غياب سوق استهلاك أوروبية للمنتوجات المعدلة جينيا أن يثني المزارعين الأفارقة المتوجهين نحو التصدير عن تبني هذه التكنولوجيا.

وفي سياق آخر، لا يعني كلامنا هذا بالمرة عدم وجود مخاطر مرتبطة بجلب الأنواع المعدلة جينيا، لأن إطلاق أية نوعية جديدة سواء كانت معدلة جينيا أو غيرها تستتبع مخاطر، يتوجب تقييمها والتعامل معها حسبما تقتضيه الضرورة. لكن ما يحدد عادة المصادقة على منتوج معدل جينيا من عدمها، ليس التقييم المتوازن والمستقل للمخاطر والمنافع، بل الحكم السياسي الذي ينتج عن عدم ثقة المستهلك وارتيابه في هذه التكنولوجيا، مع تردد السياسيين في دفع التشريعات المتعلقة بالسلامة البيولوجية.

وكنتيجة لذلك تبقى النباتات المعدلة جينيا حبيسة في حلقة مفرغة من التجارب الميدانية المستمرة. وهذا يمكن الحكومات من ترجيح مطالب اللوبيات المساندة وتلك المناهضة للتعديل الجيني، وهذا الترجيح قد يكون مناسبا من الناحية السياسية لكنه يمثل بالنسبة للمانحين قيمة ضعيفة للأموال ولا يفعل شيئا للمزارعين أو المستهلكين الذين بإمكانهم الانتفاع بأكبر قدر ممكن. وبالفعل انتشر عدم الثقة هذا في المحاصيل المعدلة جينيا في أفريقيا حتى أنّ استعداد الناس لأكلها أصبح أمرا مشكوكا فيه.

6