أفغان وباكستانيون يجدون رزقهم في شباك أقفاص الصيد البحري بالإمارات

الإمارات تشكل منذ عقود موطنا لمئات الآلاف من العمال القارة الآسيوية الذين عملوا في مختلف المهن خاصة في صناعة أقفاص الصيد البحري في مدينة كلباء.
الجمعة 2018/05/18
مهارة يدوية عالية وسرعة فائقة

كلباء (الإمارات) – تستقبل الإمارات العربية المتحدة آلاف العمال من جنسيات عربية وأجنبية، وقد وجد فيها الآسيويون مصدر رزقهم، فاختاروا العمل فيها ليعيلوا عائلاتهم ويعلّموا أبناءهم في بلدانهم، بل منهم من قرر أن ينهي مشواره المهني في الإمارات خاصة أنه يجني ما يكفيه ويكفي عائلته.

 وعمل هؤلاء في مختلف المهن، ومنهم من اختار العمل في صناعة أقفاص الصيد البحري في مدينة كلباء التي أصبحت الممول الرئيسي لكل الإمارات في أدوات صيد أسماك الشعيري والزبيدي.

يستيقظ الأفغاني نور يوميا مع طلوع الفجر ليصلّي إلى جانب عمّال آخرين، ثم يتناول معهم كوب شاي قبل الشروع في يوم عمل طويل في مدينة كلباء الإماراتية لصناعة أكبر عدد ممكن من أقفاص الصيد البحري.

تقع المدينة الساحلية المطلّة على خليج عمان على بعد حوالي 200 كلم شمال شرق أبوظبي، وقد تحولت على مدى عقود إلى مصدّر رئيسي لأقفاص الصيد المصنوعة من أسلاك الحديد وإلى موطن للعشرات من الأفغان والباكستانيين الباحثين عن فرص عمل.

ويشرح نور المتحدر من مدينة خوست الواقعة جنوب العاصمة الأفغانية كابول، والتي تشهد أعمال عنف منذ عقود، أن “كل قفص يتطلب نحو سبع أو ثماني ساعات من العمل دون توقف”.

ويضيف نور -وهو أب لثلاثة أبناء- “أعمل على صناعتها هنا منذ تسع سنوات”.

ويتقاضى الأب الأفغاني والعمال الآخرون 25 درهما (حوالي سبعة دولارات) لقاء كل قفص صيد، وعادة ما ينجز كل منهم قفصا أو قفصين في اليوم الواحد. وتسمى هذه الأقفاص في المنطقة “دوابي”.

الحر لا يمنع من العمل
الحر لا يمنع من العمل

لكن رغم ساعات العمل الطويلة في درجات حرارة غالبا ما تكون مرتفعة جدا، يعبّر الأب الأفغاني عن سعادته بعمله هذا، إذ يقول “أنا سعيد لأنني أستطيع أن أجني أموالا وأن أرسلها إلى عائلتي في نهاية كل شهر. هذا العمل يؤمن لهم المأكل والملبس”.

في غرف مفتوحة تحت أسقف من القش تخترقها أشعة الشمس، يعمل نور إلى جانب العشرات من العمال الآخرين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 سنة. وتضم هذه المنطقة الصناعية عددا كبيرا من الشركات الصغيرة التي تؤمّن للعاملين لديها المأكل والمبيت والشاي، وتسمح لهم بالسفر إلى بلدهم لستة أشهر كل عامين.

ورغم كونها منطقة صناعية فإنها تخلو من الضجيج، ولا يعكر صفو هدوئها سوى الموسيقى الخارجة من الهواتف النقالة أو أصوات الممثلين ومقدمي البرامج ونشرات الأخبار الأفغانية والباكستانية المتصاعدة من جهاز التلفزيون المتوفّر في كل غرفة.

وتنتشر على مداخل الغرف المفتوحة أقفاص الصيد المنجزة التي تشبه أكواخ الإسكيمو الصغيرة، بينما ينكب العمّال في الداخل على صناعة أقفاص أخرى تستخدم خصوصا لاصطياد أسماك الشعيري والزبيدي الأكثر شهرة في المنطقة.

ويروي أكبر (55 عاما) -وهو أب لولدين- أنه وصل إلى كلباء قبل 30 سنة آتيا من مدينة بيشاور الباكستانية.

ويضيف، وهو يستعد لاستكمال عمله في أحد أقفاص الصيد، أنه يخطط للبقاء أعوامًا إضافية قبل العودة النهائية إلى بلده، موضحا “صحيح أن الرأس اشتعل شيبا، لكنني لا أزال شابا في داخلي. وعلى كل حال لا توجد وظائف في باكستان”.

 وبعدما أنهى كوب الشاي غادر أكبر الأريكة البنية التي كان يشاهد منها مسابقة غنائية باكستانية على شاشة التلفزيون، ثم توجه نحو حفرة تتوسطها سجادة دائرية رمادية تحيط بها أسلاك حديدية.

أمسك أكبر حبلا أزرق بيديه، عاد خطوتين إلى الوراء، ثم اندفع نحو الحفرة. وبحركة بهلوانية خاطفة قفز عاليا فوق الأسلاك ودخل الحفرة مبتسما، على وقع ضحكات وتصفيق عمال آخرين. وقال “ثلاثون سنة وأنا أقفز يوميا في هذه الحفرة”.

قفزة داخل القفص
قفزة داخل القفص

يتطلب تصنيع قفص الصيد هذا مهارة يدوية عالية، إذ أن على العامل أن يقوم بربط الأسلاك الحديدية الرقيقة مع بعضها البعض بشكل متساو وبسرعة فائقة.

وغالبا ما يعرّض هذا العمل أصابع اليدين إلى إصابات، لذا يعمد صنّاع أقفاص الصيد إلى حماية أصابعهم بالقماش السميك أو بأدوات الحماية الأخرى المصنوعة من الألمنيوم الخفيف.

أمام مرآة متوسطة الحجم تعكس صورته وهو بصدد صناعة قفص الصيد، جلس هرات (30 عاما) على كرسي صغير لينجز عمله اليومي، مستمعًا إلى أغان أفغانية تصدح من تلفزيون وضع على الأرض قرب مروحة وباب غرفة نوم ضيقة.

ويقول هرات، وهو يحرك الأسلاك بين يديه برشاقة، إن المروحة الصغيرة تحميه من قيظ الصيف حيث تشتد الحرارة لتبلغ عتبة الخمسين درجة مئوية في بعض الفترات. وأضاف الرجل الذي يعمل في المدينة الساحلية منذ ثلاث سنوات “الحر لا يمنعنا من العمل”.

وتشكّل الإمارات العربية المتحدة منذ عقود موطنا لمئات الآلاف من العمال الآتين خصوصا من أفغانستان وباكستان والهند والفلبين ودول أخرى.

وتعمل حوالي 50 شركة إماراتية في منطقة صناعة أقفاص الصيد، وتوظف كل شركة بين 10 و12 عاملا.

قبيل منتصف الليل يتوقف نور الخمسيني صاحب اللحية التي غزاها الشيب عن العمل، فيحتسي كوب الشاي الأخير، ثم يضيف إلى لائحته الشهرية قيمة أقفاص الصيد الجديدة التي صنعها قبل أن يتوجه إلى سريره في غرفة النوم المجاورة لمكان عمله.

ويؤكد نور أن عمله في كلباء لن يتوقف إلا إذا عثر على وظيفة في أفغانستان حيث يدور نزاع مسلح منذ عقود. ويقول وقد لفّ على أصابع يديه قطعا من القماش الملون “أغادر عندما أصبح عجوزا”.

20