أفق الحراك العراقي المسلح بين المخاوف العربية وطمأنة "الثوار"

الثلاثاء 2014/06/24
الحراك العراقي يثير فزع القوى الإقليمية الكبرى

تراكمت العديد من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق، لتنذر بانفجار مرتقب للوضع، والدخول في دوامة عميقة من الصراع لن تخلو من العنف والدماء. وهاهو العراق اليوم يدخل فعلا في مسار مجهول المستقبل نتيجة احتقان الوضع وغليان طيف واسع من الشعب العراقي جراء سياسات الإقصاء والتهميش التي تتّبعها حكومة نوري المالكي في حق فئة واسعة من الشعب العراقي بدوافع طائفية ومذهبية واضحة تغذيها التدخلات الإيرانية المباشرة في قطاعات واسعة من مصالح الشعب العراقي. لكنه وككل حراك واسع ومسلح، انتشر بسرعة في العديد من المدن العراقية المهمة والقريبة من المناطق التي تحوي أغلبية “سنية”، مؤديا إلى سيطرة العشائر على الموصل وتكريت وصلاح الدين والعديد من المدن والأقضية المحيطة بها.

ولم تخل المعارك بين العشائر والقوى المسلحة الأخرى وبين الجيش الحكومي من إضافة عنصر ثالث سبب توجسا حقيقيا من الأحداث العراقية الدائرة الآن، وهذا العنصر هو ما يسمى بـ”تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام” أو ما يعرف بـ”داعش”. فبعض القيادات السياسية العربية تقول إن الخطر يكمن في سيطرة هذا التنظيم على جزء من العراق، وبالتالي يشكل خطرا على استقرار المنطقة وخاصة مصر، كما يرى مساعد رئيس حزب المؤتمر المصري تامر الزايدي. في الحين الذي تنفي فيه القيادات الميدانية لهذا الحراك وجود أي طرف متشدد داخل الفصائل المقاتلة، بل تؤكّد حرصها على وطنية “الثورة” وديمقراطيتها، ويتبنى هذا الموقف علي حاتم السليمان شيخ عشائر الأنبار في العراق.


داعش تقاتل في العراق وتهدد أمن مصر

أعلن تامر الزيادي، مساعد رئيس حزب المؤتمر، عن تحذيرات من تطوّر الأحداث في العراق وما أسماه تقدّم تنظيم “داعش” ودخوله لعدد من المدن العراقية واقترابه من دخول العاصمة بغداد، معتبرا أنّ السيناريو الّذي يجري على أرض العراق يتنزّل ضمن مخطط أميركي يهدف إلى تهديد أمن مصر ودول الخليج بعد مواقفها الأخيرة المساندة لمصر، ضدّ مخطط إسقاط الجيش المصري “الذي فشل الإخوان في تنفيذه، وهو ما يؤكد الدور العظيم الذي لعبه الشعب والجيش المصريّان في 30 يونيو، الذي أنقذ مصر من تنفيذ سيناريو داعش على أيدي محمد مرسي وجماعته".

تامر الزيادي : سياسي مصري ومفكر ومحلل سياسي تولى منصب مساعد رئيس حزب المؤتمر المصري، الذي نتج عن اندماج عديد الأحزاب اليسارية والليبرالية والوطنية المصرية

وقال القيادي بحزب المؤتمر في تصريحات إعلامية متفرقة “إن سيناريو أحداث الفوضى في العراق والشام وتهديد دولة الكويت، هو الخطة البديلة لأميركا وحلفائها بعد فشل السيناريو الأول لإسقاط الجيش المصري بمحاولة جرجرته للصراع في العراق بعد تصريحات الرئيس المصري، التي أعلن من خلالها قبل فوزه في الانتخابات، أنّ مصر مسؤولة عن أمن الخليج، كما أنّ أميركا هي المستفيد الأول من بقاء الصراع على كلّ الأصعدة لضمان استمرار بيع الأسلحة لأطراف الصّراع".

وأشار الزيادي في توصيفه لتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام الإرهابي، إلى أنّ داعش “تختلف عن تنظيم القاعدة وتسعى لرسم معالم دولة حقيقية على الأرض تمتلك السلاح والمال عن طريق عائدات النفط، من خلال سيطرتها على آبار البترول والمصارف في العراق، كما أنّها تعتمد على سياسة القتل والتهجير للأقليات، وهو ما ينذر بكارثة في الشام والعراق ومنطقة الشرق الأوسط، إحياءً لمخطط تقسيم المنطقة على أساس الهوية والطائفة".

