أفضل الأعداء وأسوأهم.. الإخوان وملالي إيران بوابة للعنف

لا يخفى على أحد أن حزب الإصلاح الإخواني سعى إلى دعم ميليشيات الحوثي، تطبيقا لأوامر قيادة التنظيم الدولي للإخوان، ودعما لمشاريع إقليمية معادية للتحالف العربي.
الجمعة 2019/08/30
تاريخ الإخوان حافل بالعنف

إن أردنا أن نكشف الأوجه المتعددة لحركة الإخوان المسلمين، منذ تأسيسها في مصر على يد حسن البنا عام 1928، علينا أن نبدأ بعلاقتها بالغرب، بالتحديد بريطانيا. العلاقة التي اتسمت دائما، حسب مارتن فرامبتون، بالشك والريبة؛ ففي الوقت الذي رأى فيه البريطانيون الإخوان طرفا معتدلا، مقارنة بالجماعات الإسلامية الأخرى، “ارتابوا بأمرهم واعتبروهم بوابة للعنف الجهادي”.

علاقة معقدة بدأت منذ التأسيس، عرضها فرامبتون بالتحليل والدراسة، معتمدا على وثائق المحفوظات في لندن وواشنطن في كتابه “الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والارتباط”.

وأشار فرامبتون إلى نقطة تعكس براغماتية بريطانية في التعاطي مع التنظيم، فرغم أن البريطانيين وصفوا أيديولوجيا تنظيم الإخوان المسلمين منذ الثلاثينات بـ”الظلامية”، والمعادية للآخر، حرصوا على إبقاء شعرة تصل بينهم، حفاظا على مصالح سياسية آنية تتعلق بإضعاف الحركات المناوئة لهم، تحت شعار “أفضل الأعداء”، السياسة التي انتهجتها الحكومة البريطانية في تعاملها مع مستعمراتها في الشرق الأوسط.

رغم ذلك، لم يرتح المسؤولون البريطانيون يوما لتمدد الإخوان في العمل السياسي، وهذا ما أشار إليه المفوض البريطاني في مذكرة رفعها لحكومته عام 1936، تحدث فيها بالتحديد عن خطر هذا التمدد، من خلال الجمعيات الإسلامية التي تضاعف عددها، واعتبر أن هذا النشاط يثير الريبة والشك، فهذه الجماعات “لا ينتظر من ورائها خير”.

حسن البنا نفسه كان براغماتيا، وعمل على توظيف التناقضات بين سكان القصر والأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الوفد، وكذلك السفارة البريطانية في القاهرة والألمان والإيطاليون، محاولا اللعب على التناقضات؛ فهو من جهة حافظ على علاقات خاصة مع أطراف مقربة من الملك فاروق، ومن جهة أخرى أجرى محادثات سرية مع البريطانيين، لضمان دعم حركته وتمويلها.

مع تراجع السيطرة البريطانية وتصاعد النفوذ الأميركي، كان طبيعيا أن لا تتجاهل واشنطن الجماعة وأنشطتها باعتبارها أكثر الحركات الإسلامية انتشارا ليس فقط في العالم العربي ولكن الإسلامي أيضا.

في بداية تعاملها مع الإخوان، وقعت واشنطن في نفس الخطأ الذي وقعت فيه لندن، داعية إلى التمييز بين “المتشددين”، و”المعتدلين”، بين “الحمائم” و”الصقور”، رافعة شعار “دعم تيار الاعتدال لمواجهة تيارات التطرف”.

ومثلهم مثل نظرائهم البريطانيين، سرعان ما اكتشف المسؤولون في واشنطن أن الإخوان قوة سلبية تدميرية تسعى للتمدد وبسط نفوذها، وهذا ما عرضه تقرير صادر عن الخارجية الأميركية، أشار إلى استغلال الجماعة الظرف السياسي لتحقيق أجندتها.

