أفضل الروايات

الاثنين 2014/12/22
داود تجرّأ على الخروج من السياق التاريخي للسرد

تطالعنا الصفحات الثقافية في المجلات كل عام باستفتاء عن أفضل روايات العام، وهو أمر وظيفي ومهني مألوف، ولكن غير المألوف أن تتصدر الروايات الفائزة بالجوائز على أنها أفضل ما كُتب في هذا الجنس الذي أصبح يرتقي السلالم ويتصدر المشهد الثقافي العربي.

وكما أشار الشاعر عبده وازن أن ما أنتج في عام 2014 من الروايات وصل إلى نحو 900 رواية، وهو عدد كبير بالمقارنة مع إنتاج السنوات الماضية. تتجاذب هذه الروايات جائزتان هامتان هما: البوكر في أبو ظبي وكتارا في الدوحة.

لكن السؤال المطروح هو: ما الذي أضافته هذه الروايات إلى الفن الروائي؟ هل أضافت هذه الروايات ابتكارا إلى فن السرد على صعيد التقنيات الحديثة التي وصلت إليها رواية أميركا اللاتينية على سبيل المثال؟

يمكنني أن أقول إن رواية كمال داود “ميرسو: تحقيق مضاد” الذي يعالج فيها قضيّة “العربي” الذي قَتلهُ “ميرسو” في رواية كامي، تعتبر إضافة حقيقية، ولو أنه كتبها باللغة الفرنسية، لأنه بحث عن خيوط الحكاية لكي يقدّم رواية الضحية لمحكمة التاريخ، ويحرّر الإنسانية من سردية ألبير كامي التي هيمنت على العالم سبعين سنة.

هذه حقا إضافة أما أن نجتر القصص والحكايات ولا نخرج بنتيجة ابتكارية، فهي تصّب في مجرى الكمّ، الذي هو ضروريّ لظهور النوع، كما يقول المنهج الجدلي عند كل من هيغل وماركس.

هذا الروائي الشاب تجرأ على فعل شيء خارق وهو تحريرنا من السارد العليم الذي لا يناقشه أحد وهو ألبير كامي، لقد تجرأ هذا الروائي الشاب على الخروج من السياق التاريخي للسرد، ويضع النقاط على الحروف بأن مقتل هذا العربي لم يُهدر دمه جزافا، بل هناك من ينتقم لمقتله روائيا وسرديا.

إنها محاكاة عظيمة للرواية الغربية التي نزلت علينا كالكتاب المقدّس، وأصبحت المركزية الأوروبية الغربية هي مرجعيتنا المطلقة.

نحن أيضا نمتلك الأساطير ولكننا لا نتنفس من خلالها، بل من خلال رئة الغرب الذي أعاد صياغتها، فالعلكة لا تُعلك مرتين، لكننا في الرواية العربية ما زلنا أسرى لهذا السرد التاريخي الغربي الذي جعلنا عاجزين ومتخلفين عقليّا.

وفي رواية الجزائري كمال داود لا يتحرّر هارون إلا حين يقتل فرنسيّا ليلة الاستقلال 5 يوليو 1962، عشرون سنة بعد مقتل “العربي” بالتمام.

آنذاك تستريح الأمّ من أعباء الثأر فتهرم بسرعة، وتنخرط في صمت أبدي حيث يعمد الروائي إلى معارضة كل ثيمات رواية “الغريب” بثيماتٍ تُناقضها وتُفككها، ويبقى العبث واللاجدوى قاسما مشتركا بين النصّين.

وهو ما فعله ميرسو بقتل العربي ثم طمس حكايته واسمه أمام المحكمة لينال بذلك كتابه شهرة عالمية وجائزة نوبل.

ولقد فعلت ذلك في روايتي “كلاب جلجامش” الصادرة في 2008 عندما قمت بمحاكاة مع ملحمة جلجامش، وعملت على تفكيك أسطورة الخلود بطريقة حديثة، وجعلت من الخلود كارثة إنسانية رهيبة، وليس هدف جلجامش وأحلام البشرية فيما بعد.

على أيّة حال، إنها لفرحة كبيرة أن يكون لدينا كمّ من الروايات في انتظار النوع، ومع الأحداث الجارية في تفكيك الوطن العربي.

نحن بحاجة إلى تفكيك الواقع وإعادة بنائه من خلال البناء الروائي وفن السرد، فهي مهمّتنا، نحن الروائيين، لأن الرواية بحاجة إلى عمل يومي دؤوب، يكون خلاله الروائي في قلب العاصفة، لا أن يكتب رواية واحدة ويصمت.

فمن له مشروع روائي ليس كمن يكتب رواية واحدة، ما عدا خوان رولفو الذي كتب رواية واحدة هي “بيدرو بارامو”، فهو عين تبصر الحاضر، والرواية تتنبأ بالمستقبل.

15