"أفعال ليلية" تحيل إلى جريمة من أجل بيئة نظيفة

الجمعة 2014/09/26
للجريمة أوجه أخرى دوافعها إنسانية تنتهي بالقتل أحيانا

لندن - كل شيء يجري في عتمة الليل، النزول الحذر إلى البحيرة، سحب القارب، إعداد المتفجرات، توقيت التفجير، كل شيء يدب دبيبا صامتا فيما تلوح صور ثلاثة أشخاص، رجلان وفتاة، البرد شديد، والخوف يسيطر على الثلاثة من وقوع مفاجأة في اللحظة الأخيرة، أو أن ترصد الكاميرات حركتهم وتطلق صافرات الإنذار.

هلع اللحظة سرعان ما يتبدد تدريجيا بعد التخلص من الزورق والانسحاب بحذر من المكان، ثم يتفرق الثلاثة.

لحظة العودة ومرور العديد من سيارات الإسعاف والشرطة التي هرعت إلى موقع التفجير، التدقيق في البطاقات الشخصية للقادمين من جهة مكان التفجير، بما فيها بطاقات هوية المنفذين، مشاهد ترقب إضافية تضيف إلى الخوف بعدا آخر.

هذه هي سلسلة المشاهد الحاسمة في فيلم “تحركات ليلية” للمخرجة كيلي ريشارد، حيث الهدف هو تفجير أحد السدود في ولاية أوريغون، وذلك من منطلق وجود آثار ضارة للسد على البيئة، مما حدا بهؤلاء الناشطين الثلاثة أن يتصدوا لهذا الأمر، فيقررون بشكل نهائي التخلص من السد دعما للبيئة، وذلك بتفجيره ولا سبيل غير ذلك.

دينا (الممثلة داكوتا فاننغ) وجوش (جيس إيزنبيرج) صديقان تشبّع عقلاهما بمشكلات التلوث التي تضرب الحياة البحرية كما الهواء والأرض، التلوث والتجارب النووية والتشوهات التي تحدث للبيئة، كل ذلك يدفعهما إلى فعل شيء ما للتصدي لهذا الأمر، وإعادة شيء من بكارة تلك البيئة النقية، لا سيما وأنهما ينحدران من عائلتين امتهنتا الزراعة، وجوش نفسه ظل يمارس الزراعة مع أسرته.

الحاجة إلى متفجرات تدفعهما إلى شراء أنواع من الأسمدة الكيميائية التي عند مزجها، ستكون ذات طابع تفجيري يحقق لهما الغاية التي يسعيان إليها. ونشهد مواقف تقطع الأنفاس فيما دينا تفاوض صاحب مخازن الأسمدة الكيميائية، للحصول على الكمية المطلوبة، لكن تداول تلك الأسمدة بالذات يتطلب أن يكون الشخص معرفا بدقة.

ما إن يقع حادث تفجير السد حتى تتصدر وقائعه الأخبار، ولكن ما لم يكن في الحسبان هو وقوع ضحية.. شخص كان مخيما قرب السد، وهو ما يقلب الأمور رأسا على عقب، إذ أن دينا كانت لديها شروط من أهمها أن لا يتسبب التفجير في الأذى لأي شخص، سوى توجيه رسالة إلى السلطات بالانتباه إلى الفضائع التي ترتكب في حق البيئة. والحاصل أن دينا لا تتمالك نفسها فتبدي شعورها بالذنب عن مقتل ذلك الرجل، وتضطرب علاقتها بجوش فتنقلب إلى رفض تام له.

يقدم الفيلم من الناحية الدرامية شخصيتين إشكاليتين، من خلال جوش ودينا، فهما بالرغم من قربهما من بعضهما البعض، إلاّ أنهما لم يظهرا ولو في لقطة واحدة وهما قريبان من بعضهما، بل بدت علاقتهما حيادية بشكل تام، فيما بدا جوش ضائعا في عالم لا يعرف كيف يتعامل معه.

ليس هنالك خطوط درامية متشعبة في ذلك الامتداد السردي الهادئ والرتيب أحيانا، فحتى الحبكات الثانوية بدت ضعيفة كالصعوبة المؤقتة في الحصول على الأسمدة، أو من قبيل وفاة شخص مجهول في موقع الحادث.

الإيقاع الوئيد يدفع أحيانا إلى التساؤل عن جدوى تلك اللقطات الطويلة زمنيا والتي تحتاج إلى اختزال، لأنها بشكلها الذي ظهرت به تبدو ثقيلة الوطء وتبعث على الملل.

لكن التحول غير المحسوب، هو الهلع الذي بدأ يدب في داخل جوش، وذلك خوفا من اعتراف صديقته أمام السلطات بما جرى، وبسبب صعوبة التفاهم معها، يندفع جوش وأيضا في أجواء ليلية شبه معتمة، إلى سجال حادّ معها يدفعه إلى التخلص منها خنقا، راميا كل ما يعرّف بشخصيته والانتقال للعيش في ولاية أخرى.

ما عدا ذلك البناء الدرامي القائم على قيام الشخصيات بتلك المهمة الليلية، الليل يصبح مواكبا للشخصيات التي لا تعرف ليومها بداية ولا نهاية، فالعامل الزمني في البناء السردي للفيلم يتداخل بشكل غريب، وهو إحساس مرتبط حتى بالشخصيات نفسها.

16