نجح الإخوان في تلميع صورتهم، وتقديم أنفسهم للمعسكر الغربي بوصفهم معادين للمعسكر الشيوعي- العدو الأول لواشنطن في فترة الحرب الباردة- الذي وجد له مكانا في مصر بعد ثورة يوليو 1952. وعلى الرغم من حالة عدم اليقين، وغياب الثقة بين الطرفين، إلا أن الغرب اعتبر الحركة قوة يمكن استغلالها ضد تنامي المد الشيوعي.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي شكلت نقطة انطلاق الإسلام الجهادي، شهدت علاقة الغرب والإخوان تحولا جديدا، اعتبرت الولايات المتحدة إثرها جماعة الإخوان بمثابة “جدار صد” ضد القوى الإسلامية الأكثر تطرفا، القاعدة والجهاد.

باختصار، قامت العلاقة بين الغرب والإخوان بحثا عن شركاء معتدلين، أو أقل تطرفا عن غيرهم.

من هنا نفهم الدور الذي ستلعبه قطر في ما بعد، وهو الدور الذي حظي بدعم الغرب وخاصة الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تشن فيه حربها المقدسة على الجهاديين، كانت قطر تعمل على تمكين الإخوان المسلمين ممهدة الطريق أمامهم للسيطرة على الحكم في البلدان العربية. وكانت تركيا بزعامة الإخواني، رجب طيب أردوغان، الباحث عن إحياء الخلافة العثمانية، خير شريك لقطر في تنفيذ المؤامرة.

هكذا ولد الربيع العربي. السيناريو بلغ درجة من الإتقان لتنطلي الحيلة على الجميع، وأخطر تجليات هذه المرحلة، ظهر في تسلل طهران إلى الساحة لملء الفراغ، خاصة في سوريا ولبنان والعراق.. وأخيرا في اليمن.

يدا بيد في خدمة مشاريع الإخوان
يدا بيد في خدمة مشاريع الإخوان

استطاعت قطر بترسانتها الإعلامية التي تدار من خبراء في حياكة المؤامرات أن تخدع ليس فقط الشارع العربي، بل بعض الحكومات أيضا. وساهمت تركيا بالدعم العسكري واللوجستي وتصدير المقاتلين.

رأى الإخوان بحسهم المؤامراتي، أن الثمار قد أينعت وحان قطافها. ينفذ المتطرفون المهمة القذرة عوضا عنهم، ويقفزون هم إلى كرسي الحكم، ويكافأ حكام قطر لحسن إدارتهم للمشهد، أما أردوغان فيحيي حلمه القديم بالخلافة.

كل شيء كان يسير وفق المخطط الجهنمي، إلى أن هبت الرياح عكس الاتجاه. السعودية والإمارات لم تنطل عليهما المؤامرة، وكان ما حدث في مصر القشة التي قصمت ظهر الإخوان ومن ورائهم قطر وتركيا.

في غمرة النشوة وغفلة عن أعين الجميع، انقض الإخوان في مصر على الحكم، لتشهد مصر ثورة مضادة، ثورة حقيقية هذه المرة، يستعيد معها الجيش المصري، مدعوما من الشارع، زمام المبادرة.

وسارعت الإمارات والسعودية إلى دعم مصر، ورئيسها الجديد عبدالفتاح السيسي، معنويا وماديا، وأمنتا لمصر الحماية من السقوط، رغم الحملة التي شنتها قطر وتركيا ضدها، ورغم حالة الحيرة التي انتابت الغرب في البداية.

ما حدث في مصر اعتبر استفاقة للدول العربية. في تونس التي بدأت منها الحكاية، تراجع الإسلاميون خطوة إلى الوراء بذكاء يحسب لهم، كافأهم عليه العالم في ما بعد. شارك الإسلاميون القوى الأخرى في الحكم، وقدموا تنازلات عديدة في محاولة للظهور بمظهر مدني لا ديني. ونجحوا حتى هذه اللحظة، في محاولتهم، إلا أن الأعين، حاليا، مسلطة على خطوتهم التالية، في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي باتت على مقربة.