ويؤكد تامر الزيدي أن له معلومات من داخل أروقة صناع القرار في مصر، أنّ “القيادة المصرية على اتصال مستمر ومباشر بنظيراتها في دول الخليج للوقوف على تطورات الوضع في العراق استعدادا لأي عدوان قد يهدد المنطقة”. ويرمي نائب رئيس حزب المؤتمر في ذلك إلى أنّ الاستراتيجية المصريّة في الدفاع القومي تقوم على فكرة الدفاع العام عن المحيط العربي لمصر، والّذي يعدُّ ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بشكل عام، خاصة وأن فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين جعلت من مصر محطة لخدمة مصالح العديد من الجهات الإقليمية المحيطة بالوطن العربي، خاصة إيران وتركيا، اللتان تدعمان الجماعة بشكل مطلق، ما يقوض أمن مصر ودول الخليج والمغرب العربي في آن واحد. لكنه يستدرك في هذا الإطار ليصرّح أن مصر ماضية نحو الإيفاء بما قررته من مزيد تعميق المشترك الأمني العربي، على الرغم من أن معطيات المشهد الذي صنعته داعش في العراق ينفي وجود أيّة تهديدات لمنطقة الخليج الواقعة على حدود العراق".

ويواصل تامر الزيدي تحليل موقفه من المسألة العراقية والأمن العربي من التدخلات الإقليمية، قائلا إن “تدخل الحرس الثوري الإيراني لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي في العراق، الذي يعقد العزم على الإطاحة بحكومة المالكي الشيعية، هو الحالة الوحيدة التي يمكن أن تشكل تهديدا على أمن منطقة الخليـج، خاصــة السعوديــة والكويــت لأنّ لهما حدودا مباشرة مع العراق، وبالتــالي قد يتطلــب هذا الأمر نشـر قوات مصرية في المنطقة الحدوديّــة على غرار ما حدث في حــرب الخليــج".

السيناريو العراقي سوف يهدد أمن مصر والمنطقة نظرا لسيطرة داعش وتعاظم قوتها واستهدافها للجيش المصري انتقاما للإخوان

ويضيف نائب رئيس حزب المؤتمر، الذي كان يتزعمه عمرو موسى وزير الخارجية المصري السابق، أنّ “مصر وقواتها المسلحة مستعدة للاشتراك في حماية أمن الخليج إن لم يكن هناك وسائل لدى هذه الدول تمكنها من صد أيّة تهديدات تلحق بها، وخاصة تهديدات تنظيم داعش الإرهابي”. وهو كلام موجه إلى الأطراف التي تشكل تهديدا لأمن مصر ممثلة في الجماعات الإرهابية المقاتلة أو في الجماعات التنسيقة التي تعمل على تمرير أجندة القوى الإقليمية داخل الأقطار العربية.


ليس هناك داعش والثورة لمصلحة العرب


لقد انطلقت ثورة عشائر العراق لمجابهة الطائفية والممارسات المجرمة لطغمة فاسدة أحرقت الأخضر واليابس في العراق الأبي على مدى عقد من الزمن اتّسم بأبشع أنواع الفساد والسرقة والقتل على الهوية دون أبسط التزام بالقواعد الأخلاقية والإنسانية”، بهذه الكلمات صرح علي حاتم السليمان، رئيس مجلس ثوار العشائر للعديد من وسائل الإعلام العربية والدولية، بعد تطور الأحداث في العراق وتمكن المسلحين من السيطرة على العديد من المدن الهامة مثل الموصل وتكريت وصلاح الدين و بيجي وبعض القرى الأخرى المحيطة، مؤكدا أن ما يحدث في العراق يعدُّ “ثورة ضد الظلم ولا علاقة لداعش أو أي تنظيم إرهابي بها".

