أفريقيا مرتع لنشاطات سي آي إيه "اللاأخلاقية"

الخميس 2014/08/21
تقرير لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ كشف عن تواطؤ أطباء مع السي آي إيه في تعذيب المعتقلين

واشنطن - التغلغل الاستخباراتي والعسكري الأميركي في القارة الأفريقية، وما يرافقه من تجاوزات وانتهاكات “لاأخلاقية”، لم يعد يخفى على أحد، خاصّة بعد التسريبات الأخيرة المتعلقة بتقرير صاغته لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ، لم ير النور بعد، عدّدت فيه تلك الانتهاكات وأدانتها، وفق دراسة للباحث مارك ب. فانشر صادرة عن مركز(globalresearch).

تسير نشاطات وكالة المخابرات المركزية الأميركية جنبا إلى جنب مع الهجوم العسكري الأميركي الهائل على القارة الأفريقية. حيث جاء في تصريحات مضمنة في تقرير لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ (يتكون من قرابة سبعة آلاف صفحة ولم ينشر بعد) أنّ “الوكالة حافظت على تواجد متواصل في القارة الأفريقية حتى القرن الحادي والعشرين، مشاركة في نشاطات شائنة بما في ذلك دعم أعداء حكومة القذافي في ليبيا”. وجاء في التقرير أيضا أنّه “يجب عدم التغافل عن تأثير نشاطات الوكالة على القارة الأفريقية”.


التعذيب والترحيل السري


تصريحات أخرى وردت في تقرير لجنة الاستخبارات حول قيام وكالة “سي آي إيه” بتعذيب متهمين بالإرهاب مزعومين، من المفترض ألا تفاجئ حتى أولئك الذين لهم معرفة عابرة بتاريخ الوكالة الطويل في مضمار الجرائم الدولية.

ومن بين أشياء أخرى يقال إن التقرير يروي تفاصيل عن استخدام “سي آي إيه”، بطريقة منهجية، الصفع والإهانة والحرمان من النوم والتجميد والإيهام بالغرق.

وفي حين أن ذلك لا يمثل أخبارا جديدة بالنسبة إلى المراقبين المطلعين، فقد يشعر البعض الآخر بشيء من الصدمة من ردود الفعل الصريحة التي بادرت بها إدارة أوباما، حيث تقول وثيقة مسربة من البيت الأبيض في تعليق عن التقرير: “هذا التقرير يروي قصة لا يفتخر بها أي أميركي”. وقال الرئيس أوباما نفسه: “…لقد عذبنا بعض الناس. لقد قمنا بأشياء مناقضة لقيمنا”.
"سي آي إيه" لم تستطع كبح نزعتها الإجرامية ويفترض أنها نفذت إلى حواسيب لجنة الاستخبارات في المجلس

وفي هذا السياق، من المعلوم أنّ كل ما هو مرتبط ببرنامج التعذيب أمر غير لائق وغير معقول، وهو أمر لا يحتمل في أي مكان. وأفريقيا بالتحديد، وهي القارة التي تعاني من عديد التحديات، ليست في حاجة لأي شيء من ذلك. لكن في الوقت الذي تخضع فيه “سي آي إيه” للفحص المتجدد يجب ألا نتغافل عن تأثير نشاطات هذه الوكالة على القارة الأفريقية.

في السنة الماضية قام كروفتون بلاك، وهو محقق يعمل لدى المنظمة الحقوقية ربريف التي تتخذ من لندن مقرا لها، بإعداد مجموعة من الوثائق يدعي بأنها تبرهن على أن “سي آي إيه” استعملت أفريقيا في برنامج استثنائي للترحيل السري (أي النقل القسري للمتهمين في قضايا الإرهاب إلى بلدان يسمح فيها باستخدام التعذيب). ويزعم أن مجموعة من الشركات الخاصة تعمل بالتنسيق في ما بينها لمصلحة الحكومة الأميركية نظمت خمس رحلات ترحيل بين جيبوتي وكابول وأفغانستان.

