أفريقيا.. من مركز للصوفية إلى بؤر للجماعات الجهادية

الاثنين 2016/01/18
أسباب ظهور الخطاب التجديدي في السودان ونيجيريا والسنغال وتنزانيا ودوافعه

القاهرة - كيف يمكن أن تتحول المجتمعات الأفريقية من كونها أحد أهم مراكز الصوفية الإصلاحية إلى إحدى أشهر البؤر الإرهابية في العالم، انطلاقا من هذه الإشكالية يسلّط حمدي عبدالرحمن، في كتابه “تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا.. من الصوفية إلى بوكو حرام”، الضوء على أحد جوانب دراسة الظاهرة الإسلامية في أفريقيا جنوبي الصحراء، وهي إشكاليات وقضايا خطاب التجديد والإصلاح الإسلامي في الواقع الأفريقي، وقد تبنى المؤلف رؤية شمولية لفهم بيئة وأنماط هذا الخطاب الإصلاحي والتجديدي، وذلك عبر الزمان والمكان انطلاقا من صوفية الشيخ أحمد بمبا في السنغال، وسلفية عبدالله جومي في نيجيريا ومرورا بتقدمية فريد اسحق في جنوب أفريقيا، ومفهوم الحداثة عند حسن الترابي في السودان وانتهاء براديكالية الخطاب الثوري الذي تبنته جماعات إسلامية مثل بوكو حرام والشباب المجاهدين.

ويطرح عبدالرحمن جملة من التساؤلات المهمة يدور حولها نقاشه وتحليله، من أبرزها: ما هي حقيقة الأسباب والدوافع التي تفسر ظهور الخطاب التجديدي في دول كثيرة مثل السودان ونيجيريا والسنغال وتنزانيا؟ وما هي أنماط هذا الخطاب وتنوعاته الفكرية والمعرفية؟

يتوقف عبدالرحمن في فصل معنون بـ”الخطاب الديني الجهادي” مناقشا ومحللا لثلاثة نماذج أساسية للحركات الإسلامية هي: جماعة إخوان نيجيريا، وجماعة بوكو حرام النيجيرية وجماعة الشباب المجاهدين في الصومال، حيث يرى أن زعيم الأولى الشيخ إبراهيم الزاكزكي بدأ النضال تحت تأثيرات الثورة الإيرانية عام 1979 من أجل إقامة دولة إسلامية في نيجيريا، حيث تأثر كذلك بأفكار الإخواني المصري سيد قطب ولا سيما في كتابه “معالم على الطريق” والذي كان بمثابة المرجع الرئيس لأعضاء الحركة الإسلامية من الإخوان أتباع الزاكزكي.

ويشير عبدالرحمن إلى الملامح الفكرية والتنظيمية لحركة إخوان نيجيريا ومنها، أولا: محورية القيادة من خلال نظرة أعضاء الحركة للشيخ إبراهيم الزاكزكي باعتباره المؤسس والمعلم حتى باتوا يخلطون بين القائد والحركة نفسها. ثانيا: الهدف الأسمى للحركة هو إقامة دولة إسلامية خالصة على أساس مبدأ الحاكمية لله، وعليه رفضت الحركة خطاب الشريعة الإسلامية الذي رفعه حكام الولايات الشمالية بحجة أنه يهدف إلى تحقيق مصالح سياسية آنية. ثالثا: يمثل المكون الجهادي أحد أركان المشروع الإصلاحي للحركة الإسلامية، فهي تؤمن بضرورة إعادة تنظيم الصفوف وإقامة التحالفات والاعتماد على النفس من أجل تحقيق الأهداف والغايات العليا.

رابعا: التأثر الشديد بالخطاب الديني الشيعي وقد اتضح ذلك من خلال إدخال منهج آل البيت ضمن أدبيات الحركة واستخدام الطقوس والرموز الشيعية، كما أن زيارة الزاكزكي لإيران بغرض الدراسة وتدعيم علاقاته بالمسؤولين هناك تعزز هذا التوجه. ويرى أن حركة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي وظهور طالبان قد ألهب مشاعر ووجدان الكثير من المسلمين ولا سيما المهمشين منهم، وأن بعض التقارير تشير إلى أنه قد تم استنساخ نموذج طالبان الأفغاني على الأراضي النيجيرية عام 2002، ففي ذلك العام ظهرت مجموعة “طالبان بوني”، إذ قام مجموعة من الشباب الجامعيين وبعض العسكرين السابقين إضافة إلى عدد من أصحاب المهن في شمال نيجيريا بتأسيس تنظيم أهل السنة والجماعة، وبالتزامن مع هذه التحولات في الخطاب الإسلامي ظهرت مجموعة أخرى بقيادة محمد يوسف وهي التي عرفت إعلاميا ولا تزال باسم بوكو حرام، وقد امتد تأثيرها ليشمل معظم ولايات الشمال النيجيري المسلم.

