أفغانستان بعد الانسحاب العسكري الأميركي.. هل تصبح إمارة لطالبان أم خلافة لداعش

الطريق أمام سيطرة طالبان على أفغانستان بات مفتوحا بعد خسارة الرهان على إدارة الرئيس جو بايدن الذي خيب الآمال ولم يخالف سياسات سلفه في الملف الأفغاني.
الاثنين 2021/04/19
الانسحاب الأميركي.. انتصار لطالبان وخيبة أمل للشعب الأفغاني

من شأن إعلان الولايات المتحدة عن انسحاب كامل لقواتها من أفغانستان بحلول الـ11 من سبتمبر أن يطمئن من يريدون نهاية الحرب، لكنه يثير قلق من يخشون عودة طالبان إلى الحكم، حيث ستستفيد من الفراغ الأمني وفقدان واشنطن إرادة الاستمرار للزحف نحو السلطة. كما سيفتح الانسحاب الأميركي الباب لداعش الذي يقدم نفسه كبديل عقائدي للتنافس مع الحركة والترويج من جديد لدولة الخلافة، ما يعني أن أفغانستان ستتحول مجددا إلى ساحة لجذب الجهاديين والتكفيريين من كل بلدان العالم، وهو ما يثير مخاوف روسيا التي استبقت سيناريوهات الانسحاب الأميركي وقلبت عداءها لطالبان إلى تعاون لتتجنب اندلاع الفوضى بالقرب من حدودها.

القاهرة- بدا بعد الإعلان الرسمي عن سحب الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان دون شروط كأن الزمان عاد إلى هيئته في منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما استفاد قادة طالبان في ذروة الحرب الأهلية من غياب كافة أشكال الحكم المركزي لإنجاح زحفهم نحو السلطة.

لا يهم الموعد ما دام الانسحاب سيتم، ولا يغير تحديد الرئيس الأميركي جو بايدن الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر آخر أجل لإتمامه من الأوضاع وخطط طالبان المستقبلية التي انتظر قادتها وحلفاؤها تلك اللحظة بفارغ الصبر لاستغلالها كحدث تاريخي واعتباره انتصارًا على قوة كبرى أخرى يدفع بها إلى الصدارة ويزيد من أسهمها لاستعادة السيطرة على البلاد.

وأقر بايدن في خطاب ألقاه في البيت الأبيض بأن أهداف بلاده في أفغانستان أصبحت غامضة على نحو متزايد خلال العقد الماضي، محددًا مهلة لسحب جميع القوات الأميركية المتبقية في أفغانستان والبالغ عددها 2500 في موعد أقصاه 11 سبتمبر المقبل، قائلًا “إن الوقت قد حان لوضع حد لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها”.

جو بايدن أقر بأن أهداف بلاده في أفغانستان أصبحت غامضة، محددًا مهلة لسحب جميع القوات الأميركية المتبقية في أفغانستان والبالغ عددها 2500 في موعد أقصاه 11 سبتمبر المقبل

بعد عقدين من أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة وبعد عشرين عامًا من هجمات تنظيم القاعدة يُعاد الاعتبار للقول الشهير لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر “إن المتمردين يفوزون إذا لم يخسروا، وهذا يعني أن كل ما يجب على المتمردين القيام به هو المكوث في أماكنهم والمقاومة والانتظار حتى يفقد خصمهم الإرادة للاستمرار”.

ليست الولايات المتحدة ولا حلفاؤها في الناتو فقط من فقدوا الإرادة للاستمرار، إنما أيضًا الطرف الأهم في المعادلة وهو الشعب الأفغاني الذي فقد الأمل في تحقيق مجتمع عصري منفتح ينعم بالحريات والاستقرار، فلم يعد محط رهان أي قوة خارجية لفرض التغيير بعد أن أعْيَته الحروب وأصابه الإحباط من وحشية أطراف المعركة، وصار لا يرى أية جهة داخلية فاعلة خيارًا جيدًا، وعلمته سنوات الحرب وعقود الفوضى أن خياراته لا تهم كثيرًا.

مفاتيح الدولة

بات الطريق أمام سيطرة طالبان على أفغانستان مفتوحًا بعد خسارة رهان أطراف داخلية وخارجية على إدارة الرئيس جو بايدن الذي خيّب الآمال ولم يخالف سياسات سلفه الرئيس دونالد ترامب في الملف الأفغاني والتي شجعت وأفادت حركة طالبان كثيرًا.