وقد قال بلاك “عمل برنامج الترحيل السري لدى سي آي إيه على تأجير طائرات من شركات خاصة من أجل نقل المعتقلين، وذلك في جزء منه، لتجنب الإشعار والشروط التي تفرضها معاهدة الطيران المدني الدولي”. وأضاف أنّ “هذه المجموعة من العقود (التي ترتبط بالشركات المعنية) حررت من أجل القيام بمهمات لفائدة الحكومة الأميركية. وتمت البرهنة على أن هذه المجموعة من العقود مرتبطة ببرنامج الترحيل الأميركي عبر التحريات والدلائل المودعة في الدعاوى القضائية لدى المحاكم الأميركية ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية”. وقد قدم بلاك تصريحه هذا لدعم شكوى رفعها محمد الأسد، وهو مواطن يمني زعم أنه اُختطف في تنزانيا واحتجزته “سي آي إيه” في جيبوتي ثمّ في أفغانستان.


تجهيزات متطورة وتنوع عملياتي


من جهة أخرى، أشار مارك ب. فانشر في دراسته هذه إلى أنّ عمليات الاستخبارات الأميركية في القارة الأفريقية تتجاوز بعض مهام الترحيل الاستثنائي السري من قبل “سي آي إيه”، فمنذ سنوات خلت جاء في صحيفة واشنطن بوست مقال كشف أنّ “سي آي إيه وسّعت عمليات مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات في أفريقيا، لكن قوتها العاملة ومواردها تتضاءل بالمقارنة مع ما يملكه الجيش”.

باراك أوباما: لقد عذبنا بعض الناس. لقد قمنا بأشياء مناقضة لقيمنا

ومضت الصحيفة في شرحها قائلة: “تحت برنامج استخباراتي سري يرمز إليه باسم ‘كريك ساند’ قدم العشرات من الموظفين والمتعاقدين الأميركيين إلى واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو في الأشهر الأخيرة لبناء قاعدة جوية صغيرة على الجانب العسكري من المطار الدولي. وقد استعمل لإرسال طائرات تجسس أميركية غير مسلحة تطير لمئات الكيلومترات شمال مالي وموريتانيا والصحراء بحثا عن مقاتلي القاعدة في المغرب الإسلامي، الذين يشكلون شبكة إقليمية تقوم باختطاف مواطنين غربيين من أجل الحصول على الفدية”.

وخلص مارك ب. فانشر في دراسته إلى أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ليست بغريبة عن أفريقيا، إذ وجد باتريس لومومبا رئيس وزراء الكونغو المغتال طريقه إلى مرمى الوكالة في عام 1961، حيث قال المؤلف لود ودي ويتي في كتابه عن عملية الاغتيال: “قال العالم التابع لسي آي إيه سيدني غوتلياب إنه أرسل إلى الكونغو ومعه صندوق سم من أجل تنفيذ عملية تستهدف إما إعاقة لومومبا أو القضاء عليه”. وعلى الرغم من أن لاري دفلين رئيس محطة سي آي إيه في الكونغو أكد أن الوكالة لم تقتل رئيس وزراء الكونغو، اعترف في كتابه أن “عمل سي آي إيه السياسي السري وعملياتها العسكرية ساهمت في إزاحة لومومبا عن الحكم”.

وتواصل تدخل “سي آي إيه” في أفريقيا إلى سبعينات القرن الماضي. كما أنّ العميل السابق جون ستوكوال تحدث كذلك في كتابه الذي يحمل عنوان “بحثا عن الأعداء” عن تدخل الوكالة في حرب أنغولا من أجل التحرير، وأشار إلى أنّها “حافظت على حضور متواصل في القارة الأفريقية إلى غاية القرن الواحد والعشرين عبر الدخول في نشاطات شائنة متعددة بما في ذلك دعم أعداء حكومة القذافي في ليبيا”.


التعزيز العسكري


في العشرين من ديسمبر 2006، قرٌرت أميركا “تعزيز الأمن والاستقرار في خليج غينيا” وفي7 فبراير 2007، أعلن جورج بوش عن تكوين القيادة العسكرية الأميركية السادسة، المعروفة بـ”أفريكوم” أو القيادة العسكرية الأميركية الموحٌدة في أفريقيا، بهدف “تطوير التعاون العسكري مع الدول الأفريقية، والقيام بعمليات عسكرية حربية عند الاقتضاء، في القارة الأفريقية، بقرار من الحكومة الأميركية، لضرب قدرة المتطرٌفين المسلٌحين على قتل المدنيين الأبرياء”، على أن يقدم رئيس قيادة “أفريكوم” تقاريره مباشرة إلى الرئيس الأميركي.

