أفق أرحب أمام محرز

الأحد 2017/08/13

لعل التاريخ سيحفظ بلا شك ما حققه اللاعب الجزائري رياض محرز الذي قاد برفقة زمرة من اللاعبين كانوا متقدين حماسا فريق ليستر سيتي إلى معانقة اللقب الغالي في الدوري الإنكليزي الممتاز في إنجاز أسطوري وخرافي يشبه المعجزة، خاصة وأن هذا الفريق المغمور تغلب على كل المنافسين وكتب تاريخا جديدا في فصول الكرة الإنكليزية.

وفي ذلك الموسم عانق هذا الفتى الجزائري قمة المجد وبلغ عنان السماء بفضل تألقه اللافت وأهدافه الرائعة وتمريراته المتقنة التي سحر بها كل متابعي الدوري الإنكليزي، فساعد في تحقيق اللقب الغالي ثم دوّن اسمه بأحرف من ذهب بعد أن بات أول عربي ينال شرف التتويج بلقب أفضل لاعب في هذا الدوري العريق.

لقد حقق محرز كل ما يتمناه أي لاعب قادم من فريق صغير، إذ نجح في شق طريقه نحو العالمية وأصبح في أعقاب ذلك الموسم الاستثنائي والتاريخي أحد أبرز نجوم اللعبة في العالم، إلى درجة أن قميصه رقم 26 مع ليستر أصبح من بين أكثر القمصان مبيعا في العالم.

نال محرز كل عبارات الإشادة والتنويه من الجميع، وأكد في تلك الفترة أنه لاعب قادر على مقارعة أبرز نجوم الكرة في أوروبا، وفي خضم هذا النجاح الباهر والساحر ارتفع سعره وقيمته التسويقية في بورصة أبرز اللاعبين لتصل إلى حوالي 30 مليون يورو، لكن رغم ذلك تهاطلت عليه العروض فطلبت وده عدة أندية بارزة سواء في إنكلترا أو أوروبا، فأرسنال مثلا لهث وراءه طويلا في الصائفة الماضية وبرشلونة فكر في التعاقد معه، بل وكان ضمن مخططات المدرب السابق للفريق الإسباني لويس إنريكي. كانت كل الأبواب مفتوحة أمامه للخروج من معقل “ثعالب” ليستر وخوض تجربة جديدة أكثر إثارة ومتعة.

غير أن إدارة ليستر التي كانت تخطط لتحقيق نجاحات جديدة ومبهرة في الموسم الموالي أوصدت هذه الأبواب وصدّت كل الطامحين والطامعين في التعاقد مع محرز، كان أمل هذه الإدارة أن يواصل الدولي الجزائري إبداعاته ويقود الفريق من جديد إلى إنجازات “ثورية” في عالم الساحرة المستديرة.

هذا القرار فرض على النجم المدلل ومعبود جماهير نادي ليستر البقاء والاستمرار لموسم آخر، وربما آمن رياض محرز من جانبه بأن المشروع السامي والطموح لفريقه قد يكتب له أن يتحقق مادامت كل الظروف في بداية ذلك الموسم مواتية.

لكن لعدة أسباب بدأت الأمور تسوء يوما بعد يوم وأسبوعا إثر أسبوع، فالضغط الكبير المسلط على الفريق والاستعداد الجيد لبقية الفرق المنافسة لمواجهة زحف ليستر من ناحية أخرى وخروج بعض اللاعبين المؤثرين من الفريق على غرار الفرنسي كانتي، كانت عوامل أدت إلى تراجع مستوى الفريق ونتائجه، وحتى محرز لم يجد بسهولة ثوابته ونقاط قوته في موسم كان مخيّبا نسبيا.

ليستر الذي صنع المعجزة موسم 2015ـ2016، صارع من أجل البقاء في الموسم الموالي وكاد يفقد مكانه في دوري الأضواء ليدفع مدربه السابق الإيطالي كلاوديو رانييري الثمن بعد أن تمت إقالته، ورغم بعض النجاح النسبي في أول مشاركة ضمن مسابقة دوري الأبطال إلاّ أن الفريق ظل يراوح مكانه وبقي معه محرز في “دوامة” لم يكن من السهل الخروج منها رغم اجتهاده في عدة مباريات ومواعيد هامة.

ومع نهاية الموسم المنقضي وبدء التحضير للموسم الجديد، أدرك محرز صاحب السادسة والعشرين ربيعا أن الوقت ربما قد حان للانطلاق نحو أفق أرحب وفريق أقوى لديه من الطموحات والأهداف ما يخول له استعادة سالف عنفوانه من جديد.

لقد فكر محرز طويلا وأعلم إدارة ناديه ليستر سيتي بأنه يرغب في الرحيل، لقد أعلمها بأنه لن يكون بمقدوره مستقبلا تقديم أي إضافة، لقد ضاقت أمامه السبل والأفق مع هذا الفريق وهو بحاجة لـ”دماء جديدة” تضخ في عقله وقدمه اليسرى الساحرة كي ينطلق من جديد.

هذه الرغبة الشديدة قابلتها بعض العروض أبرزها من نادي روما الإيطالي الذي سعى بشتى السبل إلى التعاقد مع بديل قوي وقادر على تعويض رحيل النجم المصري محمد صلاح إلى ليفربول، وكان محرز في مقدمة اللاعبين المطلوبين، بيد أن العرض المادي المقدم من الفريق الإيطالي لم يرض إدارة ليستر، الأمر الذي دفع بروما إلى صرف النظر مبدئيا عن التعاقد مع محرز.

ليبقى ذهن النجم الجزائري مشتتا، فهو لم يعد راضيا بوضعيته مع الفريق ولم يعد قادرا على البقاء لفترة أطول وفي الوقت ذاته لن يرضى بالذهاب إلى مكان آخر دون أن يحقق لفريقه الذي قدّمه للعالم مكسبا ماديا معتبرا، فاضطر مُكرها إلى مواصلة التدريبات مع ليستر، وشارك في مباراة الأسبوع الأول من الدوري الإنكليزي، لكنه رغم ذلك لم يغلق باب الخروج نهائيا.

محرز أصبح مستعدا لأي شيء، حتى وإن اضطر إلى طرق الأبواب بنفسه، وهو ما حصل فعلا بعد أن فتح باب التفاوض مع إدارة برشلونة الإسباني الباحث عن لاعب يكون قادرا على تعويض النجم البرازيلي نيمار، ويبدو أن الدولي الجزائري تفطن إلى أن الحكمة تتطلب الكثير من الجرأة، ومثلما تجرأ نيمار وقبل الخروج من فريق الأحلام البرشلوني من أجل خوض تحد جديد، فإنه تجرأ بدوره وطلب ود برشلونة من أجل تحد جديد وحلم قد يطير به في أفق أرحب بكثير.

كاتب صحافي تونسي

23