ما سيزيد من ثقة طالبان في قدرتها على تحقيق النصر العسكري والسياسي أن قرار الانسحاب غير مشروط، ما يعكس الرغبة الأميركية في التخلص بشكل نهائي من الكابوس الأفغاني، مقابل بداية كابوس جديد للأفغان الذين يخشون اندلاع حرب أهلية جديدة بعد انسحاب كل قوات حلف الناتو، كما جرى بعد خروج قوات الاتحاد السوفييتي أواخر ثمانينات القرن الماضي.

ستعزز رغبة الداخل الأفغاني والمحيط الإقليمي لأفغانستان في تفادي سيناريوهات الحرب الأهلية والفوضى الشاملة من إمكانات وقدرات طالبان الواثقة من نفسها للعب دور رئيسي في مستقبل أفغانستان، وهو ما يمكنها من تحقيق هدفها التالي بعد انسحاب القوات الأجنبية، وهو انهيار الحكومة المحلية دون دعم أميركي في غضون أشهر وتثبيت طالبان في موضع المسؤولة عن إدارة البلاد وتلقي الدعم والمساعدات المالية الدولية.

قادة طالبان الذين أنكروا التطورات الإيجابية ورفضوا القبول بكل التغييرات التي جرت في غياب حركتهم على مدى السنوات العشرين الأخيرة في مشهد السلطة، يدفعون عن أنفسهم تهمة فشل تجربتهم السابقة في الحكم ويبررون ذلك بعدم تلقيهم مساعدات مالية أو أي شكل من أشكال الدعم الدولي، واليوم يقولون للأميركيين والمجتمع الدولي نحن أحق من الحكومة الحالية بما يعتريها من فساد وسوء إدارة بهذا الدعم، وانظروا إذا وُضعنا في موضع المسؤولية ما يمكننا فعله بكل الدعم السخي.

بعد خروج آخر جندي أميركي ستصبح طالبان قريبة من فرض سيطرتها على المزيد من المفاتيح الرئيسية في الدولة؛ حيث تسيطر حاليًا على نحو ثلثي الأراضي الأفغانية وقسم كبير من المناطق الريفية والطرق الإستراتيجية، ويدير أعضاؤها فعليًا الكثير من المدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة، لكن مع فقدان السلطة المحلية الدعم العسكري والمالي الأميركي سيكون في متناولها الاستحواذ على المدن الكبرى والوصول إلى كابول.

غراف

لن تتغير إستراتيجية طالبان كثيرًا لتحقيق أهدافها المتبقية وصولًا إلى استعادة حكم البلاد، وهو الهدف الذي حاربت من أجله منذ الإطاحة بها عام 2001، حيث اعتمدت منذ مطلع الألفية السيطرة على المناطق الريفية انطلاقًا من الملاذات الآمنة في باكستان وإيران، وتاليًا التوسع بمناطق جديدة بعد تحصين ما سيطرت عليه مسبقًا، حتى تمكنت وفق هذا التدرج من الهيمنة على مساحات شاسعة من أفغانستان.

من المرجح أن تواصل الحركة الزحف بنفس الإستراتيجية بغرض السيطرة على عواصم المقاطعات والأقاليم وإحراز ما يمكنها عمليًا على الأرض من إزاحة الحكومة المركزية في كابول كي تحل محلها، مستندة على ما جرى من اعتراف أميركي ودولي صريح بقوتها الراهنة كطرف رئيسي على الساحة الأفغانية وعلى قاعدتها التمويلية الذاتية المستقرة.

وستواصل طالبان تشكيكها في شرعية ما تُسميه “الحكومة الدمية”، ضمن مساعيها النهائية لإقصاء حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا وتقديم نفسها كبديل يحتكر المساعدات المالية الغربية تحت زعم فساد الحكومة القائمة وعدم كفاءتها وما تروجه الحركة للغرب وللداخل الأفغاني بشأن أحقيتها في القيام بهذا الدور لإيصال تلك المعونات إلى المدنيين الأفغان وإلى مستحقيها بشفافية من خلال إدارة حازمة لا تعاني من الفساد.

أدوات جديدة

ظلت الأداة الرئيسية المفضلة لدى حركة طالبان طوال الفترة الماضية منذ توقيع اتفاقية السلام مع واشنطن في فبراير 2020 جني المكاسب والاستفادة من تنفيذ الولايات المتحدة تعهداتها، مقابل نكوص الحركة عن الوفاء بالتزاماتها في ما يتعلق بفك الارتباط مع تنظيم القاعدة

أو وقف استهداف الجيش وقوات الأمن الأفغانية والدخول في مفاوضات جدية لتقاسم السلطة.