دول عربية أخرى كان للإخوان فيها حضور قوي، حصنت نفسها من أي تحركات قد يقومون بها مستغلين أزمة اقتصادية حادة يشهدها العالم، حصل ذلك في المغرب والأردن، وبدعم من الأشقاء في الإمارات والسعودية.

في الجزائر، كما في السودان، لم يمنح الشارع الإسلاميين فرصة للانقضاض على ثمار الثورة هناك، كان الوعي أكبر من المؤامرة. ولكن السؤال: هل وصل كل منها إلى بر الأمان؟ الجواب ما زال رهين خطوات كثيرة يجب أن تنفذ.

ما حدث في ليبيا كان منذ اللحظة الأولى مخططا له من قبل قطر وتركيا، ولكن الصورة اليوم واضحة المعالم، الشارع الليبي استفاق. ولا بد من دفع فاتورة تطهير البلاد ليس فقط من سيطرة الجهاديين بل من الإخوان، فالاثنان وجهان لعملة واحدة.

في العراق، القصة اتخذت طريقا آخر منذ البداية، حيث مهدت الولايات المتحدة الطريق لملالي إيران لبسط نفوذهم. كانت واشنطن ترى في ملالي إيران نسخة أخرى عن الإخوان؛ إسلاما معتدلا (هكذا).

سوريا التي تربطها مصالح مشتركة قديمة مع طهران، سارعت إلى توظيف هذه العلاقة القديمة فور مواجهتها للأزمة، واستعانت بحليفها الروسي القديم الذي يبحث عن مكان له في المنطقة.

شهية إيران، التي شعرت أنها تسيطر على الوضع في العراق وسوريا وفي لبنان عن طريق حزب الله، اتجهت هذه المرة إلى اليمن باحثة عن حليف وجدته في الحوثيين.

لم تتوقف جماعة الإخوان يوما عن ارتكاب الجرائم في حق السعودية، وعقدت تحالفات موجهة ضدها، ودعمت تنظيمات محلية وخارجية معادية لها.

ففي عهد الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز أيد الإخوان العراق في احتلال الكويت ووقفوا ضد السعودية ومن معها من دول مجلس الخليج العربي.

وفي عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قام الحوثيون بهجوم مسلح على حدود المملكة العربية السعودية، في منطقة جازان، حينها أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في بيان أصدرته تأييدها الحوثيين ضد السعودية.

وعندما اتخذت السعودية والإمارات والبحرين قرارها بسحب سفراء بلدانها من قطر، بعد فشل كافة الجهود الدبلوماسية لإقناعها بوجوب الالتزام بالمبادئ التي تضمن عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواء عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق دعم الإعلام المعادي، خرجت جماعة الإخوان مرة أخرى لتقف ضد السعودية وتدافع عن راعيها في قطر.

ولم تكتف جماعة الإخوان بالصمت، عندما تطلب الأمر اتخاذ موقف ضد جماعة الحوثي، حيث لم يعد سرا وجود تنسيق بين ميليشيات الحوثي وحزب الإصلاح الإخواني، الذي ترعاه قطر، بهدف عرقلة تحرير ما تبقى من محافظات في اليمن، وتعطيل عملية تطبيع الحياة في المحافظات المحررة.

لا يخفى على أحد أن حزب الإصلاح الإخواني سعى إلى دعم ميليشيات الحوثي، تطبيقا لأوامر قيادة التنظيم الدولي للإخوان، ودعما لمشاريع إقليمية معادية للتحالف العربي.

بالتأكيد، تعلم بريطانيا ومعها الولايات المتحدة، بالتجربة، أن أفضل الأعداء هم أسوأهم أيضا، وأن الوقت قد حان للاعتراف بأن تطرف الإخوان وتطرف ملالي إيران وجهان لعملة واحدة، ومعا هما بوابة للعنف الجهادي، وأن سلاحهما الأشد فتكا، ليس الحديد والنار، بل هو المؤامرات والدسائس.

13