ويقول روبرت غيتس، وزير الحرب الأميركي آنذاك، إنّ “أفريكوم هي تحديث للاستراتيجيا الأميركية، لتصبح أكثر تماسكا وفعالية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة”. وقد رصدت آنذاك موازنة سنوية لأفريكوم بحوالي 90 مليون دولار، و392 مليون دولار لمركز القيادة، المتركٌبة من حوالي 500 خبير في الأستخبارات والاتصالات والتحاليل والتقارير الاستشرافية، وخبراء من وزارات الخارجية والمالية والأمن والتجارة والطٌاقة والزراعة، ومن مكتب التحقيقات الفدرالي “أف بي آي”، ثمّ تزايد عدد الموظفين الدٌائمين بعد ذلك.

وتدٌعي الحكومة الأميركية أن أفريكوم هي قيادة من نوع جديد لأنها لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تدمج في إطارها هياكل وموظفين مدنيين من “يو آس آد” (الوكالة الأميركية للتعاون الدولي) ومؤسسات الإغاثة والعمل الإنساني والمنظمات غير الحكومية…”لخلق مناخ مناسب للتطور الإقتصادي، والحكم الرشيد والتصرف السليم في الموارد الاقتصادية والبشرية، والوقاية من الأمراض والأوبئة والآفات، مما يعود بالمنفعة على المواطنين في ميادين التعليم والصحة والتأهيل، ليتمتٌعوا بظروف عيش أفضل”.

"الأفريكوم" برنامج عسكري، يستعمل المعونات و«العمل الإنساني»، لتلميع صورة الولايات المتحدة لدى مواطنيها

غير أنّ العديد من المراقبين يرون أنّه برنامج عسكري، يستعمل المعونات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية و”العمل الإنساني”، لتلميع صورة الولايات المتحدة لدى المواطنين، الذين تظاهروا بكثافة ضد احتلال أفغانستان والعراق وضد الجرائم الصٌهيونية المتكررة، كما هو محاولة للتغطية على الحضور العسكري في القارة.


محاولات طمس الإدانة


عندما أصبح إطلاق تقرير مجلس الشيوخ عن التعذيب واقعا وشيكا لم تستطع “سي آي إيه” كبح نزعتها الإجرامية ويُفترض أنها نفذت إلى حواسيب لجنة الاستخبارات في المجلس. كما يزعم أنها حاولت مقاضاة أعضاء اللجنة على أساس تسريب معلومات خاطئة. وعلى إثر ذلك صرحت السيناتور ديان فاينستاين أنه لا يمكن إطلاق التقرير بسبب محاولات سي آي إيه حجب أجزاء من الوثيقة و”حذف بعض الحقائق المهمة أو التعتيم عليها لأنها تدعم نتائج التقرير واستنتاجاته”.

في خلاصتها، أشارت دراسة مارك ب. فانشر الصادرة عن مركز (globalresearch) إلى أنّ “سي آي إيه” بقيامها بمثل هذه الأفعال وغيرها فقد تكون ذهبت بعيدا، لأن البعض سواء في الحكومة أو الإعلام الرسمي شرعوا في مهاجمة الوكالة انتقاما من تصرفها الأخير. وربما تبرهن عاصفة الغضب في النهاية عن نبوءة الراحل كواميه توري، حيث قال “إنه على الرغم من أن حركته (الحزب الثوري لجميع الشعوب الأفريقية) تعمل من أجل تحطيم “سي آي إيه” إلاّ أنّه سيأتي اليوم الذي تنضم فيه “القوى الديمقراطية” السائدة إلى الحملة المناهضة للوكالة وتسدّد لها ضربة قاضية تقصم ظهرها”.


اقرأ ايضا في العرب:


حضور عسكري أميركي في أفريقيا قوامه السرية والتدرج

7