علي حاتم السليمان: أحد مشايخ عشيرة الدليم في الأنبار غرب العراق، وهو أحد الأطراف المخولة للحديث باسم المقاتلين في العراق، وعضو المجلس السياسي لـ«ثوار العشائر العراقية»

وأكد علي حاتم في معرض حديثه “أنّ حكومة المنطقة الخضراء معزولة عن شعب العراق”، مؤكدا أن المالكي قد أمعن في سياسته التمييزية بين أبناء العراق (تفضيل الشيعة على السنة)، حيث انتقد بشدة العملية السياسية الناتجة عن دستور ما بعد الاحتلال “الذي قام على أساس تمزيق العراق وشرذمته”، حسب قوله، مشيرا إلى أنّ الثوار من العشائر والبعثيين والقوى الوطنية والإسلامية، لا يعوزهم الوعي بالحراك الذي يقومون به في سبيل “تعبير أصيل عن رفض العراقيين لحقبة الاحتلال السوداء التي ألمّت بالبلاد وأبعدته عن ممارسة دوره العربي والإنساني الرائد على مدى تاريخ البشرية”، حسب تصريحه.

ويشير شيخ عشائر الأنبار (وهي مجموعة عشائر متعددة تقطن غرب العراق) إلى أن الدور الموكول للدول العربية، خاصة، والمجتمع الدولي، عموما، هو الاعتراف بهذه الصورة ودعمها سياسيا وإعلاميا والتواصل مع قياداتها للتعرف أكثر عما يحدث “حتى يطمئن الجميع”، مضيفا أن “المطلوب على الصعيدين العربي والدولي، هو دعم هذه الثورة المباركة سياسيا ومعنويا وإعلاميا وصولا نحو انتصارها لإقامة نظام وطني تعددي ديمقراطي يقيم أفضل العلاقات مع جميع الدول، وخاصة الدول العربية الشقيقة، في حين أن السكوت على الإرهاب الإيراني الميليشياوي من جهة والإرهاب الداعشي من جهة أخرى سوف يجر المنطقة إلى حريق لن يقف عند حدود العراق".

ويفسر علي حاتم أفق “الثورة العراقية” على المستوى العربي، الذي ركز عليه في العديد من مداخلاته، أن درء الخطر الطائفي الذي ترعاه إيران وتدعمه، والخطر الإرهابي المتشدّد الّذي تمثّله الجماعات الجهادية مثل داعش والقاعدة وغيرها “يتطلب من الدول العربية ودول العالم، وفي هذه اللحظة المفصلية بالذات، التحرك السريع لدعم ثورة الشعب المعبر عنها بثورة عشائر العراق، وهو دعم مطلوب إنسانيا لوضع نهاية لأعداء الشعوب ومروجي الفتن والفرقة الطائفية”، مؤكدا أن “التوجس الذي تبديه بعض الدول أمر مفهوم، لكنّ الواقع مغاير لتلك الظنون".

وتابع علي حاتم شيخ عشائر الأنبار قائلا: “هناك مجالس عسكرية تشكّلت، عند تشكيل هيئة ثوار العشائر في الأنبار لتنظيم الثوار من الناحية العسكرية، وهذه المجالس موزّعة على محافظات الأنبار وبغداد ونينوى وصلاح الدين وديالى، وتدار من قبل ضبّاط الجيش السّابق والثّوار، وتديرها قيادة مشتركة من رجال العشائر في العراق وقادة من الجيش السّابق، وقد حددوا وقتا زمنيا مدروسا للتحرك”. وذلك للتأكيد على أنّ العملية مدروسة ومقصودة وغير قابلة للتّشكيك، مشيرا إلى أنّ “الثورة لا تقبل دخول عناصر متطرفة فيها، لا داعش ولا غيرها من أصحاب الأجندات الخارجية”، مواصلا حديثه عن عزم “الثوار” مواصلة ثورتهم “النظيفة والخالية من الإرهاب والظلم والدماء".

ثورتنا ضد الطائفية ولا مكان للإرهابيين فيها، وهي ثورة تعيد العراق للعرب وننتظر الدعم العربي والدولي لهذا الحراك

وأشار شيخ العشائر إلى عدم مشاركة أيّ تنظيم من خارج التشكيلات العسكرية المقاتلة التي أقرتها اجتماعات القيادة السياسية لثوار العشائر، مؤكدا خلو المسلحين من أي مرجعية عنفية أو إرهابية، واصفا تنظيم داعش الإرهابي بـ“الصنيعة الإيرانية التي تكبرها أجهزة الإعلام الحكومية لوسم الثورة بالإرهاب”. وقد أكّد علي، في كافة مداخلاته على الحرص على الحفاظ على أجهزة الدولة وسلامة المدنيين وإطلاق سراح الجنود الذين استسلموا.