وتعتمد الرؤية الفكرية لبوكو حرام على ثلاث ركائر أساسية، أولها تحريم التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة لأنها فاسدة وكافرة، والثانية تتمثل في تحريم التعليم الغربي لأنه غير إسلامي ويخالف تعاليم الإسلام، والركيزة الثالثة تتمثل في الهروب من كل هذه الرذائل التي يموج بها المجتمع الكافر والهجرة إلى مواقع بعيدة ومنعزلة عن المدن.

ويتساءل عبدالرحمن: ما هو العمل في ظل هذا المأزق الذي تطرحه هذه الحركة التكفيرية التي تجد أمامها آذانا صاغية بين آلاف الشباب النيجيري؟ ويرى أنها مسألة تتجاوز الرؤية الأمنية الضيقة وترفض الحلول التي تتبناها المؤسسة الأمنية في نيجيريا. ويقول “تفشي الفساد وسوء الإدارة وانتشار البطالة عوامل يؤدي إلى وجود المناخ الملائم لنشر الأفكار والمعتقدات”.

إن حلم الإمارة الإسلامية ووجود محاربين أجانب في صفوف الحركة قد عززا الاعتقاد القائل بأننا أمام نموذج طالبان آخر

ويؤكد أن خطورة جماعة بوكو حرام تكمن في إمكانية تجاوزها الإطار الإقليمي العام لأفريقيا ككل، حيث تعاني المنطقة من ضعف استراتيجي وأمني بالغ. عندئذ يمكن الحديث عن تفجير غرب أفريقيا المسلمة التي تعاني أصلا من كثرة بؤر التوتر والصراع.

ويشير إلى أن تأسيس حركة الشباب المجاهدين الصومالية يرجع إلى عام 2004، حينما قامت مجموعة من الشباب الذين تلقوا تدريبا عسكريا في أفغانستان بعقد مؤتمر في لاس عنود شمال الصومال من أجل تنظيم جماعة سلفية جهادية، وعادة ما كانت توصف في البداية بأنها الجناح العسكري للمحاكم الإسلامية خاصة في فترة استيلاء قوات المحاكم الإسلامية على غالبية أقاليم الصومال بما في ذلك العاصمة مقديشيو في النصف الأول من العام 2006، غير أن الغزو الإثيوبي للصومال وهزيمة قوات المحاكم الشرعية وانسحاب قياداتها خارج الصومال، وتحالفها مع المعارضة الصومالية في مؤتمر أسمرا المنعقد في 2007 كانت الأسباب الفعلية وراء انشقاق حركة الشباب الصومالية عن المحاكم متهمة إياها بالتحالف مع العلمانيين والتخلي عن الجهاد.

ويلفت إلى أن الحركة عادة ما توصف بأنها حركة سلفية جهادية تهدف إلى إقامة دولة إسلامية كما تصف الحركة في بياناتها الحكومة الصومالية بالمرتدة. ويضيف “إن حلم الإمارة الإسلامية ووجود محاربين أجانب في صفوف الحركة قد عززا الاعتقاد القائل بأننا أمام نموذج طالبان آخر في القرن الأفريقي، غير أن واقع الحال يؤكد أن ما يحدث هو في جوهره نوع من التمرد الذي تحركه أجندات سياسية بالأساس.

ويرى أن التيار الإسلامي التجديدي في أفريقيا ليس حديثا وإنما هو يرجع إلى تقاليد الحركات الإصلاحية القديمة التي ظهرت من عباءة البنية الصوفية التقليدية. وقد استمرت هذه العملية الإصلاحية بخطابها التجديدي على الرغم من تنوع وتعدد مصادرها الفكرية حتى اليوم. فثمة خطاب إصلاحي يعتمد على مرجعية صوفية ذات بعد شعبي أفريقي، ويقابله خطاب آخر راديكالي مناهض له ويعتمد في الغالب على مؤثرات خارجية “عربية أو آسيوية أو إيرانية”، لكن السمة الواضحة للخطاب الإسلامي التجديدي في أفريقيا خلال القرن العشرين هي معاداته للصوفية.

ويقول “اتسم الخطاب التجديدي بطرح قضايا معينة مثل رفض بعض جوانب علمانية الدولة الأفريقية ما بعد الكولونيالية، ولا سيما ما يتعلق منها بالجانب الديني، كما انشغل هذا الخطاب بقضايا التعليم الإسلامي وضرورة تطويره بالإضافة إلى دعم حركة إنصاف المرأة المسلمة وتمكينها في المجتمع. وعلى الرغم من أهمية دراسة المؤثرات الخارجية لفهم طبيعة الخطاب التجديدي في أفريقيا، فإن السياق الداخلي الذي يحكم هذه الحركات الإصلاحية يظل هو المحدد الأساسي في الحكم على مدى نجاح أو فشل هذا الخطاب.

وفي المقابل لم تستطع حركات إصلاحية أخرى، تبنت نفس أو على الأقل بعض القضايا في خطابها التجديدي، أن تحقق تأثيرا واضحا في المجتمعات الإسلامية في دول مثل كينيا والسنغال.

7