أفق إنهاء الطائفية في الشرق الأوسط: أنظمة سياسية ذات مجلسين

العيش في صراع إثني وديني وطائفي في الشرق الأوسط ليس قدرا، بل يمكن تجاوز هذا الواقع الدموي إلى أفق آخر يعبر فعلا عن توق تلك الشعوب إلى الديمقراطية والاستقرار. فالاحتلال الأجنبي والتغيير المسقط من الخارج سوف لن يزيدا الأمور سوى التعقيد، خاصة وأن الأنظمة السياسية المقترحة في عهود ما بعد الأنظمة الشمولية ليست في مستوى تعقيد الواقع في المنطقة والنظام المنشود فعلا.
الاثنين 2016/07/04
برلمان لا يعبر سوى عن الفوضى

قدم الأكاديمي العراقي عصام الخفاجي، مستشار الأمم المتحدة للتنمية للشأن السوري، رؤية جديدة في ما يخص النظام السياسي لكل من العراق وسوريا تقضي باستناد السلطة التشريعية إلى نظام المجلسين، الأول للنواب والثاني للشيوخ، وأوضح أن مثل هذا النظام يتوافق مع ظروف العراق وسوريا البلدين اللذين يتميزان بالتنوع القومي والطائفي والديني، حيث يتم الخضوع لممثلي الأغلبية في مجلس النواب من جهة وتمكين الأقليات من أن يكون لها رأي مؤثّر في صنع القرار الوطني ويضع قيوداً على استبداد الأغلبية الطائفية أو القومية العددية عبر مجلس الشيوخ.

وفي بحث مطول صدر له قبل أيام، قال عصام الخفاجي إن استمرار العنف والفوضى في العراق، والشلل الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، أثبت أن انتخاب مجلس للنواب ليس ضمانة كافية لقيام نظام سياسي ديمقراطي، وشدد على ضرورة وجود مؤسسات وآليات تمنع استبداد الأغلبية، وتضمن لمكونات الأمة كافة حقها في التشريع والحكم وإدارة شؤون الدولة.

وركّز في بحثه على طريقة التعامل مع التنوع القومي والديني والمذهبي في العراق وسوريا، و”المحاصصة الطائفية” التي تحكم العراق ما بعد البعث، وقال إن نظام المجلسين “لن يقضي على الحذر المتبادل بين القوميات والطوائف الدينية والمذهبية في المدى القريب، لكنه سيضع قيوداً على استبداد الأغلبية الطائفية أو القومية العددية”.

ونبّه الخفاجي، المختص في العلوم السياسية والاقتصادية، إلى أن الدستور العراقي الذي تم إقراره عام 2005 يشترط مثل هذا الحل، حيث تنص المادة 48 منه “تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد”، وهو مجلس يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات، وانتقد عدم تنفيذ هذا النص الدستوري بعد إحدى عشرة سنة من إقرار الدستور، وقال إن هذا دليل على أن مبدأ مجلس الشيوخ سيواجه برفض من أي أغلبية برلمانية في العراق وسوريا.

وأسهب الباحث في توضيح ما يمكن لنظام المجلسين تحقيقه في ظل ظروف هذين البلدين، وكيف يمكن أن يدفعا عملية التحول الديمقراطي إن تمكّنا من تبنّي مشروع قابل لأن يتيح لكل مكونات المجتمع أن يكون لها دور في صنع السياسات الوطنية.

واقع مشوه

أكّد الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن على وجود استقطاب حاد بين أبناء الطوائف والقوميات في هذين البلدين المعنيين، أدى إلى اتخاذ النضالات الهادفة إلى إسقاط نظامي البعث أبعاداً مشوّهة أنتجها واقع مشوه، وانتقد جزءاً من المعارضات لأنها كرّست هذا التشويه لأنها مستفيدة منه، وقال إن العالم العربي والمنطقة لم يشهدا نُظماً أكثر وحشية من النظامين البعثيين في العراق وسوريا، لكن برأيه “وحشيتهما لم تقتصر على العدد الهائل ممن فقدوا أرواحهم أو الذين تعرضوا للتعذيب في السجون أو المنفيين، بل في كونهما شوّها الوعي السياسي لجيلين، من خلال غسيل دماغ مارسه نظام الحزب الواحد، ونشر الرعب عبر تحكّم أجهزة المخابرات وتغلغلها في كافة مفاصل المجتمع″، ولفت إلى أن هذه الوحشية قادت إلى اعتياد العراقيين والسوريين على ثقافة تتفنّن في التعصب والقسوة مع من لا ينتمي إلى هوياتهم وشوّهت الوعي.

تجربة العراق التي مضى عليها 13 سنة تبيّن أن اختزال النظام في عملية انتخابية هو الطريق الأسرع لفقدان الثقة بالديمقراطية

وبحث الخفاجي في تجربة العراق البرلمانية التي قال عنها إن “ديمقراطية الأغلبية في العراق بإيجابياتها القليلة وسلبياتها الكثيرة تقدم دروسا غنية يجب أن يستفيد منها الشعب السوري”، مفترضا أن السوريين سيتجهون لصناديق الاقتراع بعد إزاحة الأسد وبطانته عن السلطة، كما حدث في العراق، ورأى أن الفائز سيكون القوى الإسلامية السنية بأغلبية مقاعد البرلمان نتيجة فقر الثقافة السياسية، وانتشار السلاح، فضلا عن أن العملية الانتخابية ستجري قبل قيام المؤسسات غير المسيّسة الضرورية لإحلال الديمقراطية.