كي تُؤَمِن الحركة الإفراج عن الآلاف من أعضائها المحتجزين لدى قوات الأمن الأفغانية أطالت أمد المفاوضات مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب مُحْجِمَة عن الوفاء بالتزاماتها ولجأت إلى المراوغات وتحييد القوات الدولية والأميركية وتنفيذ هجمات على القوات المحلية، ما جعلها تحصل على هدفها بالضغط والخشونة مع الحكومة وهو الإفراج عن سجنائها، وعلى مرادها من الأميركيين بالدبلوماسية وعدم الاستهداف عندما أوفى ترامب بالتزاماته المنصوص عليها بالاتفاق وخفض عدد القوات من 13 ألفا وقت توقيع الاتفاقية إلى نحو 2500 فقط.

ومن المتوقع أن تستحدث طالبان أدوات جديدة خلال مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي والدولي المرتقبة لتظل رقمًا رئيسيًا في المعادلة الداخلية.

وعُد إعلان الانسحاب الأميركي والدولي في حد ذاته الأداة الأهم في يد طالبان؛ لأنه يمنحها وحلفاءَها فرصة نادرة للحديث عن انتصار جهادي كبير من شأنه أن يرجح كفتها في ظل الصراعات المحتدمة مع ولاية خراسان، فرع داعش في أفغانستان.

وفي حين يزايد أعضاء داعش على القاعديين والطالبانيين بورقة التنازل وإقامة صلح مع الأعداء، سيمتلك عناصر طالبان والقاعدة رواية تبدو أكثر تماسكًا، مفادها أنهم هزموا التحالف الدولي الذي أسقط خلافة داعش في العراق والشام وبصدد إعلان الانتصار مجددًا على قوة عظمى أخرى، وهو نفس الحديث الذي تردد في أعقاب الانسحاب السوفييتي سنة 1989.

تتعامل طالبان مع مرحلة ما بعد الانسحاب بحسب تصريحات قادتها وتفاعلات أعضائها والموالين لها على حساباتهم الخاصة وفق ما تخطط له بالانتقال من مربع الميليشيا إلى مناهج وأدبيات وأدوات الدولة لتحظى بكل الامتيازات التي تحولها إلى كيان سياسي.

إعلان رسمي عن سحب الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان دون شروط

يتيح التحول إلى كيان سياسي والصعود إلى مستوى الرقم الأول في المعادلة الأفغانية، مقابل تهميش الحكومة المحلية أو إزاحتها، للحركة تحقيق ما خطط له قادتها، وهو دعم نفوذ طالبان الأكثر تنظيمًا بإمكانات مادية وتمويلية تفتقر لها لتصبح أكثر فاعلية وأوسع نفوذًا.

ولا يُقارَن ما تتحصل عليه الحكومة الأفغانية المحلية من إمدادات ومساعدات ضخمة بمصادر تمويل طالبان الذاتية المتواضعة التي تأتي معظمها من تجارة المخدرات وفرض الضرائب والإتاوات بالأقاليم التي تسيطر عليها والتنقيب غير القانوني عن المعادن الثمينة فضلًا عن طلب الفدية عبر عمليات الخطف والابتزاز ومكاسب الحركة من عمليات التهريب والتبرعات الخاصة وغنائم الحرب.

وصعود طالبان كحركة سياسية شرعية تدير شؤون البلاد يجعلها كيانًا قادرًا على تقديم الخدمات وتوظيف ذلك سياسيًا واجتماعيًا لمحو آثار حقبتها الوحشية التي قتلت خلالها عشرات الآلاف من المدنيين والمعلمين وحرقت المدارس والمستشفيات.

مشاريع متصارعة

ما جعل طالبان أكثر حرصًا على التمسك بنموذج الحكومة الدينية ورفض الانتخابات والحكومات التشاركية هو وجود نموذج ديني منافس متمثل في داعش الذي يطرح البديل العقائدي والحكم الإسلامي الصارم.

تركيز طالبان على العودة إلى شكل الإمارة الإسلامية التي يرأسها مجلس ديني مُسْتعيدة نموذجها خلال الحقبة بين 1996 و2001 من شأنه جعل أفغانستان مجددًا ساحة لجذب الجهاديين والتكفيريين من كل بلدان العالم وتحويلها ملاذًا لمختلف فصائل السلفية الجهادية التابعة للقاعدة وداعش.