الأردن في المأزق الإقليمي بين لاجئي سوريا وإرهاب داعش في العراق


أثارت سيطرة مقاتلين إسلاميين على مناطق واسعة في العراق مخاوف الأردن من تمدد تنظيم “الدولة الاسلامية في العراق والشام” (داعش) إلى المملكة التي تعاني أمنيا من وجود عدد كبير من السوريين وتنامي أعداد الجهاديين الذين بدؤوا في الاشتباك مع العشائر العراقية بغية السيطرة على الحراك العراقي وتحويل وجهته.

وقد تفاقمت مخاوف المملكة بعد سيطرة مسلحين ينتمون إلى التنظيم المتطرف على بعض المناطق من الموصل ثاني أكبر المدن العراقية رغم نفي قيادات عشائرية لهذه “القوة المضخمة إعلاميا لداعش".

المخاوف الأردنية من خطر الإرهاب في تزايد رغم تطمينات العشائر العربية على الحدود

ويحذر خبراء من أن الأردن قد يكون الهدف القادم، فيما تظهر مقاطع فيديو على الأنترنت تهديدات أطلقها التنظيم باستهداف المملكة التي تواجه اشكالات عديدة خاصة أمنية نتيجة وجود نحو 650 الف لاجئ سوري وجهاديين أردنيين انضم عدد منهم إلى تنظيم “الدولة الاسلامية” ومجموعات أخرى متشددة للقتال في العراق وسوريا.

ويقول عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية، أن الإرهاب هو أمر واقع في المنطقة، مضيفا أنه “إما الجاهل أو الذي يعيش حالة انكار من ينفي أن لداعش مؤيدين وأنصارا داخل الاردن”. وأشار إلى أن “هذا التنظيم له موطئ قدم هنا وإلا كيف لنا أن نفسر وجود نحو ألفي جهادي أردني في سوريا والعراق".

ويتفق الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، مع ما تقدم به عريب الرنتاوي، ويقول أنه “على المملكة ان تقلق وبشدة”، فهناك تنظيم منظم جيدا وقوي وعازم على توسيع مداه “فقد أعلن دولة إسلامية في العراق والشام ووضع الأردن كجزء من دائرة استهدافه وتوسعه".

وترى السلطات الأردنية أنه من الخطير على المستوى الأمني والاجتماعي والاقتصادي أن ينهار الأمن على حدودها الشمالية الشرقية مع العراق، رغم اعراب العشائر في أكثر من مناسبة أن منطقة الأنبار الحدودية مع الأردن آمنة وأنه لا يوجد متطرفون على الأقل معلنون في تلك المناطق، بقدر ما تسيطر قوات العشائر عبر ضباط من الجيش العراقي السابق المنتمي في أغلبه إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ذي الخلفية العلمانية غير المتشددة دينيا.

وفي سياق رصد الموقف الأميركي المعني بالدرجة الأولى بالحراك العراقي الأخير نظرا لتناقضه المعلن مع العملية السياسية التي خلفها الاحتلال الأميركي للعراق منذ 2003، حذر الرئيس الأميركي باراك أوباما في مقابلة بثت الأحد من مخاطر الهجوم الكاسح للمسلحين الإسلاميين المتطرفين في العراق على استقرار المنطقة برمتها.

وقال اوباما في مقابلة مع شبكة “سي بي أس″ ان “المشكلة الحالية هي ان (مقاتلي) داعش يزعزعون استقرار البلد (العراق) لكن يمكنهم ايضا التوسع نحو دول حليفة مثل الاردن".

كما يؤكد خبراء أن الأحداث العراقية بكل فصائلها ومكوناتها وسيناريوهاتها، إنما تمثل تناقضاتها تجسيدا لديناميكية التغيير في المنطقة العربية سوف تفضي إلى اختلاف في وجه المنطقة ولكن “دون اندلاع لحروب أخرى مازالت في الأفق” وذلك نتيجة تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية في الأنظمة السياسية العربية.

12