شدد عصام الخفاجي على أن المدخل لكبح استبداد الأغلبية هو نظام البرلمان ذو المجلسين، ووصفه بـ”الحل السحري” للجمع بين مبدأي الديمقراطية الأساسيين: الخضوع للأغلبية وتمكين الأقلية من أن يكون لها رأي مؤثر في صنع القرار الوطني، ولفت إلى أن المجاميع السكانية المنتمية إلى قومية أو طائفة معيّنة في العراق وسوريا تنزع للعيش في مناطق تكون غالبيتها السكانية من نفس طائفتها، مما يعني أن تمثيل المحافظات هو تمثيل للطوائف أو القوميات.

وقال الخفاجي إن “مجالس الشيوخ في الجمهوريات الديمقراطية تلعب دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على وحدة تلك البلدان، بوصفها كابحة لطغيان الأغلبية العددية، ذلك أنها تتشكل على العموم كهيئات لتمثيل مناطق البلد وإعطاء كل منطقة صوتا مساويا للمناطق الأخرى بغض النظر عن عدد سكان كل منطقة”، واستعرض بتفصيل تجارب الهند وألمانيا والولايات المتحدة في هذا المضمار.

نموذج مقترح

حاول الباحث في دراسته الصادرة عن مبادرة الإصلاح العربي الإجابة عن سؤال كيف يمكن لمجلس شيوخ عراقي أو سوري أن يكون مرسخا لنظام ديمقراطي يضمن حقوق الجميع، من خلال وضع تفاصيل حول صلاحيات مجلس الشيوخ ووظائفه، والتي يقع ضمنها برأيه التصويت في جلسة مشتركة مع مجلس النواب على منح الثقة للحكومة ورئيسها. وكذلك إقرار القوانين المصادق عليها من قبل مجلس النواب مع حقه في إعادتها لتعديلها، وفي حالة الاختلاف يتم التصويت في جلسة مشتركة بين المجلسين، وهو ما يضمن تأثير الأغلبية. وأيضا انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في جلسة مشتركة مع مجلس النواب وإقرار تعيين كل موظف غير مُنتخب.

عصام الخفاجي: المدخل لكبح استبداد الأغلبية هو نظام البرلمان ذو المجلسين

أما عن تركيبة هذا المجلس فاقترح الخفاجي مجموعتين، الأولى “المجموعة النوعية” التي تُشكل عشرين بالمئة من الأعضاء من ممثلي المهن والفعاليات والمنظّمات والنقابات والفنّانين والأكاديميين، أما المجموعة الثانية التي تُشكّل 80 بالمئة من الأعضاء فهي من يمثل المحافظات، لكنه اعترف بتعقيد اختيار هؤلاء في ظل التعقيدات الاجتماعية في العراق وسوريا، حيث يتضمن مجلس النواب عددا من مرشحين يتناسب مع التوزيع الطائفي والعرقي، ما أنتج أزمة مستعصية في عمل الدولة، وشدد على أن سوريا ستواجه مشكلة أكثر تعقيدا خاصة وأن العرب السنة يمثلون أغلبية تقارب ثلثي السكان، ولا تقابلهم كتل قومية أو مذهبية أو دينية كبيرة يمكن أن تحد من سيطرتهم على السلطة التشريعية أو التنفيذية كما هو حال العراق، الذي يضم كتلا شيعية وسنّية وكردية متنافسة، وستلعب هذه التفاوتات دورا كبيرا في سوريا.

لهذا شدد على التفكير في إنشاء مجلس شيوخ ذي أهمية قصوى للمنشغلين بمستقبل سوريا، كما أشار إلى أن التمثيل المناطقي المتساوي في سوريا والعراق، أي إيصال عدد متساو من ممثلي المحافظات لمجلس الشيوخ، لن يحل مشكلة طغيان صنع القرار من جانب الأغلبية الطائفية، فمن بين 18 محافظة عراقية سيكون ممثلو تسع محافظات عرباً شيعة، و3 أكراد، ومحافظتان للعرب السنّة، وسيكون العدد مختلطاً في 4 محافظات أخرى، أما في سوريا فمن بين 14 محافظة ستكون سبع محافظات للعرب السنّة، وواحدة للدروز، وأخرى للعلويين، والبقية مختلطة.

ولهذا شدد على ضرورة تخصيص مقاعد انتخابية للأقليات في المحافظات التي يطغى عليها لون طائفي أو قومي واحد، ففي العراق يجب تخصيص مقاعد للمسيحيين في بغداد والموصل وكركوك، ومقعد لليزيديين في دهوك، وآخر للصابئة في بغداد، ومقاعد للتركمان في كركوك. أما في سوريا فلا بد من تخصيص مقاعد للمسيحيين في دمشق واللاذقية وحمص وحلب وحماه، ومقاعد للأكراد في حلب، ومقاعد للدروز في القنيطرة، فضلاً عن ضرورة إعادة رسم الحدود الإدارية للبعض من المحافظات لا سيّما في العراق.

وحذّر من أن تجربة العراق الدامية التي مضى عليها ثلاث عشرة سنة تبيّن أن اختزال النظام الديمقراطي في عملية انتخابية وخطابات أخوّة بين الجميع هو الطريق الأسرع لفقدان الناس ثقتهم بالديمقراطية ولمعاودة الحنين إلى نظام استبدادي قاتلوا من أجل القضاء عليه.

كاتب من سوريا

6