صعود طالبان ككيان حاكم وما يتيحه للقاعدة من مزايا غير مسبوقة تحت عباءتها، يدفع داعش بقوة إلى طرح مشروع خلافته المنافس لكليهما والبديل عما انهار لتنظيم الدولة بالعراق وسوريا.

بعد خروج آخر جندي أميركي ستصبح طالبان قريبة من فرض سيطرتها على المزيد من المفاتيح الرئيسية في الدولة؛ حيث تسيطر حاليًا على نحو ثلثي الأراضي الأفغانية وقسم كبير من المناطق الريفية والطرق الإستراتيجية
بعد خروج آخر جندي أميركي ستصبح طالبان قريبة من فرض سيطرتها على المزيد من المفاتيح الرئيسية في الدولة؛ حيث تسيطر حاليًا على نحو ثلثي الأراضي الأفغانية وقسم كبير من المناطق الريفية والطرق الإستراتيجية

ومن المرجح أن تنشأ عن ذلك مواجهات على مختلف المستويات تهدف إلى تكريس كل تيار لنموذج خلافته الخاص به؛ ففي حين تطرح طالبان نموذجها المحلي المتطور الذي يمزج بين إثبات كفاءتها في المجال الإداري وتقديم الخدمات للمدنيين لتعويض تشددها في مجال الحريات العامة والفردية، سيسعى داعش للمنافسة بنموذج خلافته العالمية التي تتخذ من أفغانستان منطلقًا لإدارة وتوجيه ولايات تابعة في كل بلدان العالم.

ويُغري الواقع الجديد بعد الانسحاب الأميركي والدولي مختلف الكيانات المتطرفة على تكرار ما حصل أواخر تسعينات القرن العشرين حينما غادر أسامة بن لادن السودان لينشئ معسكرات تدريب في ظل حكم طالبان جنوب أفغانستان.

يرى مريدو الجهاد وحمل السلاح في مختلف مناطق العالم في أفغانستان مكانًا مُهيئًا وجاذبًا إما للانضمام إلى خلافة داعش أو للالتحاق بحكم طالبان الذي سيجري الترويج له بصفته حكما إسلاميا تديره حكومة مُمَكنة ومنتصرة ومعترف بها دوليًا وتربطها علاقات بمحيطها الإقليمي، تمييزًا لها عن فرع داعش غير المُمَكّن والذي لم يتحول من مستوى الميليشيا إلى مستوى الكيان السياسي الدولتي المعترف به.

يبعث واقع ما بعد الانسحاب الأميركي والدولي برسائل تفهمها جيدًا موسكو التي تجمعها بواشنطن ثارات متبادلة باستخدام سلاح الجهاديين والإسلاميين انطلاقًا من الساحة الأفغانية، علاوة على ما قد ينطوي عليه الانسحاب من رغبة أكبر من إرضاء الداخل الأميركي وإنهاء الحروب الأبدية وهي ترك فوضى جهادية إسلاموية قريبة من روسيا في أفغانستان تضاف إلى منغص أوكرانيا.

داعش سيسعى للمنافسة بنموذج خلافته العالمية التي تتخذ من أفغانستان منطلقًا لتوجيه الولايات التابعة له في العالم

بالرغم من أن المنطق يحتم التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في وجه التهديدات الناجمة عن الإرهاب إلا أن المقاربة التي يتبناها مسؤولو الدولتين، وهي أن ما يضر موسكو ينفع واشنطن والعكس، تشمل أيضًا آفة الإرهاب. ولن تنسى روسيا بسهولة أحداث أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، ولن تتغاضى واشنطن عما أشيع في يونيو 2020 عن تقديم موسكو مكافآت لطالبان نظير هجماتها ضد القوات الأميركية والناتو.

استبقت موسكو سيناريوهات الانسحاب الأميركي من أفغانستان وقلبت عداءها مع طالبان إلى تعاون لتتجنب اندلاع فوضى على حدود نفوذها في آسيا الوسطى، ولأنها من المستحيل أن تتدخل بشكل مباشر في أفغانستان في هذه المرحلة حتى لا تقاتل على أكثر من جبهة ولا تستنزف مواردها، ولتحقيق مصالحها الإستراتيجية الخاصة، بما يثبت أنها قوة عظمى تستطيع رعاية هذه المصالح بمفردها دون التعويل على الولايات المتحدة وفي غيابها وحلف الناتو عن المنطقة.

13